شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

لوحة لوحة
القراءات:(420) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد 

  قصة ، من : جميله ذياب  
* * *

‏خرساءٌ عُلِّقتْ على حائطٍ صامت ، فارغة إلا من نيزكٍ في فضائها!

أمامها ، وقفتْ شاخصةً ، تطالعها باهتمام .

استوقَفَتْها !

‏تجاوزها الزائرون، غير آبهين، لم يُلقوا لها بالاً، وحدها وقفتْ تقرؤها.

هناك إلتقيتُها..

‏قسمات وجه باردة، عينان ذابلتان، جِيد يُغرِقُ أعتى الغواصين، زاده الشعر ذو القصة المرتفعة جمالاً و بروزاً.

كل ما فيها يدعو على التأمّل،

جمال و ذبول، كيف اجتمعا؟

اطالتْ النظر.. بقيتُ أرقبُها حتى تنمّلتْ قدَماي، حَرِيةٌ بالإنتظار هي.

‏تخطو ذات المعطف النيلي متراجعة للخلف، تطالع ساعتها، تعاود الوقوف أمام لوحتي مدققة النظر.

‏بدت و كأنها تنتظرني بل أجزم أنها ما جاءت إلا لأجلي! استحضرتُ غروري و رتبتُ هندامي، أقتربتُ منها و قد امتلأتُ زهوا:

‏-أطلتِ ؟!

‏رمقتني بنظرة خاطفة، اخترقتني، فأهتز قلبي.. عادت تنظر للوحة كمودعٍ يتلو وصيتَهُ الأخيرة.. بخفةٍ تليقُ بجسدها الرقيق اتجهَتْ صوبَ بابِ صالة العرض وانطلقتْ خارجةً ..

‏وجدْتني ألحقُ بها ككلب وفيِّ .. عبرتْ الشارع للضفةِ المقابلة، كأنما تسارع للحاق بأمر جَلَل.. تبعتها

‏استرقتْ النظر بالتفاتةٍ خاطفة للخلف.. رأتني !

‏عادتْ تحثُّ السّيرَ، تبعتها مُلازماً خُطاها..

بين أزقةٍ مُظْلِمة انخرطتْ فتوارت عن بصري .

خبطتُ الأرض من تحتي راكضاً كالتائه أشتمُّ أثرها، لحظاتٌ و إذا بها تبرزُ لي .. أسرعتْ، فأسرعتُ مزامنا خطاي مع خطواتها كيما أفقد أثرها ثانيةً .

‏ في زقاقٍ معتمٍ خلا من شيءٍ أتوارى خلفه أكملتْ ، وقفتْ أمام مبنى متهالك ، تستمع للهاثي المتعقّب لها .

ولِجَتْ ذلك البابَ و تركتْهُ موارباً..

تبعتُها.. كانتْ تريدُ ذلك.

‏دون أن تنطقُ عرفتُ برغبتِها

‏أصبحتُ قاب قوسٍ أو أدنى منها

‏صعدتُ سُلماً ينتهي بي إلى بابٍ مفتوحٍ على مصراعيه ، يودي لشقةٍ صغيرة ذات حجرةٍ واحدة ، متخمة بالرطوبة ،لا أثاث بها غير مقعد أسود وحيد .

لوحاتُ فارغة عُلّقتْ على حيطانها بنظامٍ , و أخرُ مُسجّاةٌ أُسنِدَتْ لإستانداتٍ مُذهّبةٍ أنيقة .

‏- أَغْلِقْ البَابَ .

‏جُملتها الأولى التي طرقتْ بها مسامعي ، صوتٌ كئيبٌ كعينيها، ثابت كارتكازةِ قوامها.

‏بهدوءٍ لا استحياءَ فيه , نزعتْ ملابسها قطعة تلو الأخرى..

‏ تبتلعُ ريقها ليسيل عبر تجويف عنقها فتمتلئ أوردتها بشبقٍ يزفرُ من عينيها مع كل قطعةٍ تخلعها..

‏اسدلتْ جسدها الرقيق العاري على ذلك المقعد اليتيم.

‏شبكتُ أصابعي بعضها في بعضٍ و قد امتلأتُ نشوةً كادتْ تخرجُ من فوهةِ جمجمتي .

‏أطالع شفتيها..

‏- انْزِعْ الأَغْشِيةَ عن اللّوحِ ، عدا الأخِيرَة .

‏بدأتُ بنزعها واحدة تلو الأخرى

‏كشَفتْ عن وجوه لرجالٍ بملامحٍ متباينة ، يعتصرون قلوب بين قبضتهم .

‏- اجْلِسْ.

‏افرغتْ مِقْعدِها ، لمحتُ ابتسامة باهتة كالطّيفِ فوق شفتيها الظامئتين ، طَفَتْ كالقشةِ على بحيرةٍ راكدة .

‏- تُرِيدُ اللّعِب ؟

‏هززت رأسي موافقاً.. و من ذا يقاوم اللعب معها !

‏دنت مني بعبق لا يشبه العطور..

بينما أقفُ بين يديها مستسلمٌ منقادٌ مأخوذٌ بتفاصيلِ شيطانةٍ شقيّة .. جردتني من كل ساتر.

‏رمتْ بحبلٍ عند قدمَيَّ ، و بإشارةٍ من يديها فهمتُ أنها تدعوني لتقييدهما لبعضهما , فعلتُ و أحكمتُ الوثاق.

إلى المقعدِ قيدتني، تاركةً لي يداً واحدة مُحرّرة ..!

‏- هَلْ نَبْدأُ ؟

‏- ابْدَئِي ، مَاعُدْتُ أُطِيقُ صَبْرا.

بخطوات متهادية نحو اللوحة الأخيرة المغشاة اتجهتْ ، مجددا لمحتُ الإبتسامة القشّة على محياها.

نزعتْ الستار بتباطؤ متعمّد ، كالذي يستلُّ نياطًا من قلب نابض.

‏ما كاد الستار يسقطُ حتى صحتُ فزعاً

‏- هَذا أَنَا ! إنّهُ أَنَا.. فٓمٓنْ هَؤُلَاء ؟

دنتْ و تقرفصتْ عند ركبتي قالت بتهكمٍ جعل الأمور تختلطُ بجنون في رأسي .

‏- تسألني الآن ؟

‏ظننتَ أنّي قرباناً جاء ليرضيك ؟!

‏لتعلم إذن أنّك القربان الذي أقدمه لنفسي حتى ترضى.

‏أمنية واحدة أتاحتها لي.. ناولتني قلماً وَ ورقة.

* * *

جميله ذياب


١٢/١٢/٢٠١٧

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net