شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

صدى 
القراءات:(291) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد 

  قصة ، من : د. مصطفى الضبع  
* * *

مصطفى الضبع

* * *

بحكم موقعها الاجتماعي ووضعها العائلي كان لجدتي الكلمة العليا في نطاق العائلة، ليس بمقدور أبى أو أعمامي الخمسة أن يردوا لها طلبا ، كنا عددا من الأحفاد لا يحصى ، وكانت علاقتنا بجدتي غير عادية ، يراها البعض ارتباطا طبيعيا بين جدة وأحفاد تفرح بهم (عددا ) فيما لا يعرف الجميع سر العلاقة الذى كانت تحتفظ به الجدة حول رقابنا : طوال عهدها الميمون أحكمت جدتي يدها حول كل ما يصل لأيدينا من أموال ، مصروفنا المدرسي ، العيديات ، ما يتسرب إلينا من قروش تنتقل سرا من أيدى الأمهات ، القروش التي نجدها في الترعة عند جفافها في فترة السدة الشتوية ، ما نحصل عليه من إخوتنا الكبار نظير شراء السجائر وإخفاء أمرها عن الآباء (هذه القروش بالذات أصدرت جدتي فتوى دعمتها بآيات سورة البقرة أن هذه القروش حرام وأن اختلاطها بمدخراتنا يصيبها بالحرام ) ، كانت جدتي تخيط جيبا كبيرا أسفل ملابسها لا يمتلئ مطلقا ، بل يطلب المزيد ، ولم يكن بمقدور واحد منا إفشاء السر وإلا ضاعت مدخراته ، كانت تردد جملة واحدة تحفظها جيدا : يا وليدي ستكبر يوما وتحتاج ما يساعدك على الزواج وتربية أولادك، تقولها لمن لم يبلغ الخامسة وتكررها لمن لم يبلغ العشرين ، سيطرت علينا تماما لدرجة لم نكن نعترض على حكايتها اليومية عن الشجاع الأقرع الذى يأتي للكاذبين في نومهم ، وأمنا الغولة التي تأكل رأس من يعصي أوامر الجدة ، وأبو رجل مسلوخة الذى ينتظرنا في مدخل العمارة ، لما تقدمنا في التعليم عرفنا أنها لم تتعلم ولم تقرأ كتابا في حياتها الطويلة ولكنها تجيد حفظ ما تسمع.

استيقظنا يوما فلم نجدها قالوا إنها اختفت وقالوا إنها ماتت فيما تهامس البعض أنها خرجت في رحلة طويلة وستعود يوما .

كبرنا وتزوجنا وأصبحنا جدودا دون أن نجرؤ على إفشاء السر ، ومازلنا في انتظار الجدة تعود بمدخراتنا الثمينة وتجمع الأشباح التي تسلطها علينا وعلى أحفادنا .

* * *

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net