شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

غواية الظل غواية الظل
القراءات:(503) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات 

  قصة ، من : أبو أنس مجاهد  
غوايــة الظــل

كأنه طائر يغادر لأول مرة عشه ، يمشي محلقا في فضاء الشارع الطويل ، في رشاقة الفراش يتلذذ بكل خطوة يخطوها على الرصيف ، ويقف بين الفينة والأخرى ليتأمل السيارات وألوانها ، والشرفات ، والأطفال ، بينما أمه تراه من بعيد نشوانة بفلذة كبدها وهو يكبر أمامها ...

كان الشارع عالما كبيرا بالنسبة إليه وهو يجول بعينيه البريئتين كل مكان ، فجأة توقف عن الحركة كان شخصا ما يطارده ويفرض حراسة لصيقة عليه .. يتبعه ..يراقبه .. يضيق الخناق عليه أينما اتجه . التفت بسرعة ولكنه لم تجد أحدا. كان مجرد شبح فقط أراد الفرار منه ولكنه لم يفلح . بينما أمه تكاد تختنق من الضحك مع جارتها وهي تراه يحاول الإفلات من ظله، كان منظره فرصة لأن تستريح من سرد أخبار الجيران لجارتها .

توقف هنيهة ليتأمل ذلك الشيء الذي لا يفارقه ، كان أسودا بلا ملامح ، ما أثاره أنه كلما قام بحركة فلا وتحرك مثله ومما زاد حيرته أنه يطول مرة ويقصر مرة ويختفي أخرى كلما قام أو انحنى . جرب كل الطرق للتخلص منه ولكن بدون جدوى . فكر في الهروب منه فانطلق بسرعة البرق لكنه ما إن توقف حتى وجده يلهث بلا صوت معه .

توقف ينتظر أمه لتخلصه منه ولكنها ضحكت منه وهي تردد إنه ظلك يا صغيري . لم يكن جوابها مقنع بالنسبة إليه . أراد أن يستفسر عن المزيد ولكن ضحكها منه جعله يحجم عن ذلك .

انطلق في محاولة أخيرة للتخلص منه ، ولكن النتيجة كانت كسابقتها .شعر بضيق شديد لم يشعر به من قبل وأحس بأنه محاصر ، وخطر بباله أمر بدا له المنقذ من هذا الفضولي ، اتجه نحو أمه فسألها : أمي هل يموت الظل ؟ لم تأبه لسؤاله بل أبعدته عنها لأنها كانت مشغولة في سرد تفاصيل شجار جارتها بالطابق العلوي مع زوجها .

لم يكن لديه حل سواه ، انطلق نحو ممر السيارات بسرعة البرق في محاولة أخيرة للتخلص من شبحه المرعب . كان صوت الكابح يصعق كل من في الشارع تلته صيحات متعددة من هنا وهناك ثم جاء صوت أمه ليهز الشارع كله .

فرق رجال الشرطة الفضوليين فظهرت الأم وهي ممدة ساقيها والدموع شلالات تحرق منها الكبد والقلب ، ورأسه الصغير فوق فخدها والدم يسيل من رجليه معا .

كانت أصوات الناس ما بين مستنكر سرعة أصحاب السيارات وبين من يلوم الأم على تفريطها بطفلها الصغير ...ولكن الطفل الصغير لم يكن يشغله إلا ذلك الشبح الذي لا يفارقه ، كانت يده تمتد كأفعى تتحسس ظله عله علها تتلطخ بدمه ليتأكد من التخلص منه .

الحسين جنوي

أستاذ اللغة العربية

لايستطيع الإنسان أن يعيش بعيدا عن رقابة الاخريين مهما فعل وهذا سر متاع

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net