[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نفحات نفحات
التاريخ:  القراءات:(3956) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                          نَــفَــحــات                                                                         

                                              

                                                   ـ قصة قصيرة ـ

                                                

 جلست شاردة الذهن خلف مكتبها , في جمود لوحة بديعة التكوين , تستعيد كل كلمة من كلماته , كما لو إنه يرددها بصورة مستمرة و بقوةٍ متزايدة لا يدركها الملل , كان يجلس بالقرب منها , و لكنها تصورته يعتلي منبرا , و يلقي من فوقه خطبته , فيجبرها بنبرات صوته الهادئة و العميقة على الإصغاء , دونما تستطيع أن تبدي أمامه أي تململ أو ضجر , و كأنها كانت تتوقع منه مثل ذلك الكلام , فيما كانت نظرات عيناها الشذريتان تنصب على عينيه الواسعتين , و شعره الموشح بالشيب , و لحيته المشذبة التي تضفي على ملامح وجهه الجدية و الوقار , و ربما شيء من الرهبة , تلك التي زرعتها شخصيته فيها منذ اليوم الأول الذي انتقلت فيه إلى القسم , حيث اعتادت مناداته بالحاج , إسوةً بالبقية , من غير أن تعرف إن كان قد حج فعلا ليستحق ذلك اللقب أم لا , و رغم إنه لم يتعدَ الخمسين من العمر , كما سمعت أحد زملاءها يقول ذات مرة , عدا إنها تظنه أكبر من ذلك بكثير , بل وجدت صعوبة في تخيله شابا متحررا من تلك الرزانة الشديدة التي تلف كل تصرفاته حيناً , و العصبية المفاجئة التى تحوله إلى انسان آخر في لمح البصر حيناً آخر , عندئذٍ كانت تتجنب الاحتكاك به قدر الإمكان حتى تهدأ ثورته , المغالية في عنفها , و تتراخى قسمات وجهه , و تكف نظراته عن حملقاتها المخيفة , و يعود لينزوي خلف كثبان صمته من جديد .. و لكنه اليوم كان في أكثر حالاته هدوءا و صفاءا , أخذ يبتسم لها ابتسامة واسعة جعلها مقدمةً لما أراد أن يحدثها بشأنه كصديق يهمه أمرها , أو كأخٍ أكير , رغم إنه لو تزوج في شبابه , و رٌزق بأبنة , لأضحت الآن في مثل عمرها تقريبا .. 

 تنقلت نظراتها ما بين السجادة المطواة فوق مسند كرسيه و المسبحة ذات الحبات الصفراء الكبيرة الموضوعة فوق مكتبه , و التي يضعها كالسوار الواسع حول معصمه عندما يكف عن التسبيح بها , متمتماً بآياتٍ و أدعية لا يُسمع لها صوتا , بعينين تظنهما قد غادرتا المكان , و راحتا تحلقَان في عالمٍ آخر , لا يبصر فضاءه سواه , ثم أخذت تتمعن في قسمات وجهها الناعمة , المكتسية ببريق المكياج الباهر , وخصال شعرها الكستنائية المنسدلة , مثل ستارة خفيفة , فوق جبينها العريض في المرآة الصغيرة التي أخرجتها من حقيبة يدها , كما لو إنها ترى نفسها في شكلٍ مختلف , يمكن أن يغير حياتها بصورة جذرية ..

 عاد إلى الغرفة , و قطرات الماء تبلل وجهه , تناول السجادة و فرشها في ركنٍ قريب من الشباك , و لكنه لم يستطع إقامة الصلاة بسهولة , و وهجها يغشاه أكثر من كل يوم أخر , ضحكاتها فراشات تحوم حوله , و تؤطر سجادته , كما باتت تفعل في ليالي تهجُده الممسوسة بهواجس عربيدة لا تلبث أن تواتيه بين آونةً و أخرى , تلجئه إليها وحدته في ذلك البيت الصغير , المتصدع البنيان , و الأشبه بصومعة ناسك في خلوه من الأثاث تقريبا .. استعدلت في جلستها احتراما لتكبيره , و شدت طرف التنورة للأسفل , فغطت ركبتيها , و قاربت بين ساقيها ناصعتي البياض , و اللتين أوشكتا أن تمسا طرف بنطاله , و هو جالس تلك الجلسة الساحرة بقربها , مثلما كاد صدرها المستتر خلف قميصها الحريري يلامس ذراعه , كعصفور يحوم حول غصن متيبس , قبل عدة أيام فيما كانت تطلعه على إحدى المعاملات , فبدت له أزراره الفضية نجوماً تتلألأ في سماءٍ بعيدة , لا يمكن أن تصلها يداه ..

 أنهى صلاته المرتبكة , و راح يحرك شفتيه سريعا , و بصورةٍ آلية , من غير أن يدرك معنى لما تهمسان به , زفر أنفاسه بعمق , نهض عائدا نحو مكتبه , تسللت نظراته إليها , بينما كانت تنكب على الأوراق أمامها , تمنى أن يدفعها أي سبب كان للإقبال نحوه و الجلوس إلى جانبه , فينهال رذاذٌ من فتنتها الغضة , بشتى تفاصيلها الجذابة , على صحراء حياته الشاسعة من جديد ..

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007