شبكة القصة العربية

www.arabicstory.net

نيران صديقة! 
القراءات:(196) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد 

  قصة ، من : د. نوال السويلم  
* * *

نوال بنت ناصر السويلم

* * *

جمعهما المكان والزمان منذ سنوات الدراسة الجامعية ، وقلّما يوجد أحدهما في مكانٍ دون الآخر، فهما معا جسدٌ واحد، أو كما يحلو لهما أن يقولا :" أنا وأنت واحد"، وكان كل شيء في منطقهما يقبل القسمة على اثنين! بدءا من أجرة السكن والإعاشة وفواتير الكهرباء والهاتف والمواصلات حتى ثمن فنجاني قهوة اسبريسو أو علبة سجائر .

لقد تقاسما الغربة أربع سنوات أدهشت زملاءهما من توافق أذواقهما في المأكل والمشرب، فنبيل يتناول جبنة مملّحة وهو لايشتهيها؛ مسايرة لصديقه شريف الذي يتناول معه أرزا أبيض لايشتهيه أيضا . يسوغان تراضيهما الغريب بمشي حالك حالك يمشي ، وأن مشوار أربع سنوات دراسية في الغربة مع ضيق ذات اليد تجبرهما على الرضا والقناعة ببعضهما. فعاشا سنواتهما الأربع بلا شجار ، فمشي حالك حسمت كثيرا من بوادر الخلاف وأغلقت نذر الفرقة وتنافر الأذواق ، فنمت بينهما ألفةٌ لطباعهما المتنافرة وتكيفٌ مع مزاجهما المتناقض.

وحين انصرم عامهما الأخير ، تقاسما تركتهما لإخلاء المكان من وجودهما ، حتى الأشياء العينية التي تبرعا بها أضمرا نية ثوابها لهما معا . وتبقى ألبوم الصور الذي يوثق تاريخهما معا لمناسباتٍ ومقاهٍ ومكتباتٍ وأسواقٍ زاراها معا ، وبرضا اعتادا عليه شطرا الألبوم نصفين، وأخذ كل منهما نصفه، وسلما المفتاح للعم علي ونقداه مبلغا من المال؛ فشكرهما وقال بدعابة :"حتى الوداع عندكو فيفتي فيفتي !!"

وفي سيارة أجرة ستقلّهما للمطار قال نبيل لشريف:

ـ هل بمقدورنا أن نفشي حياتنا في سنوات الغربة للأهل وللأصدقاء؟

ـ عن نفسي أستطيع أما أنت ... فلاأظن

ـ ولم ؟ نحن قصة واحدة تروى، لايمكن لأحد منا الحديث عن نفسه بمعزل عن الآخر ، لم تستطيع ؟

ـ أنت صانع الحدث دوما وأنا متفرج ، فحديثي محض رواية لاترهقني تفاصيلها السوداء وتبعاتها أما حديثك أنت بوضوح وبلا زعل : إدانة واعتراف ووصمة عار !

ـ ماذا تروي عني؟

ـ إنسان مراوغ وذكي، محترف في التمثيل تلفق حكايات تستدر بها رحمة الزملاء ليقرضوك ، وحكايات أكبر فيعفوك من القرض ، تحتال على النادل فتهرب من ثمن العشاء ، تبيع مشاعر كاذبة تغوي بها الفتيات ، تستغل صداقة الأثرياء لجلب مصلحة لك ، أنت مبدع موهوب في اختلاق المثير والمدهش والمضحك والمبكي والمفرح والمحزن أنت واحد من الصعاليك غفل عنهم التاريخ !

ـ لا ، أنا أبدع لمتفرج ذكي أحاول الوصول لرضاه وتلبيه ذوقه ، فتوجيهاته وملاحظاته تحسّن من مستوى أدائي وتجدّد من طرائق احتيالي وأساليب خداعي ، أفهم مايريد دون أن يصرح ، وأدرك حاجته دون أن يتحدث ، لاأصنع الحدث قبل أن أنظر إلى عينيه اللتين تقوداني إلى مايريده هو، لا ما أريده أنا ، أسرق لأسد جوعه، وأكذب لأستر عيوبه ، وأداهن وأنافق وأحتال، ليهنأ في الغربة أنا أداة نجحت في تطويعها لنزواتك ورغباتك، أنت واحدٌ من دهاة العرب غفل عنهم التاريخ!

ـ لاتسوغ قبحك وترمي قذارتك على ثوبي ، مذ عرفتك وأنت بوجهين وبلا مروءة ، يدفعك طبع دنيء جبلت عليه ، هل أتوغل أكثر في تاريخك لترى نفسك؟

ـ لا ، لا أحتاج ، أعرف نفسي جيدا ، وددت لو ترى نفسك في المرآة مادمت ذا وجه واحد وتتوغل أكثر في تاريخك !

ـ وأنا أيضا لا أحتاج أعرف نفسي جيدا .

كان هذ الحوار أقسى لغة تراشقا بها منذ جمعتهما سنوات الغربة، وسادت بينهما لحظة صمت جال كل منها في وادي أفكاره ، وقال شريف لنفسه:" عاشرته أربع سنوات كذب فيها واحتال وطعن لكنه لم يكذب علي قط ، لم يحتل علي قط ، لم يطعنّي قط ، أو ليست هذه هي الصداقة التي يحكون عنها "

وقال نبيل :" عاشرته أربع سنوات ، اغتاب فيها وفتن وظلم لكنه لم يغتبني قط، ولم يفتن علي قط، ولم يظلمني قط ، أو ليست هذه هي الصداقة التي يحكون عنها"

وقال سائق الأجرة لهما:" الحساب مع من" ؟

وبلا تلكؤ أخرج كل منهما حصته من ثمن المشوار وقسما الباقي بينهما ، وحملا أمتعتهما عدا ألبوم الصور فقد تعمدا نسيانه في السيارة للتخلص منه إذ لم يشعرا بقيمة الذكريات بعد هذه المكاشفة الجارحة ، وافترق السياميان كما يتندر عليهما الأصحاب، وكل منهما يقول لنفسه :" هل أقول له شكرا على لحظات الصدق معي؟ " بيد أنها أبت الخروج !

وقال سائق الأجرة وهو يقلب ألبوم الصور مندهشا من ثنائية التفاصيل التي تحيط بهما :" هل هما صديقان ؟"

* * *
*

 


جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة القصة العربية

Copyright © 2001-2006 ArabicStory.net