شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

صور متكررة 
القراءات:(253) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد 

  قصة ، من : أحمد إسماعيل زين  
* * *

حافلة الجمارك تمشي متراً وتتعثر أمتاراً , والشمس ترتفع وتطرد برداً رطباً لم تعرفه ( جدة) منذ زمن .

تنقلت ببصري بين السيارات المتزاحمة فرأيت الوجوه منتفخة وكل عين تكاد ترفع جفنا عن جفن .

في المسار المجاور حافلة أجرة ظن سائقها أن حافلتنا ستنافسه في لقمة العيش الصباحية .

سارت حافلتنا وأسرعت حافلة الأجرة المجاورة إلى رجل يقف على الرصيف يلوح لها بيده .

أوقفتنا الإشارة المرورية فعادت حافلة الأجرة إلى مزاحمة حافلتنا ، وزاد سائقها بالضغط المتواصل على آلة التنبيه .

أحد الزملاء قرر التخلص من مزاحمة سائق حافلة الأجرة وإزعاجه المتواصل لنا ، فأخرج رأسه من شباك حافلة الجمارك وبدأ يردد بصوت مسموع لكل المسارات : حي المطار الاثنين بريال , حي المطار الاثنين بريال. وفور وقوفنا للإشارة الحمراء ترجل ركاب حافلة الأجرة واتجهوا إلى حافلة الجمارك وسط ضحكاتنا ونظرات سائق الأجرة المتحسرة .

مدينة الحجاج تعج بالحركة الدؤوبة ، وقد اختلفت فيها الألوان والأشكال والألسن لموظفين ، ومعقبين ، وخدام لضيوف : أتوا من كل فج عميق لأداء شعيرة فرضت للاستطاعة , رغم الزحام والمناوبات: إلا أن الوجوه غدت مألوفة , فثمان ساعات من العمل المتواصل جعلت الأرجل لا تطيق الحركة من كثرة الوقوف .

زحام في كل مكان يزكم الأنوف بمختلف الأطعمة المجففة والغريبة .

كان زميلي يشتكي قلة العمل والخمول , أما الأيام الأخيرة للانتداب فقد جعلته كثير الاستئذان .. لحساسية في جيوبه الأنفية تفاقمت مع تعدد الروائح .

بين الزحام قدمت رحلة كان ركابها يحملون حقائب كبيرة بعضها ملابس والباقي مأكولات جلبوها معهم لموسم الحج .

قمت سألت أحدهم سمعته يجيد العربية : لماذا كل هذه الأطعمة ؟

فأجاب : لأنه لا يوجد في هذا البلد شيء غير الصحراء والخيمة والبترول !.

في زحمة الانتداب نسيت الأيام حتى لا تثقل عليّ سيرها , لكن لا أدري لماذا اليوم سألت عن التاريخ ؟! فقد مضت عشرون يوما دون أن أشعر بها .

وأهملت خلالها سبعة أيتام وأرملة في الرياض , وزوجة وبنتاً ستكمل غدا عامها الأول في جازان ، وحباً مازال له مكان في القلب يراودني كلما أحسست بالفراغ ...

حين رجعت للسكن ذهبت إلى مكتب الاتصالات ، وهاتفت الرياض , فعرفت أن أحد الأيتام لم يذهب إلى المدرسة لخمسة أيام متواصلة , وإدارة المدرسة تطلب حضور ولي أمره , ومدرسة الدروس الخصوصية تطالب أمهم بالأجرة الشهرية , ومصروف الشهر لم يتبقَ منه إلا ريالات معدودات ، وأنهيت المكالمة بعتاب غير صريح من شقيقتي الأرملة .

هاتفت جازان فكان هاتف أهل زوجتي مشغولاً لعدة محاولات . فهاتفت بيت شقيقتي الكبرى في جازان , فرحبت بسماع صوتي وأخبرتني بأن خادمتها التي على كفالتي تريد خروجاً نهائيّاً ، وقامت تحثني على سرعة الحضور , فأنهيت المكالمة بوعد إرسال وكالة شرعية باسم زوجها ليتكفل بإجراءات خروج الخادمة النهائي .

رجعت اتصلت ببيت أهل زوجتي , فردت زوجتي ، وأسمعتني وابلاً من الكلمات المتشنجة لتأخري عن الاتصال والاطمئنان على ابنتي ، ففقدت حرارة بث أشواقي لها .

بقيت صامتاً حتى امتصيت غضبها ، فأخبرتني : أن ابنتي بدأت تسير بخطوات متعثرة , وتردد بعض الكلمات بلثغة طفولية مبهجة , أسمعتني بعضها عبر سماعة الهاتف , فأنهيت المكالمة بوعد مني بالاحتفال بعام ابنتي الأول بعد عودتي من الانتداب .

في أقصى القلب ركن مازال فارغاً , يؤرقني يجعل مني إنساناً غير الذي أود !.

خرجت من مكتب الاتصالات الهاتفية , وركبت سيارتي فارتسم أمامي خيالٌ يراودني كلما شعرت بالفراغ العاطفي , أدرت المحرك ، ولكن الخيال ازداد وضوحاً أمام عيني ، دفعني إلى مكتب الاتصالات الهاتفية مرة أخرى برغم ما أجريته من مهاتفات أفرغت ما كان في جيبي من الريالات .

أمسكت سماعة الهاتف ، دعوت في نفسي أن تتعثر الخطوط ، ولكن أصابعي كانت أسرع من ذلك الرجل الذي كان يخبرني دائماً : بأنه قد تعثر مرور مكالمتي !.

الهاتف في الطرف الآخر يرن , وقلبي يدق بدقات افتقدتها منذ زمن ، وعادت إليّ الليلة ، فقلت لنفسي : ((سأمنحك أربع رنات ، وبعدها سوف أقطع الاتصال)) ، لكن الصوت جاءني مع نهاية الرنة الثانية دافئاً رقيقا جعل مني إنساناً غير الذي أود ...

قام الفراغ العاطفي يتضاءل شيئا فشيئاً في داخلي , وحاسوب مكتب الاتصال الهاتفية يسجل الثانية قبل الساعة ، والوقت يمضي : لدرجة أنني عدت إلى سكن الجمارك سائرا على قدمي .

خاتمة الصور : قال تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء) .

خاتمة الصور : قال تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء) .


المجموعة القصصية زامرُ الحيّ

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net