شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

كيف لا أحبها كيف لا احبها
القراءات:(239) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد 

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

                            كيف لا أحبّها                                         

   -  سأكون معكَ حتى النهاية.

 ومدّت يدها لي ، فمددت يدي ، تردّدت في السير معها بدءًا.. كانت باسمة و حالمة، فنسيتُ الرسميات ،وتذكرت بساطتي التي  حفظتني كثيرًا من  قلق التوجسات ! فرِحت بالسير مع محبوبة  تضحك للبسطاء مثلي ..تأسف للحزانى، فتنسلّ دموع غزار،  مجراها يمرّ على قلبي  ..

   توقفتُ لالتقط قصةَ يتيمٍ  دامع العينين ..انصتتْ ..وعندما انزويتُ لأكتب ، صمتت  احترامًا للحظة الكتابة -الولادة .. حبّرتُ صفحة وأخرى ، وفجأة  نفد الحبرُ من قلمي ،تلفتُّ يمينًا ويسارًا، و عندما فتحتُ الدرج باحثًا عن قلم ، أسرعتْ وأخرجت واحدًا من صدرها الدافئ .

- كيف لا أحبّها !

كانت قادرة على السير معي إلى آخر الدنيا ..  وكلما توقفتُ طلباً للراحة توقّفتْ معي بحب.

 - كيف لا أحبها !

 ونحن  في إحدى رحلات  جنوننا ، في الطائرة ، ابتسمتْ لي  فشعرتُ  بروعة السماء من علٍ، وقد تلونتْ بصفحة وجهها النقي ، وازدادت الطائرة  تحليقًا  مع  فتنة ابتسامتها ..

هبطت بنا الطائرة فشدّت على يدي :

- "الحمد لله على السلامة..هنا أرض لويجي بيراندللو، لا تسافر كثيرًا  هذه مكتبة تبيع كتب  أصدقائك خوان رولفو ، ماركيز وبوررخس، هيمنجواي، محفوظ، ميشيما ،موراكامي ، مونرو "

 نظرت  إليّ والتاريخ يقطر من قَسَماتها ،وبقلب صاخب بالأمل، قالت في ثقة :" ستنضم لهم" عبرنا ساحات روما ومقاهي نابولي و جدّفنا عبر ممرات فينيسيا المائية  في جندول استأجرته كي أحلم وأقرأ جمال المكان وأغنّي ..

لم نمكث سوى الزمن الكافي للوجد الحاضر والتالي ، وعاودَنا الرحيلُ ويدها في يدي.. كيف لا أحبها!

في ديار الصقالبة ، قالت ،ونحن نعبر الساحة الحمراء:

-لا تنشغل بذكرى بوشكين الذي فَقَد حياته في مبارزة على قلب امرأة، وغمزتْ:

- أنتَ ترى أنّ الأمر لا يستحقّ  كل هذه المخاطرة!

-كيف عرفتِ؟

- سطورك الحزينة كشفتْ ذلك اليأس العميق ..!

وقَطَعَتِ الحوارَ لتقول:

-لا تنس الطبيبَ صاحبَ النظارة – تشيخوف ، لقد مرّ من هنا.. قلْ عنه فيما بعد  سطرين!

   شعرتُ أنها تسبق قلبي، وتحرك لساني حينًا وقلمي أحيانًا أخرى ..فوعدتها خيرًا، وأضمرت أنْ أخفي عنها بعض سريّ لأرى قدرتها على مباغتتي في خلوات الوجد ومكابدات اللوعة ، ووعدت نفسي أن أتملّى وجهها العذب وأتفحّص خطواتِها الرشيقة التي توزّعت نبضًا إنسانيًّا عبر العصور.

يا لفتنتها! وقد ألقمتني  ثدي الغُبوق كي أكرعَ من كتب الذاهبين وأضع سطوري مع القادمين..

- كيف لا أحبّها !

  هبطنا على ثرى باريس ،وقالت : هذي أرض موباسان ،فاعمل شيئًأ  يتذكرْك به الحيُّ اللاتينيّ، وتكتب اللوموندُ بعضَ قصتك! تجاسرتُ ،وخبّأت أوراقي عنها ،  فوجدتُها  في كل سطر!

صعدنا برج إيفِل والتقطنا (سلفي) ثلاثيًّا مع الموناليزا!

سَألتها عن اسمها، فقالت : واصل السير ، عندما تحبّني أكثر، سوف أخبرك!

- كيف لا أحبُّها !

 زرتُ متاحف أوربا  العريقة.. ودخلتُ بجلال جامع الحمراء في قرطبة، و دلفتُ  مكتبات لندن وفيينا وبرلين .

  مشيتُ بانتشاء على الجسور  التي تتدفّق الحياة تحتها، جسر في  براغ و آخر على نهردرينا ، جسور على الدانوب والتّيمز والبوسفور..وقفزتُ فرحًا بالحياة، فركضتْ مع ابتسامتي وسابقتْ أنفاسي ، فسالتها : من أنتِ ؟

 قالت:عندما تكتب الصفحة الألف في الكتاب الخامس والثلاثين.. أُخبرك !

ركضتُ لأقبض عليها من يدها فسبقتني إلى قلبي ..

- كيف لا أحبُّها !

 عن شعرها الطويل كفتيات الأساطير ماذا أقول ؟  أخبرتها أنّي أحبُّها وأحبّه ، شممته فانزوت  خجلا .صدرُها النافر كليالي شهرزاد جعلني أتعلق بها حد الشعور بأنّ العالم يبدأ وينتهي عند تقويرة هذا الصدر المملوء بحليب الحكايات !

  ركضنا معًا ،وعاودتُ سؤالها عن اسمها ،فقالت: لا تعرفُه حتى تبوح لي  بكلّ أسماء اللائي استوطنّ قلبك، هل أبوح :

أنت الوحيدة " أومأت باسمةً : تقدم!

فتهاديتُ ، ثم تراخيتُ،  فأمسكتني .وقالت بحزم : لا تفقدْ طريقك!

أهدتني قاموسًا بديعًا، ففتحت على باب الحبّ، فبانتْ  في كلّ العناوين قافًا ..وأكملتْ اسمها بهمس لم أتبيّـنْه ، وسألتها :

مَن أنتِ أيّتها  المُزْهرة على الورق ؟

          النابتة  في بتلات  الفؤاد ؟

           الوفيّة التي لوّنت أيامي بالأمل ؟

  يا مَن كنتِ شاهدةً  وأنا أهزم الألم وأصفعُ المستحيل؟

أسألها بإلحاح ، و تُغضي خَفَرًا وتقول :

- أنتَ المعشوق العاشق الحبيب الأديب الوفيّ ..ثم تضحك، وتردف:

 - " غرورك مقبرة ..."

 -"مقبرة لليأس..."

  كادت تقفز لتخبر كل من قرأ وسيقرأ كلماتي ، لكنها واصلتِ انتظار همسي ، قلتُ : لقاؤنا الأول لا أذكره فقد خرجتِ نبتةً من الأرض -الحياة  أوكلمةً من فم الزمان والمكان والحقيقة!

هنا  مفترقَ الطرق، مكان اللقاء الأول، توقّفتُ و قلت:

 - لن أبرح حتى أعرف من أنتِ؟ حان الوقتُ لتكشفي لي وجه الجمال أكثر، وتفتحي كتاب الحقيقة عن آخره !

قالت : لن أترككَ ، سأكون لك ومعك إلى الأبد ! ولكن، ألم تعرفني ؟

نظرتُ نحوها ونشوة عارمة تتلبّسني، وانحسرتْ  قليلاً قليلًا  غلالةٌ  من ضباب، فانجلت أوّلُ أسرار الحضور العظيم .. 

 وشيئًا فشيئًا، انفتح  الكتابُ السريّ الذي رافقني طوال الرحلة الباذخة ، الكتابُ الكونيُّ الذي حَمَلني لأجل  أن أبقى معشوقًا ووفيًّا  و..

  كانت كتابًا  من الوزن الخفيف ، لكنّه  حفظ سيرة وأسرار العالم  بين دفّتيه .. كانت الكتابَ  الذي حَمَلني لأقرأه بقلمي ، وأقرأها بقلبي طوال رحلة الحياة، ولم يبق إلا أنْ تقول بثقة وحبّ :   أنا القصة

                                                            

4/2017م

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net