[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
العقد المنفرط العقد المنفرط
التاريخ:  القراءات:(4087) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

الـعِـقـد المـنـفـرط


ـ قصة قصيرة ـ


سقطت أشعة الشمس على الجدران الرمادية, العالية متطاولة الشروخ, بعد أن فتح كافة شبابيك الصالة من أجل تجديد الهواء و تبديد الرائحة العطنة, كما أنه أبقى باب الدار, الخشبي العريض, مفتوحا على وسعه, و كأنه ينتظر قدوم أحدهم, سار بين الغرف المركومة بالأتربة و الرطوبة, الطاعنة في الزوايا أكثر من أي مكان آخر, و .. صمت الفراغ الموحش, حتى وصل إلى الحديقة الخلفية, حيث تنتصب شجرة النبق, العجوز كما كانا يسميانها, وقف أمام جذعها المتين الذي تتسلقه الحَلفاء, مثلما ود أن يفعل دوما في صباه, أغصانها المتشابكة تمتد نحو سطح الدار, طالما كان يصعد إليه مع ريم و أخوتهما و أبناء عمه و هم صغارا ليقطفوا ما استطاعوا من ثمارها, حتى تناديهم جدتهم طالبةً منهم النزول خشية سقوطهم من فوق السياج الواطئ ..


لفتت انتباهه من جديد تعرجات اللحاء المتغضن, حيث كانت وجوه الجميع ترتسم أمام ناظريه, و كأنها محفورة بين ثناياه, نظر نحو الكوة التي تكوم فيها القش, و كأنها أضحت عشا للعصاافير, و ربما للحمام, حتى فترة قريبة, بالإضافة إلى نسيج عنكبوت عند أحد الأطراف, صوت ريم يهمس في أذنيه, يكرر ما أخبرتها به أمها عن تلك الكوة التي تتوسط الشجرة, كما لو تم حفرها من قبل إنسان, عن المنشورات السياسية التي كان أبوه يخبئها فيها حينا, و عمه في حينٍ آخر, و قد كانا ينتميان إلى حزبين متعاديين, و عن .. و ضحكت و هي تزم شفتيها .. الصور الخليعة و السجائر التي كان يخفيها خالها الأصغر داخلها عن العيون, حتى عثر عليها أخواه و تقاسماها فيما بينهما, نكايةً به, فلم يستطع أن يفعل شيئا سوى البحث عن مخبأ جديد, بعيدا عن تطفلهما المستمرعلى خصوصياته ..


تذكر كلٌ منهما تلك القصة و هما يشاركان البقية ذرف الدموع الحارة و النحيب المرير عند استشهاد ذلك الشاب الوسيم, هاديء الملامح و الطباع, و الذي كان يمضي وقتا طويلا في ملاعبة أولاد أخوته, و كأنه يستعيد معهم طفولته من جديد, و رغم الأسى و جو الحزن الثقيل الذي خيم على كل العائلة, و أنهك قوى الجدة بالكامل, حتى كادت تفقد القدرة على مبارحة فراشها, كان جل همه ينصب على رؤيتها و الانفراد بها أطول مدة ممكنة, مما أثقله بشعور كبير بالذنب تجاه عمه الذي أحبه كثيرا, و لكن البريق الساكن في عينيها العسليتين, و لمعان شعرها بكستنائيته الخفيفة, و التي لا يلاحظها إلا من يقف على مقربةٍ منها, و نبرة صوتها الهادئة, و التي تزداد شدوا في حالات الانكسار, و إن لم يكن يحب أن تجتاحها مثل تلك الحالات أبدأ, سيطروا عليه تماما, و جعلوه لا ينفك عن التفكير بها, و إن أبدت امه بعض التراخي أصر عليها للذهاب إلى بيت جده لكي يجدها بانتظاره قرب الشجرة, تعاتبه في صمت على تأخره ..


اقترب من الشجرة أكثر و هو يعرف إنه لن يعثر على أي أثر لأسميهما, فقد أصرت, و الخجل يقرص وجنتيها, أن يمحوهما حالما انتهى من حفر أحرفهما, لئلا ينتبه إليهما أحد .. لا تكن مجنونا, ثم إن ذلك فألٌ سيء, لأن كل إثنين يكتبان أسميهما على شجرة يفترقان في النهاية, كما يحصل في الأفلام دوما ..


وضع كفه عند حافة الكوة حيث كان القنديل يستقر, عندئذٍ بدت أمامه كمغارةٍ منعزلة, ود أن تحجبهما عن العيون, الضوء الخافت راح يطفو على صفحة وجهها, يطلعه على الخوف الرابض في مقلتيها, و صوت المذياع يصلهما من الداخل, فيما كان الأهل, الذين قرروا التجمع في الدار الكبيرة طيلة فترة الحرب, ينصتون إلى آخر أخبار عصف الصحراء المدمر .. يحاول الهمس في أذنها بأي كلام, فلا يجد ما يقوله و وهج الحرائق يحاصر المدينة, و المطر الأسود لا يقوى على إطفاء نيرانها المستعرة, تهرع إلى الداخل مع نداء أمها, و قد انتبهت لعدم وجودها مع بقية الفتيات, يدخل بعدها و القنديل يهتز في قبضته مع كل انفجار, ينصت من وراء باب إحدى الغرف لنحيب أخته المنزوية عن الجميع, و هي تتطلع إلى صورة شقيق ريم ببزته العسكرية, التحقت به مجددا, تشاركه الإنصات, و تشاركها البكاء ..


وجهها النضر علته جهامة لم يستطع اختراقها, و السواد يكبل روحها أكثر من جسدها, دفتر خواطرها السميك, صغير الحجم, أشبه بقاموس في يدها, لم تدعه يطلع على أيٍ من كلماته, ربما كانت ستعينه على فك بعض طلاسم صمتها و شرودها, و كأن حزنها الطاغي على أخيها قد غيبها في عالمٍ آخر, ناءٍ عنه .. ذبلت الورود التي كان يدسها في ذلك الجحر الذي اعتاد حفظ الأسرار, و إن أفشاها بعد حين, تيبست مثل تيبس ورق الشجرة المتساقط على الأرض من حوله, و بعد أن كانا يتحينان الفرص للبقاء مع الجدين بمفردهما, بحجة رعايتهما, صارت عيناها تتهربان من ملاحقات نظراته لها ..


ـ كانت مشاعر مختلطة ربما لم نفهمها جيدأ, من الخير لنا أن ننساها ..


ـ و لكني محوت اسمينا من على الشجرة ..


ـ كل شيء يتغير ..


ـ و أكيد إنكِ قد أهملت دفتر خواطرك أيضا, و ربما بدأت تكتبين في دفترٍ جديد ..


أجبر عينيه على الكف عن التطلع إلى نظراتها المحملقة به, تركها قرب مدرستها الثانوية و مضى بعيدا عنها, تبتلع دوامات السخط خطواته ..


لم يستطع قلبه النأي عن لفح هواه الأول بسهولة, و لا تمكن عقله من تناسي ذكرياتهما المتناثرة في أرجاء الدار الواسعة بذات العزم الذي واتى والده و عميه, بعد موت الجد مباشرة, في لملمة أغراض والدتهم المتوفاة, من سجاد عتيق, و فضيات منقوشة, و ممهورة بسنوات الصنع , التي قد تعود إلى أوائل القرن, و أواني الخزف المزخرفة, و أشياء كثيرة أخرى وزعوها فيما بينهم, و كأنهم يقتسمون غنائم إحدى الحروب, مع ثمن الأثاث المخلع, و الذي لم يرغب أيٌ منهم بالاحتفاظ بشيءٍ منه, قبل إقفال الدار للأبد و هجر التجمعات القديمة التي كانت تضمهم في تلك الصالة الواسعة, متقاربين, منشغلين في أحاديثهم و نوادرهم و ضحكاتهم الصاخبة, بينما كان جده يجلس على أريكته الخشبية العتيقة حينا و يتمدد عليها حينا آخر, و قد تأخذه غفوةٌ مفاجئة, رغم كل الضجة التي من حوله, لا يلبث أن يستيقظ بعدها لينظر إلى الجالسين, و كأنه يستفسر عن سبب وجودهم, ثم ينادي جدته, المنهمكة دوما مع بقية النسوة في المطبخ, يستعجل الطعام, أو قد يطلب قدح ماء, أوفنجان شاي, أو أي شيء آخر .. كانوا يصطفون أمام تلك الأريكة من أجل الحصول على العيدية, و قد يحظون بشيءٍ من مداعباته, التي يخص بها الأطفال حديثي الولادة عادةً, اعتاد هو و ريم أن يشتركا دوما, بمعزل عن الأخرين, بما يحصلان عليه من مال, يشتريان به ما يشاءان من شيكولاتة أو ألعاب, كانت أول شيء يجمعهما ..


لم يعودوا يجتمعون سوى في مناسبات متباعدة, يحضرها الكبار, و عدد متناقص من أبنائهم في كل مرة, لعل حفل زفاف ريم كان آخر تلك المناسبات .. هناك وصل إليه الهمس الدائر بين النسوة عن علاقة العروسين التي بدأت منذ كانت في المرحلة الثانوية, كما كانت تلك أخر مرة يرى فيها حبيبته القديمة, فقد سافرت بعد ذلك مباشرةً مع زوجها إلى الخارج, من غير أن تتسنى لها فرصة توديع البيت قبل بيعه ...


7 ـ 6 ـ 2007

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007