[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
آخر الخطايا و أول المغفرة 
التاريخ:  القراءات:(7487) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد النجيمي  

قطعة من صخرة قاتمة قابعة بأسفل جدار متهالك كانت هي كل ما يحتاجه ليعود إيمانه بالحياة من جديد. قفز يغني و يغني و الكلمات تجتاز ستار شفتيه بعذوبة متناهية لتصفع آذان الجميع :

 

سمراء ولدت من أمة سمراء

اعتادت أن تبيع جسدها

و لم تكن تكترث للثمن.

 

طفق يدور و الصخرة بيده, استمر في غنائه وترديد المقاطع البذيئة:

 

سيدي يحصل علي في المرة الأولى

يحصل علي كلما أرادني

وأنا أتعلم منه حتى أكمل فروض المعرفة.

 

كان غائباً عنا, بعيداً جداً بحيث لا يرانا. بيده قطعة الصخر تلك و عدة كاملة من المقاطع المثيرة. استمر في ترديدها و هو لا يشعر بنا:

 

نتعبد سوياً كلما ارتدينا الليل

يعمدني

أعمده

أنا السمراء التي  ولدت من أمة سمراء.

 

لا قانون لي أطيعه, ولا أعرف الخطايا

أبيع نفسي بلا ثمن

أبيع نفسي لسيدي

أصدقاء سيدي

و كل ذلك لا يهم

طالما أنا من  ينجب سيده .*

 

فجأة, توقف. نظر إلينا و وجهه يكاد يكاد يضيء ثم سأل:

"هذه امرأة تحب ما تعمل, مخلصة لسيدها. تصنع سعادتها منه و له. تعيش بقية يومها على ما تفضل به من يومه. أليست عابدة بحق؟ أكاد أجزم أنه لا سلطان لأحد عليها, لا الشيطان ولا الإله."

- هل قطعنا كل هذه المسافة معك, حفرنا كل هذه الأرض  من أجل أن تتغنى بالقبح و تتفوه بهذا الكفر؟

 

كلمات هذا الأسود الذي لا يعرف الابتسامة وصاحب الصوت الخشن جلبت الصمت أخيراً.

 التفت الدكتور بعيداً و واصل تأمله في تلك الصخرة.

لم يلتفت لنا مرة أخرى مع أن محمود سأله ذات السؤال مرة ثانية و بنبرة أكثر حدة. عندما تيقن أنه لم يعد يستمع له, استدار ناحية المخيم و أسلم خطاه للطريق.  بالنسبة لبقيتنا فقد تفرقنا, تبعنا وقع خطوات بعضنا حتى ألقينا بأجسادنا المنهكة في خيامنا البالية.

 

* * *

لم تكن الشمس قد استفاقت بعد, كان الجميع يغطون في نوم عميق, وحده كان لازال في الخارج يتأمل الصخرة.

تشجعت و طاوعت فضولي. تسللت خارجاً من الخيمة و توجهت ناحيته. لفت انتباهي حينها أنه ورغم الهدوء العجيب الذي يخيم على الوادي الذي ننقب فيه إلا أنه لم ينتبه لي.

- سيدي, هل تسمح لي بالانضمام إليك!

خرجت الكلمات متثاقلة  و بدت بعيدة جداً حتى بالنسبة لي.

 

- تعال يا محمد.

رد بهدوء و ابتسامته المضيئة تملأ وجهه. ثم قال:

- أتذكر سؤالي ليلة البارحة؟ أتظن أنك تملك جوابا له؟

- معذرة يا دكتور, فأنا لم أفهم سؤالك و بدا الموقف كله محيراً بالنسبة لي.

 

تشاغل بالنظر للصخرة, وبقيت أنا أتأمل هذا الافتنان العجيب بصخرة قاتمة وجدناها بجوار جدار متهالك.

 

بعد مرور وقت قصير عاودني فضولي, ألح على السؤال من جديد, فتمتمت:

- ما الذي و جدته في هذه الصخرة و سلبك النوم طوال ليلة البارحة؟

- الإنسان يا محمد, الإنسان.

- كيف؟

- هل سمعت عن بلد اسمه جمايكا؟

- قرأت عنه.

- إذاً تعرف أين يقع؟

- بعيد من هنا بكل تأكيد.

 

ابتسم, ثم استدار ناحيتي و أعطاني الحجر.

أمسكته بين يدي, وأشار لي بيده ناحية نقش صغير كان يتوسطه. نظرت إليه و بدت لي كتابة غريبة بلغة غريبة. بدت لي وكأنها إنجليزية رغم أني لا أتحدث هذه اللغة ولا أجيدها.

 

- ما الذي جاء بالإنجليز إلى تهامة؟ هذا نقش لن يقل عمره عن قرنين. أتفهم معنى ذلك؟

- محير. لا أملك جواباً يا دكتور ولكني الآن بدأت أفهمك.

 

عاد الصمت من جديد. لم يقطعه إلا الشمس وهي تباغتنا و تطرد بقايا الليل و النعاس. العمال أيضاً بدأت تعود الحياة لخيامهم, أصواتهم و وقع خطاهم بدأ يؤكد عودة الحركة  للموقع و انقضاء الليل.

 

- أظن أنك تملك تفسيراً لذلك. ألست عالم آثار؟

خرج هذا السؤال رغماً عني.  سمعني الدكتور جيداً و نظر إلي ملياً قبل أن يجيب:

- لا يوجد أجوبة يا محمد. كل ما نملكه هو وجهات نظر. تخمين فقط , قد يصمد لوقت قد يطول أو يقصر, لكنه في النهاية مجرد تخمين.

- ما هي إذاً وجهة نظرك؟

- لا أعلم. لكني سأروي لك حكاية سمعتها عندما كنت أدرس بأمريكا.

 

 

* * *

 

يبدو أنني قد استلمت الراية من الدكتور. النوم لم يمر من أمام خيمتي هذه الليلة. أنا أيضاً لم أبحث عنه ولم أتربص به في أي زاوية من زواياها. الحكاية التي سمعتها هذه الصباح أربكتني. لا أدري لماذا! ربما أيقظ حديثه رغبة قديمة ملحة كانت تراودني لارتاد  غرفة مظلمة في ذاكرتي لم أحاول يوماً أن أفتش فيها عن بعضي!

 

- ما بك؟ لماذا لم تنم لحد الآن؟

- محمود! ما الذي أيقظك؟

- لا أعلم, لكن أخبرني ما بك, أتشعر بشيء؟أتشتكي من شيء؟

- حديث سمعته هذا الصباح و لازال يتردد صداه في آذاني.

- الدكتور!

- ( إيه ).

- سألته عن الحجر, أليس كذلك؟

- كيف عرفت؟

- أنا لم أصادف في حياتي أسودان يبحثان عن الشقاء مثلكما. تنبشان عن الماضي و تصران على بعث الموتى من قبورهم. تتربصون ببقايا أرواحهم في تجاويف الصخر وعلى العظام.

- ما العيب في ذلك؟  هذه الأرواح التي تتحدث عنها لم تبتعد عنا ولم يتركها الآخرون تفعل.

- الحفر عميقاً لن يجلب لك إلا الجروح. سوف لن تجد إلا المزيد من السواد والظلمة. أنا على يقين من أنك قد جربت ذلك؟  الجروح لا يشعر بها إلا أصحابها ولا يحتاجون أن يحشدوا الأدلة للآخرين من أجل أن يصدقوهم.

 

عاد محمود للنوم و تركني أعد خيباتي, ترك الحيرة تراودني عن بقية ليلي.

 

* * *

 

" عزيزي الدكتور جابر,

وصلتني رسالتك التي تسأل فيها عن إمكانية توفير نسخة من بحث قديم يشير لمخطوطة كانت عند خازن الكتب السيد جي بي موريتون . بحثت عنها و تأكد لي وجودها و إن كنت لم أستطع أن أحدد مكانها حالياً.

 لا أعلم فلعلها فقدت.

على العموم عنوان الكتاب هو "عادات أهل الهند الغربية". وجدت أيضاً معلومة عن الحكاية التي كنت مهتماً بها والتي تقول إن الكتاب يحوي تفاصيلها. التفاصيل رواها لي زميل في الجامعة نقلاً عن محاضرة للدكتور والتر جيكل.

مختصرها هو التالي:

في العام  1822 نجح مجموعة من العبيد من جامايكا في الاستيلاء على سفينة و اقتادوا معهم بعض طاقمها كرهائن. غادرت جامايكا في طقس عاصف. لم تفلح محاولات السلطات في تعقب السفينة  في حينه وظن كثيرون إنها لن تنجوا من العاصفة.

بعد مرور نحو عام عاد بعض أفراد السفينة و كانت معهم تفاصيل بقية الحكاية. حطت السفينة على أرض مراكش و هناك تم أسر هؤلاء العبيد المتمردين مرة ثانية. لم تفلح محاولتهم لمقاومة سادتهم الجدد و اقتيد من بقي منهم حياً للأسر. الرواية لم تنته هنا, فبعضهم كما يروي أفراد الطاقم تم ترحيلهم مع حملة الحج المراكشية كهدية لحاكم مكة في حينه.

أتمنى أن تكون هذه المعلومات مفيدة, مع أصدق الأمنيات."

 

* * *

 

بعد أن فرغت من قراءة الرسالة التفت إليه. كان لا يزال يرسم نفس الابتسامة, لكن عينيه هذه المرة كانتا تشيان بالطمأنينة. همس:

- هل تستطيع أن تكمل الحكاية, أم أفعل ذلك نيابة عنك؟

- أستطيع أن أخمن.

- لم تصل الحملة لمكة, كان هناك من يتربص بها . من بقي حياً هو من كان له ثمن. العبيد كانوا بضاعة رائجة وهكذا صار لهم سادة جدد في تهامة.

- كيف عرفت ذلك؟

- رواية قديمة كان يرويها لي جدي. كنت أشعر أنه بها الكثير من الخيال و الأحلام المكدسة المطحونة.

- ما هي فحواها؟

- كان يخبرني عن جدة قديمة كانت لها عينان زرقاوان. كانت تغني بلغة غريبة, كان لها أبناء كثر لا تعرف أبائهم, لكنها كانت سعيدة جداً, كانت لا تتوقف عن الغناء. لم يستطع أبنائها أن يفهموا غنائها وعندما كانوا يستفسرون منها كانت تحاول أن تشرح لهم بلغتها. المشكلة أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا سر سعادة أمهم و سر ولعها بالغناء.

 

عند هذه النقطة من كلامه قاطعته. قلت له :

- الآن فهمت. كتبت لهم أغنيتها على تلك الصخرة, أليس كذلك؟

- قبل أن تموت أخرجت لهم صخرة قاتمة كان عليها نقش غريب, حاولت أن توصل لهم رسالتها بالإشارة, كانت تطلب منهم أن يحتفظوا بها. هذا على الأقل ما فهموه منها في حينه.

- ماذا حصل بعد ذلك؟

- تشاءم السادة من تلك الصخرة, لم يعشقوا اللون الأسود يوماً و كانوا يخافون من تلك السمراء التي لها عينان زرقاوان و التي كانت تغني بصوت عذب ولحن حزين بأغان لم يفهموها يوما. سلبوا من العبيد الصغار إرثهم  وغيبوه.

 

هنا صرخت بصوت عال:

- لم يتوقعوا يوماً أن بعضاً من أبنائها قد يستعيدون إرثهم, يجدون كنزهم ويفهمون الرسالة.

- ويغنون يا محمد.

 

 

ثم اندفعنا ننشد:

نتعبد سوياً كلما ارتدينا الليل

يعمدني

أعمده

أنا السمراء التي  ولدت من أمة سمراء.

 

لا قانون لي أطيعه, ولا أعرف الخطايا

أبيع نفسي بلا ثمن

أبيع نفسي لسيدي

أصدقاء سيدي

و كل ذلك لا يهم

طالما أنا من  ينجب سيده.

 

 

 

 

 

 

 

 

       * أغنية شعبية جمايكية تعود للقرن الثامن عشر.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007