[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ليالي الأرق .. همس الأحلام ليالي الأرق .. همس الأحلام
التاريخ:  القراءات:(4124) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

            ليالي الأرق

                                               

                         همس الأحلام ..

 

 استيقظت من نومي مجددا و العرق يتصبب فوق جبيني بعد تشتت طويل بين سلسلة من الأحلام الغريبة و المتشابكة , أضحت لا تتركني إلا و أنا منهك القوى و كأني قد ارتحلت فعلا أينما شاءت .. أجوب بلادا و مدنا يلفها الضباب , أتنقل بين أماكن و يبوتا عدة , منها ما هو مألوف جدا بالنسبة لي و منها ما لا أتذكر إني ولجتها من قبل , أناسٌ قد يتطابقون مع أشخاصٍ أعرفهم في الإسم تارةً و في الشكل تارةً أخرى , و لكن وجهها , الذي تشوب فتنته حمرة المغيب , يصر على ملاحقتي من غفوةٍ لأخرى , يتجلى بوضوح ساطع أحيانا , ثم لا يلبث أن ينزوى في ركنٍ قصي خلف ظلالا قاتمة تلفه بالغموض ..

 أخذت تنسل كحورية من موج الأحلام و تستلقي إلى جانبي على الفراش , تتدثر بالبطانية الصوفية لتحتمي من برد الليالي المثلجة الذي لم تألفه من قبل, حاولت الإنصات بكل حواسي لكل كلمة تقولها , و كأني أستحضر كلامها من ثنايا الذاكرة , أنفاسها الحارة تلثم شفتي و تهبني عبيرا لم أشم مثله منذ أن فارقت أرض بلادي البعيدة .. شرعت تحكي لي قصتها و منذ زواجها بكهلٍ يكبرها بعقود , عن حسراتها المكتومة بين ذراعيه المترهلتين و مخاوفها من أن يتحول إلى جثة هامدة و هو فوقها , عن تلامسهما المقزز الذي لم يهبها سوى الألم و المرارة و لم يهبه سوى المزيد من وهن الشيخوخة , و عن نحيبها الطويل في الفراش فيما هو يمضي بعد إغتساله ليصلي الفجر في الجامع القريب .. راحت تضحك كطفلة ماكرة و هي تروي لي صعوبة كتمان فرحتها بموته أمام الناس الذين راحوا يحسدونها على ميراثها منه و الذي جعلها في منزلة أخرى لدى الجميع , و بخاصة أخوتها , و بقدر ما كانت ضعيفة أمامهم في السابق بقدر ما عرفت كيف تتعامل مع أطماعهم بأموالها ,  كانت تعطي كل واحد منهم بالقدر الذي يجعله في حاجةٍ إليها دوما , و يحرص على كسب رضاها أكثر من بقية أخوته , بينما كانت هي تتوق للحرية و الحب الذين حرمت منهما طويلا .. وددت معانقتها بضراوة , مأخوذا بسكونها المتراخي بين ذراعيَ و نبرات صوتها المشحونة بالشجن , عدا إني خفت أن تعاود الإختفاء في لجة البحر الضبابي من جديد , فاكتفيت بنثر قبلاتاً ناعمة على جبينها و خديها التضرين و كأني أحثها على مواصلة سرد حكايتها ..

 وَشَت نبرات صوتها بالنشوة التي كانت تصوغ قصتها مع جارها القديم , عشقهما المجنون المنعزل في أحد البيوت التي ورثتها عن زوجها , عشق كانت الفترات الطويلة التي يمضيها بعيدا عنها على خط النار في الجبهة تذكي جذواته بأستمرار , فلا تبالي لشيء سوى إستغلالهما لكل لحظة تجمعهما معا , تعود بعدها إلى ذلك النزق الذي يجتاح أوقاتها و يطغى على تصرفاتها حتى تبدو أحيانا كزوبعة من الغضب لا يأمن أحد شر عصفها .. هكذا وجدتها بعد استشهاده , نمرةٌ متوحشة تنزوي بجراحها في  دار الغرام تلك , تكتم أحزانها عن الجميع كما كتمت فرحتها سابقا عند وفاة زوجها الأول , كانت الزيارة الثانية لي لذلك البيت , المرة الأولى دخلته برفقة أحد رفاقنا لنشهد على عقد زواجهما , في ذلك اليوم و رغم إرادتي وجدتني مبهورا بجمالها و هالة الشبق التي تسطع في عينيها , تزوجتها متحديا ذكريات عشقها المهزوم من قبل الأقدار , و كأني كنت أخوض غمار حرب من نوعٍ جديد , صهرتني نيرانها بقدر ما صهرتها .. لم أسأل نفسي ما الذي كان يفعله أو يقوله لها بالضبط , و لكني كنت متأكدا من إنها أمست بين يدي امرأةً مختلفة تماما , فلم تعد مستعدة أن تجهر بعلاقتنا أمام الجميع فحسب , بل السفر معي إلى آخر العالم لنحيا معا دنيا جديدة بعيدة عن كل أشباح الماضي ..

 نفضت النعاس عن جفوني , و أضئت المصباح المنضدي القريب , ثم جلت ببصري ,  أبحث عنها في الغرفة الصامتة بعد أن هجرت فراشي و في عينيها السوداوين يتمطى جرحٌ غائر يشكي الخيانة و الخذلان إثر إخنفائي المفاجئ من حياتها و سفري ـ  بمفردي ـ إلى الخارج ما أن حصلت منها على بعض مال ذلك الكهل المتصابي  ..

 أعددت قدح نسكافة ثم جلست أمام جهاز الكومبيوتر الصغير , و ضياء الفجر لم يزل وليدا في الأفق , أكتب القصة التي واتتني فكرتها كالحمى و أنا أجوب الأرض الرخوة لساحل الأحلام .. 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007