[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
معطف الضابط معطف الضابط
التاريخ:  القراءات:(4148) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

مـعطف الضابط ..


ـ قصة قصيرة ـ



بعينين مذبوحتين و وجه يسفعه الرعب , جابت الأزقة , و طرقت أبواب البيوت الصغيرة المتلاصقة , دارت على أصحاب محال و بسطات السوق القريب , سألت عنه الجميع , من غير أن تحصل على جواب لا يلفه البرود , و ربما شيء من الاستخفاف , أو تغشوه نظرات التعجب , عرَجت على الخرائب , عله يكون هناك , يلعب إحدى لعبه الغريبة بين الأنقاض , انهارت قواها قرب إحدى الزوايا , و آوت نشيجها بقايا الجدران المرتعشة بزفرات الموت الذي مضغ حياة الجميع خلال عدة ثوان ..


أخذت ظلمة الليل تطفئ جذوة المغيب , بعد قليل سوف تخلو الدروب من المارة , و لن تجد حتى من تلهج بشكواها المستجدية أمامه .. تتلقفها وحشة الدار الهرمة , تلقي العباءة على الأرض , تصفق الباب وراءها في يأسٍ مفجع , ثم لا تلبث أن تفتحه على وسعه من جديد , عله يعود من تلقاء نفسه , هذه المرة لن تأخذها به أية شفقة , سوف تحبسه في غرفته عقابا له , و ربما تكَبله , من غير أن تهتم لأيٍ من توسلاته المتواصلة , و حتى لو وصل صراخه للجيران , فينال شفقتهم حينا , و تذمرهم و شكواهم أحيانا عدة , لن تخيفها نوبة الهياج العصبي التي تنتابه بين آونة و أخرى , فمهما حاول أن يهوي بكل ما حوله في حرائق جنونه , سوف يعود بعد ذلك , متقمصا شخصية الولد المؤدب , يترجى السماح , يقترب منها , و الدموع تغطي وجهه , يتوسد حجرها , و تتسلل قبلته الهامسة , عبر جلبابها , إلى فخذها , تعض شفتها السفلى , و تصدر عنها آهة رقيقة , ثم تتبرعم في وجهها ابتسامة عروس تستمتع بغنج أيام زواجها الأولى , أما هو فيكون جلَ همه أن تصفو له بالكامل .. ينسل في الفراش , بعدما تجبره على الاغتسال , تجذبه إليها بقوة , تعصره كالإسفنجة بين ذراعيها , يهبها ما لم تسلبه الحرب إياه , يستلقي على ظهره , لاهثا بعض الشيء جراء تلك اللعبة المتعبة و الممتعة في آنٍ واحد , ثم سرعان ما يستولي عليه نومٌ عميق , كطفلٍ هده التعب .. تعطيه ظهرها , و تظل تبحلق في المرآة الطويلة المجاورة للسرير , كانت من ضمن جهاز عرسها , اعتادت الوقوف أمامها طويلا , تنتظر قدومه بعد غياب قد يطول لأشهرٍ كاملة , و هي ترتدي أحلى و أجدد ثياب النوم لديها , و أكثرها إغراءً , تنظر يزهوٍ , متبسمة , إلى نضارة ذلك الوجه المستدير , كما الورود أول تفتحها , لمعان شعرها فاحم السواد , المنسدل حتى خصرها الرشيق , كحل العينين الواسعتين ذات الرموش الطويلة , حمرة الشفتين البارزتين , و كأنهما تهديان القبَل عند الكلام , هلالي صدرها المتألقين في سمائها الملساء ..


عيون عشاقها القدامى تترصدها , تودع معها شمس شبابها الغاربة , تدعوها لمخاصمة صديقتها القديمة , كلما علقت بالفرشاة شعيرات من شعر رأسها المصبوغ , أو لمحت إطلالة جديدة للتجاعيد في وجهها الشاحب , و واجهها امتلاء جسدها , بزوائده اللحمية , و تلمست لغدها المترهل الذي عافته الشفاه النهمة ..


كان يشاركها البكاء أحيانا , بعد كل خيبة غرام زائف لم تخلف سوى شرخا جديدا في روحها , و كأنه يحاول مواساتها , و من أجل أن يرسم و لو ظل ابتسامة على شفتيها , يعدها إنه لن يفعل شيئا يضايقها منه بعد ذلك , لن يشارك الصبية اللعب في الشارع , لن يسبب لها أية مشكلة مع أحد , سوف يعتني بنظافته جيدا , و يحلق ذقنه يوميا كما علمته , لن يلقي بقايا طعامه في كل مكان , بل سوف يساعدها في تنظيف الدار , لن يحرجها أمام أيا من ضيوفها , و سيأخذ حبة المنوم ما أن تطلب منه ذلك , من غير عناد و لا صراخ , ولن , ولن , ولن .. و أخيرا يعدها أن يطلب من أخويه إرسال المزيد من المال عندما يتصلان من الخارج للاطمئنان على أحوالهما ..


تأكدت من إيصاد باب الدار أكثر من كل ليلةٍ أخرى , و قد فقدت الأمل تماما في عودته , سارت كالمخدرة نحو غرفة النوم , و الشمعة تكاد تتهاوى من يدها , أخرجت صورة حفل زفافهما من أحد الجوارير , و كأنها تود تعليقها من جديد على الجدار المواجه للسرير , استلقت على الفراش , تضمها إلى أحضانها بقوة , كما لو إن هناك من يحاول أخذها منها , الوساوس تطوِح بأفكارها بعيدا , بعيدا , تعدها بأيام غارقة في الوحدة , و تجرع المزيد من مرارات الحرمان , الجدران تضيق من حولها , و السقف ينخفض نحوها حينا بعد حين ..


استيقظت قرابة الظهيرة , ارتدت عباءتها , ثم خرجت من الدار , أثر حبة المنوِم التي تناولتها في أواخر الليل لايزال يُثقل رأسها , و يُسري الخدر في أوصالها , خطاها تتعكز بالإصرار على إيجاده في أي مكان , حتى لو اضطرت أن تجوب كل شوارع المدينة بحثا عنه ..


كادت تطلق زغرودة مجلجلة عندما شاهدته وسط السوق , بنحوله , ذهوله الطفولي , شيب شعر رأسه , الأشعث على الدوام , و معطفه الكاكي القديم المزرر , الذي يصر على ارتدائه حتى في بعض أيام الصيف الحارة , يلتف حوله عدد من التجار و الباعة , يحاولون الاطمئنان عليه , فرغم كل شيء , صار الكثير منهم يعتقدون إن وجود الضابط القديم , الذي كان يفرض هيبته على الجميع , يضفي نوعا من البركة عليهم .. هرعت إليه بوجهٍ مشرق , يرتشف الفرحة من الدنيا , ركض نحوها هو الآخر , مثل طفل وجد أمه بعد طول غياب , رغم ثقل الحزام العريض , الغريب , الذي لفه رفاقه الجدد حول بطنه بحذرٍ و إحكام ..



........................................



w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007