[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عيد الميلاد الميمون عيد الميلاد الميمون
التاريخ:  القراءات:(4244) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

   

                         عـيـد الـمـيـلاد الـمـيــمـون

                             

(( ليست هناك حماقة أكثر من أن تقعي في حب كاتب لا يحسن السيطرة على ثرثرات قلمه ))

قالت لها إحدى صديقاتها في الكلية ذلك, فاستغرقت في ضحكٍ طويل ..

                                     .                .              .      

 كادت قدمها تنزلق من فوق درجة السلم, فأسند ظهرها بذراعه, واجه عينيها الوجلتين بابتسامة ساخرة من مخاوفها التي حاولت مواراتها عنه, كان منظرها مضحكا, حفزه لاحتضان تلك الطفلة المذهولة من كل ما يحيطها, ظلت تتلفت من حولها حتى فتح باب الشقة و ولجا إلى الداخل, راحت تمسح المكان بنظرات متوجسة, و كأنها تتوقع وجود بعض أصحابه بانتظارهما, كان يستفحل برأسها صداع شديد, كاد يفقدها توازنها و هما يجبران على التسكع الطويل تحت أشعة الشمس القوية في الفروع المحيطة بالكلية, القريبة من شقته, كل المنافذ كانت مغلقة, و الجموع تحتشد على الأرصفة, و هي لا تعرف أين تذهب, و لا كيف تبدد الوقت حتى يتم فتح الطرق, و يتسنى لها العودة إلى بيتها في الجانب الآخر من المدينة ..

 وضعت حقيبة يدها و محاضراتها فوق المنضدة, متآكلة الحواف, ثم تهاوت على إحدى الأريكتين الخشبيتين العتيقتين, و اللتين تتبعثر عليهما الكتب و المجلات و الأوراق .. و بعض الثياب, لم يحاول أن يرتب شيئا, و كأنه ود أن تألف تلك البعثرة و ذلك الاضطراب, جلب لها قدح ماء من المطبخ, شربته بسرعة من أشقاه الظمأ لأيام, سألها إن كانت تود شرب الشاي, وعدها متضاحكا ألا يضع فيه مخدر يسلبها وعيها .. كانت تشعر بالغثيان, فلم تجب إلا بسؤاله عن الحمام, أتاها صوته عبر الباب, يخبرها بأنه سوف يذهب لإحضار بعض الطعام, و من قبل أن يتسنى لها الرد سمعت صوت فتح و غلق باب الشقة ..

 عادت إلى الصالة, تتوكأ على الجدران المتشققة, لا تدري كيف و لا أية فكرة طرأت لها و جعلتها تدخل غرفة نومه التي واجهتها بفوضى عارمة, كما كانت تتوقعها تماما, لا .. بل و كأنها ولجتها من قبل, و أحاطت بكل تفاصيلها .. هل وصفها في إحدى قصصه بكل هذه الدقة ؟ .. تكوم الملابس و تناثر الأوراق فوق السرير و على الأرض, بقع الشاي المسكوب, أعقاب السجائر, هواء الغرفة المكتوم, و الذي كاد يشعرها بالغثيان من جديد, لولا فتحها للشباك المواجه للمرآة المتربة .. تواجهت نظراتهما, هي و تلك المرأة الثلاثينية التي تقف في مطبخ شقتها, كانت المسافة بينهما قريبة إلى حد تسنى لكل منهما التمعن في ملامح الأخرى و قسمات وجهها, تكاد تجزم إنها قد رأتها, هي الأخرى, قبل ذلك, بخصلات شعرها الذي لم تعتنِ بتمشيطه,عينيها السوداوين, شفتيها العريضتين, قوامها النحيل, حتى جلبابها واسع فتحة الصدر, و كأنها لا تبالي للنظرات التي قد تتلصص عليها من غرفة النوم المقابلة .. هي من ربطتها علاقة عشق عنيف بالطالب الجامعي في تلك القصة ! .. تتذكر إنها لم تعجبها كثيرا, و إن لم ترضَ مكاشفته برأيها ذاك, من غير أن يدركها الظن بأن بطل القصة لا يمثل سوى شخصيته الحقيقية, و كأن حبها له و تحمسها الشديد لموهبته قد غيبا تفكيرها تماما .. كان يمضي معها أمتع الليالي, أثناء غياب زوجها الطويل, تتسلل إلى شقته بعد أن ينام أطفالها, يستقبلها بوله كان يفاجئه دوما بقدر ما يفاجئها, و منذ أول لقاء جمعهما, بعدما لمحته, من شباك المطبخ ذاك, يفضي إلى الفراش الموبوء بالأوهام شيئا من صخب فحولته .. كانت وسيلته لتجاوز أزماته النفسية التي رافقته منذ بداية مراهقته, أنسته ذكريات فشل تجربته الأولى مع عاهرةٍ كانت تسكن على أطراف بلدته, وسط سخرية رفاقه و نوادرهم الطاعنة في رجولته, بل وفشله أيضا في إقامة علاقة حب مع أي فتاة بعد ذلك ..  جعلته رجلا متوازنا عاطفيا, يستطيع التعامل مع زميلاته بشكل طبيعي جدا, فتحرر من تلك النظرة الوحشية التي كان يرمق بها النساء, و حتى عندما أحب فتاة معه في الكلية, كانت هي صاحبة الفضل في ذلك .. ربما تلك النقطة بالذات كانت أكثر ما اختلفت معه فيها, و لكنه ظل مصرا على رأيه, بشكلٍ غريب, حتى أقتعها بوجهة نظره, كما يفعل دوما, ظلت تنقل نظراتها بين تلك المرأة, التي أقصت عينيها عنها و راحت تتشاغل بتقلية الباذنجان, و بين الفراش المبعثر, الذي صارت تقاوم رغبتها الشرسة في الاستلقاء عليه, بل و التقلب فوقه في نشوة عارمة, كما قد يفعلان في لياليهما الجامحة, أهي بعض تلك الليالي التي كان يقول لها إن تفكيره بها خلال ساعاتها الشاقة قد أظناه ؟؟ ... سارعت نحو الشباك فأوصدته, دون أن تدع عينيها تنظران نحو المرأة متواضعة الجمال, متقدة الأنوثة ..

 يئست من العثور بين أوراقه, المرمية في كل مكان, على ما يجيب و لوعن بعض تساؤلاتها التي أثقلت رأسها أكثر من أي شيءٍ آخر, تهجس إن نظرات عشيقته تتابع خطواتها في كل ركن من الشقة, التي تعرفها جيدا بالتأكيد, ربما كانت تجبره على الركض وراءها هنا أو هناك, لتلظي جمر شهواته أكثر فأكثر,فيرتمي فوقها على الأرض, حيث تقف, أو فوق ذات الأريكة التي ارتمت عليها عند أول دخولهما .. غادرت الشقة سريعا, و كل ظنها بأنها سوف تعترض طريقها في الرواق الذي يربط بين شقتيهما, تعاركها بشراسة امرأة متنمرة لا تسمح لأي واحدة أن تسلب منها رجلا صاغت فحولته كما تتشكل قطع الفخار بين يدي محترف ماهر ..

 كان الشارع مزدحما بشدة, رجال الأمن يتخللون الحشود المبتهجة تحت وطأة الخوف, أعلام مرفوعة, رايات و لافتات تهنئ و تبارك, تدعو بالعمر المديد لسيد البلاد .. جالت في الأزقة الخلفية لبعض الوقت, شعورٌ مقيت بالتيه و بمحاصرة عيون رجال الأمن لها, و كأنهم كانوا يتتبعون خطواتها التائهة, و يرقبون كل حركة أو تعبير قد يصدران عنها, سدد كل الدروب أمامها, ليرجعها إلى شقته ثانيةً, و شيءٌ غامض فيها راح يحث خطاها على مسابقة تلك الجارة, حادة النظرات, إلى أحضانه ..   

(( مجنون, مجنون )) ..

 صرخت بانفعال, دون أن تدري أي سبب دعاه لكتابة أو نشر تلك القصة الآن بالتحديد .. تاركا لها حرية تغيير الأحداث, و التلاعب بالتفاصيل كما تشاء .. يحاول جرها, من جديد, إلى متاهة ظنت إنها قد غادرتها منذ زمن, و لكن .. كيف عرف إنها تتصفح ذلك الموقع, بل و سوف تقرأ تلك القصة الغريبة بالذات ؟ .. ماذا ينتظر ! .. أن تراسله على بريده الألكتروني المبين في سيرته الذاتية, بالإضافة إلى إسم آخر منافيه, أن تطرق بابه ثانيةً بعد كل هذه السنوات, أن تلتمس منه أمانا ينجدها من تيهها الطويل في المدن الغريبة .. أن يمضيا ساعاتا على الشات, قد يروي لها خلالها عن الجحيم الذي وجد نفسه مغلولا فيه , و لدغات الأفاعي المحفورة بين جنباته, بينما تلخص هي في عدة كلمات حياتها مع رجلٍ أدمن الترحال من بلد لآخر, من غير أن يضمن مصالحة آمنة مع المستقبل تسمح لها بالتخلص من حبوب منع الحمل .. و قد تكاشفه ببكائها, و ربما تتهالك أنفاسها, و كأنها قد عادت مجددا إلى سيارة الأجرة, تسلك بها ذلك الطريق الطويل إلى بيتها, بعد فتح الشوارع و انتهاء صخب الاحتفالات ..

 تعتريها رعدة مباغتة, كما لو إن ذلك قد حصل قبل قليل, ترقب بعثرة ملابسها فوق فراشه, بعدما ابتعد عنها و استسلم لنومٍ عميق, تنظر نحو الشباك الذي أصرت أن يسدل ستارته ليمنع تلصصها عليهما, بينما الهتافات تلهج بالدعاء و الأماني السعيدة في الخارج ..

 ضحكت طويلا من تلك النهاية ـ السينمائية ـ التي سلمها لعبثيتها, من عربدة الأحلام العجيبة التي عاجلتها, و كأنها تخص أخرى, تستنكر أي صلة يمكن أن تربطهما, و لا حتى منذ أكثر من خمسة عشر عاما .. من صدى طرقاتها العصبية على باب شقته الذي لم يفتح لها أبدا .. من ظنونها و شقاء خيالاتها المتهاوية نحو غرفة نومه في تلك الدقائق المستحيلة التي أمضتها في ذلك الرواق الغارق في صمته, و كأن البناية بأكملها قد هجرت, و انضم سكانها للمحتفلين في الشوارع,  حتى دبت فجأة حركة غير عادية, وقع أقدام قوي على السلالم, همهمات ما لبثت أن تعالت إلى صياحٍ غير مفهوم, أصوات غريبة .. تشبه الصفعات و اللكمات, تعقبها تأوهات مكتومة, بالكاد استطاعت أن تتبين ملامح وجهه المتورم, و هو يترنح بين عدة أشخاص مسلحين, مقبلين نحوها, تراجعت أمام تبجح نظراتهم فيها, سألها أحدهم بصوتٍ غليظ عن سبب وقوفها قرب باب الشقة .. كما لو كانت تقف وراء باب شقتها بانتظار تلك اللحظة, خرجت لتكفيها عناء بحثها عن صوتها المرتحل بعيدا عنها : إنها قريبتي, و هذه أول مرة تأتي فيها لزيارتي ..   

 أخفى الباب المغلق ارتجاف جسديهما, إحداهما تلفح وجه الأخرى بصهد أنفاسها المضطربة, تحاولان التنصت على ما يجري على بعد خطوات, و العرق البارد يتفصد من جبينيهما, عيون تتلامع و تكاد تقفز من محاجرها لتمر من تحت عقب الباب, علها تستطيع التسلل من المراقبة المشددة التي أحكمت حول البناية بأسرها, تركتها و ذهبت إلى المطبخ, ثم ما لبثت أن عادت مذعورة, تخبرها أنهم قد قلبوا غرفته رأسا على عقب .. بعد قليل شاهدتاه, من الشرفة الضيقة, مقتادا نحو سيارة من سياراتهم التي انطلقت به سريعا إلى حيث لا يدري أحد ..

 محاولة اغتيال !! .. كيف, و متى, و من اشترك معه فيها ؟؟؟ .. كل ما فعله أنه ذهب ليحضر الطعام .. واصلت قول ذلك لنفسها في ذهول شديد, من غير أن تواتيها جرأة سرد شيئا مما حصل لأيٍ من زملائها الذين كانوا يتناقلون الخبر همسا, خشيةً من الآذان المسترقة للسمع, كحقيقةٍ مؤكدة لا يشوبها أي خيال, كما هو الحال في قصصه, التي حاولت فهمه من خلالها, فما حصلت سوى على الحيرة و الأسئلة المركَبة, أظنتها سنواتا طوال, فما كادت تتناساها حتى جاءت قصته لتحرك ركودها في قاع عقلها من جديد, تلومها لعدم محاولتها زيارة جارته ثانيةً, و كأنها ودت الهروب من كل ما قد يذكرها بمأساة ذلك اليوم الرهيب, فإن لم ينطق لسانها بالحقيقة, تبحث عنها في ومض عينيها اللتين شاركتاها البكاء الطويل .. ولولاتها ما تزال تخرق أذنيها, تنتحب على جارها الطيب, الذي كان يساعد أطفالها في دراستهم, و يذكرها بأخيها الذي واراه أحد المعتقلات عن الدنيا منذ سنوات ..

 قد تواتيها الشجاعة لمراسلته ذات يوم, و قد يتقابلان في إحدى محطات ترحالهما الطويل, فخطوط الغربة, مهما كانت تشعباتها, و مهما ترامت عبر القارات, قد يصوغ تشابكها ومضة زمانية تهب فرصة اللقيا على حين غرة ..

 قد, و قد .. قد يتلقى عدة آراء حول قصته, سلبية كانت أم إيجابية, أما هي.. و حتى إن استطاعت ـ و أرادت ـ المشاركة, بإسمها أو بإسمٍ مستعار, فلعلها لن تكتب سوى : (( لا تعليق )) ... 

                          

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007