شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

دي إن إيه دي إن إيه
القراءات:(908) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات 

  قصة ، من : عبد الغني عبده  
"دي إن إيه"

قصة قصيرة

بقلم: عبد الغني عبده

* * *

"الآن بعد أن كشفت حقيقتك؛ من حقي أن أضاعف المبلغ الذي اتفقنا عليه" قال مدير معمل الطب الشرعي؛ وهو ينظر في عيني بلا خجل من تقاضيه الرشوة وطلبه مضاعفتها!!...

- أي حقيقة تلك التي كشفتها؟!

- الولد من صلبك.

- أي ولد؟! أقسم لك أنه وضع في طريقي – كما ذكرت لك – من قبل عصابة يبدو أنها تريد ابتزازي... ثم أن ما لا تدركه أنني عقيم.

- هاهاها.... ألعب غيرها، مين ده اللي عقيم؟! هو أنا بتاع بطاطا؟!.... بقولك الولد من صلبك.... أنا أجريت التحليل بنفسي.

- أنت معاهم؛ صح؟!.... وصلوا لك؛ هايدفعوا أكتر مش كده؟!!

- بتتكلم عن مين؛ بطل بقى؛ انكشف ملعوبك.... أي نعم أنا مش عارف غرضك إيه من اللفة دي كلها لكن اللي أنا متأكد منه زي ما أنا متأكد إني واقف معاك الآن، هذا الولد ابنك... وأنت لست عقيماً.

حالة من الارتباك والحيرة.... الألم والفرحة... الدهشة والحسرة؛ مشاعر متلاحقة تهز كياني وأفكار متلاطمة تكاد تحطم رأسي... حالة لم أدرك معها كيف تركت المرتشي، ولا كيف ذهبت إلى المنزل!!

أتأمل الطفل ذو الثماني سنوات... أراقب حركاته... أفتش في ملامحه؛ هل هذا ابني حقاً؟!.... كيف؟! ومتى؟!

عندما أقدمت على الزواج أجريت تحليلاً لي وللعروس؛ أنا من استلم نتيجة التحليل... كانت النتيجة صادمة، لن أتمكن من الإنجاب مطلقاً.... ذهبت إلى العروس خجلاً؛ لكنني قررت مصارحتها... قالت: لا يهمني في الحياة إلا أنت؛ أنت كل حياتي أنا وهبت عمري كله لك... طلبت منها التفكير في الأمر جيداً وعدم الانسياق وراء المشاعر... طلبت منها إخبار أهلها بالحقيقة... وكانت سعادتي غامرة عندما اكتفى والدها بشرط وجدته - حينها - مناسبا جدا بل أقل من التضحية التي سوف تقوم بها ابنته... من حقها - وقد ضحت بأمل كل امرأة في أن يكون لها أطفال ورضيت بالزواج من عقيم مثلي لا أمل له مطلقاً في الإنجاب – أن أؤمن لها مستقبلاً مادياً.... كتبت لها أغلب ممتلكاتي، الشركة التي كافحت لبنائها والفيلا الفخمة والسيارة.... حتى أغلب أرصدة البنوك... وها أنا أعيش معها خمسة أعوام من العسل المصفى؛ لم تجرح مشاعري يوماً... منحتني من الحب أكثر مما تخيلت أنه موجود في الدنيا....

الآن يأتي هذا الرجل المَقِيتُ المرتشي ليهدم كل هذه السعادة!! كيف يمكن لهذا الطفل أن يكون ابني؟!.... هذا حلم؛ بل كابوس...

طفل أمسك بيدي في إحدى الشوارع المزدحمة... تسللت يده الصغيرة إلى يدي ولم انتبه له إلا في مكان شبه خالي من المارة... نفضت يدي من يده بانزعاج ومضيت في طريقي؛ جاء صوته من خلفي: بابا!!.... رحت فين يا بابا؟! لم ألتفت... لست أنا المقصود بالنداء... هو يقصد أحد آخر... ارتفع صوته المخنوق بالبكاء.

- أنت تايه يا حبيبي؛ أبوك فين؟! ما فيش حد ماشي هنا... انت لوحدك.

- بابا؛ أنت ليه بتقول كده؟!

- بابا مين يا حبيبي؟! أنا ما عنديش ولاد.

- أنت بابا أنا عارف صوتك.

عندما قالها أدركت أنه لا يراني؛ هذا الطفل مكفوف!!... يا إلهي!! أي قلب قُدَّ من الحجر يترك طفل كهذا في الشارع وحده؟!...

تذكرتُ أن هذا الطفل عالق معي من وسط الزحام... لابد أن والده يبحث عنه الآن... هل أعود لأبحث عن والد الطفل؟ أم الأجدى أن أسلمه إلى قسم الشرطة؟!....

- اسمك إيه يا حبيبي؟

- نادر

- اسمك بالكامل؟! تعرف رقم تليفون بابا أو ماما؟!

- آه

- ألو

- .....

- أيوه؛ ابن حضرتك معايا؟!

- .....

- أنت بتقول إيه؟!... بلاغ مين؛ بلاغ في أنا؟!... أنا ما خطفتش حد... أنت فين؟ الولد مسك في إيدي وأهو معايا تعالى خده...

-.....

- يا سيدي تقدم بلاغ في القسم ليه؟!

-......

- أيوه طبعاً؛ مش عاوز شوشرة... لكن أنا مش فاهم أي حاجة؟! عنوانك إيه وأنا أجيب الولد لحد عندك.

-.....

- طيب؛ أنا هاعرف أجيب عنوانك... وأنا ماحدش يبتزني، عاوز تعمل شوشرة.... عاوز تبلغ القسم؟.... عاوز تكلم زوجتي ما عنديش مشكلة...

انقطعت المكالمة؛ حاولت تكرار الاتصال... الهاتف مغلق!!... ما الذي يحدث؟!

- عمو؛ عمو... عاوز أقول لك حاجة.

- عمو؟! ما كنت من شوية بابا؟! أنت مين؟ ومين اللي حدفك علي؟! إنطق وإلا هاسيبك في الشارع وامشي.

- يا عمو في ناس خدوني من الشارع؛ من قدام البيت... أنا كنت بالعب مع العيال وفجأة لقيت حد بيركبني موتوسكل وبعدين عربية وبعدين قعدت في بيت مدة... وواحد قال لي: عاوز ترجع بيتكم؛ لازم تنفذ إللي نقول لك عليه... وأنا نفذت.

- نفذت إيه؟

- قال لي: تحفظ رقم الموبايل ده... حفظته.... قال لي: هاتمسك في إيد واحد وتقول له يا بابا... هددني يا عمو؛ قال لي: لو ما نفذتش هانقتل مامتك!!.... أنا ما عنديش غيرها يا عمو؛ بابا مات قبل أن أولد... ممكن تدويني لماما من فضلك؟!

- فين ماما؟!

- في المنصورة...

- نعم؟! إحنا في القاهرة... جيت إزاي من المنصورة لهنا؟.... دي لعبة جديدة في نهاركم اللي مش فايت ده؟

دموع الطفل جعلتني أصدق ما يقول؛ كانت دموعه غزيرة وصوته مخنوقاً تماماً...

ما فات العصابة التي خطفت الطفل أنني عقيم... سوف ألاعبهم؛ ليس عليَّ أن أنزعج مطلقاً... أما وقد دخل الليل، ولا يمكن أنا أسافر الآن إلى المنصورة بالطفل.... سوف آخذه معي للمنزل. وغدا أذهب به إلى أمه.

في الطريق إلى المنزل تلقيت مكالمة من زوجتي، كانت منزعجة؛ "عن أي ابن تحدثينني؟!" رددت ضاحكاً؛ وحاولت أن أكمل لكنها لم تمهلني... لأول مرة يرتفع صوتها بهذا الشكل!!.... "هل نسيتي؟! أنا عقيييييييم" قلت فلم أجد منها رداً... استنطقتها؛ فردت برفق معتذرة وكأنني ذكرتها بما غاب تماماً عنها.

ما أن وصلت؛ رن هاتف المنزل... إنه هو الشخص الذي خطف الطفل...

- نأبك على شونة؛ الطفل قال كل شيء وسوف أوصله إلى أمه غداً.

-......

- ماذا؟! أنت كاذب.

-.....

- من أنت؟!

-....

- إهدئي يا سيدتي؛ أبنك في الحفظ والصون؛ كيف وصلوا إليك؟!

-....

- إهدئي... إهدئي إنه معك.

لا تغلق الخط؛ قلت للطفل الذي يتحدث إلى والدته... سحبت منه سماعة الهاتف مقاطعاً بكاءه المستمر.

- ألو... ألو؛ من فضلك كفي عن البكاء ودعي السماعة لأحد ممن خطفوك.

- ....

- أنتم لا تعلمون الكثير، وشهادة المرأة لن تنفعكم.... تجاوبها معكم سيضركم أنتم في النهاية... هذا الطفل هو ولدي وأنا ذاهب إلى قسم الشرطة... سوف تعرضون أنفسكم لشر عقاب..... ألو .... ألو.

انقطع الخط مجددا، لقد خطرت في ذهني فكرة جديدة سوف أحصل على شهادة رسمية "مزورة" تقول أن هذا الطفل هو ابني. الخاطفون يضغطون على السيدة لكي تبلغ الشرطة بأنني خطفت ولدها وهي تتجاوب معهم خوفاً على الطفل وعلى نفسها... لو حصلت على هذه الشهادة سوف يتغير الموقف لصالحي...

الآن يخبرني هذا الأفَّاق المرتشي أنني بالفعل والد الطفل!! كيف وصلوا إليه؟!... كيف أدركوا ما أدبر؟!

عندما داهمت الشرطة منزلي واقتادتني إلى مديرية الأمن؛ لم يكن أمامي إلا الاستشهاد بالطبيب الشرعي... "هذا الطفل ابني" قلت فطالب محاميَّ إجراء تحليل لي وللطفل... لم يكن أمامي أي تصرف... حاولت أن أقول أنني أجريت تحليلا مسبقاً لكنني تراجعت... سوف يثير هذا الكلام تساؤلات أكثر مما يمكن أن يساعد...

بعد قليل؛ دخلت امرأة إلى حجرة التحقيق مسرعة نحو الطفل؛ يا إلهي؛ أنا أعرف هذه السيدة.... قابلتها منذ مدة في مكان ما؛ عندما التقت عيني بعينها نطقت اسمي ونطقت اسمها... هذا الطفل – إذاً - ولدي!! لكن كيف؟!

لم يخب ملعوب الخاطفين فقط، بل خاب مسعاي أنا الآخر في استرضاء أم الطفل أو إقناعها بالزواج مني لنربي طفلنا معاً... حتى محاولاتي لإقناعها بعلاجه من العمى فشلت تماماً... لم تسافر بولدها إلى المنصورة بل غادرت مصر كلها لمكان لا أعلمه... أما زوجتي التي خافت من انكشاف ملعوبها القديم؛ فقد استطاعت أن تحصل ليس فقط على حكم بالخلع بل أيضاً على كل ما أملك.

- تمت -


القاهرة في 8 ديسمبر 2015

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net