[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المنقبة و التمثال المنقبة و التمثال
التاريخ:  القراءات:(4283) قراءة  التعليقات:(16) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                  

 وقفت مستندة إلى سياج السطح الواطئ, كما هو شأنها في أغلب الليالي, تتأمل ذات الوجوه المتطلعة نحو السماء, و المكتسية بضياء ثاني بدر بعد رحيله, يمدها بحياةٍ خفية عن الجميع, تنتصب فوق قامات ضخمة, بعضها يجثم فوق الأرض من قبل أن تبصر الدنيا, لا تنسى أبدا الفزع الذي كان يسيطر عليها في صغرها كلما نظرت إلى تلك التماثيل بملامحها الجامدة, وسط باحة ذلك البيت شرقي الطراز, بينما يجلس تحت تعريشة العنب صاحب الدار ذو الشعر الأشيب الخفيف, ممتلئ الجسم, بطيء الحركة, و دائم الشرود, ينشغل أغلب الوقت بنحت قطعة ما, يكاد لا يرفع رأسه إلا ليمسح العرق المتصبب فوق جبينه, قبل أن ينزلق نحو نظارته الطبية, و كأنه ينعزل عن الدنيا, فلا يعبأ بشيء مما يدور حوله, حتى لو انتشر في أنحاء الدار الواسعة عدد من الشباب و الفتيات, الذين يعملون كخلية نحل على منحوتاتهم و تماثيلهم, متباينة الأحجام, و رسوماتهم, و قد يشاركها الفرجة من جميع الأسطح المطلة على البيت بعضٌ من أهالي الزقاق, الذين اعتادوا احترام خصوصية الرجل و ضيوفه, فلم يعودوا يطلقون أي تعليق مسيء أو ضحكة ساخرة, تعبر عن غرابة ما يحدث بالنسبة لمثل ذلك الحي الشعبي القديم, و رغم وجود فتيات غاية في الرقة و الجمال, قد يكشفن عن أذرعهن و شيء من صدورهن, بينما أغلب النساء و الفتيات لم يكنَ يخرجن إلى الشارع دون ارتداء عباءاتهن التي تنسحب أطرافها على الأرض خلفهن .. راحت اللهفة تسوقها بعد ذلك لأن تصبح واحدة منهم, تشاركهم ضحكاتهم و حواراتهم, التي لا تسمع و لا تفقه منها شيئا, و حتى جدلهم الذي يشوبه الانفعال أحيانا, بل و أن تأخذ نصيبها من التقريع الذي يوجهه إليهم بين الحين و الآخر, و الذي يجعلهم يبدون كالأطفال تماما, لا يجسرون على الاعتراض على شيء في حضرة الوالد المهاب, لا ينفك بعدها أن يلقي ببضع كلمات, تمحي الخجل من على وجوههم, و تخضعهم لكركرة طويلة, قد تدفع بعض الفتيات إلى تقبيله من جبهته أو خديه, متحديات خشونة شعر لحيتة  البيضاء ..

 ذلك العجوز الحنون, صاحب الابتسامة المشرقة, و الضحكة المجلجلة, و الصوت العميق, محور حكايات كثيرة تتناقلتها الأفواه على مدى سنوات طويلة, ما عادت تعرف مدى صحة أو دقة بعضها, غير أن شرودها كان يجنح بها باستمرار نحو عالم ذلك الطفل المفعم بالحيوية, متقد الذكاء, وحيد أمه و والده الشيخ الوقور .. الشاب الجريء الذي أخذت أبسط الأشياء حوله تثير اهتمامه .. تمرده على سطوة أبيه و نواهيه و غضبه المستمر عليه و طرده من البيت بين الحين و الآخر, على مرأى و مسمع من الناس, و من ثم سفره لدراسة الفن في الخارج .. زوجته الأجنية الجميلة, ذات الشعر الأشقر الطويل و العينين الزرقاوين, و الجرأة الغريبة على الجميع, و التي عاشت معه في تلك الدار بعد و فاة والديه .. دخوله المعتقل, بسبب نشاطه في حزبٍ محظور, هجرها له, و عودتها إلى بلادها برفقة طفلهما, غيابه عن الدار لسنوات, حتى يفقد الناس الأمل في رؤيته من جديد, و عودته فجأة, و كأنه لم يتركها سوى عدة أيام, فيعمل و عدد من تلامذته على ترميم بعض التماثيل المتصدعة .. فخامة المعارض الفنية التي كانت تقام في الدار, من حضرها من فنانين عرب و حتى أجانب .. قصته مع تلك الحسناء الغامضة, التي كانت تنسل إلى بيته في جوف الليل, و التي جسَدها في تمثال غاية في الإتقان, اتخد له ركنا في الباحة, يواريه بالقماش السميك عن الأنظار, و لا يكشف عن عريه إلا في ساعات قليلة من بعض الليالي التي كان يمضيها في الدار, كما لو كان يغار على فتنتها من العيون .. لم يكن ظاهرا منه سوى جزءا من أحد النهدين المكتنزين, الموشح بخطوط باهتة, كما لو أنها من أثر قبضة رجل استبدت به نشوة وحشية ..

 و كأن هناك من قادها في تلك الليلة من يدها إلى ذلك التمثال بالتحديد, فوجدت نفسها تتطلع إلى شموخ النهد النافر, الذي ترصعه حلمة عملاقة, كنجمةٍ تهاوت من السماء, أزاحت طرفا من الغطاء و التصقت بالساقين المتقاربين, داهمت الركبتان المستديرتان صدرها المكتنز من خلف الجلباب بعنفوان شرس, أسندت رأسها إلى الفخذين, أغمضت عينيها, علها تستطيع الولوج إلى داخل التمثال الصلد, أو تلك المرأة التي لا تعرف عنها شيئا, أخذت يداها تمسحان الجبس الأملس حتى تجويف السرة, ندت عنها آهة مختلطة بحسرةٍ مكتومة, أزاحت عنها القماش المترب, و كأنها تخرج من خيمة في البادية, تقدم نحوها, اعترتها رجفة خفيفة لما مرت كفه على خدها .. دموعها .. تشنجاتها .. شهقاتها .. كل شيء أوشك أن يفقدها صوابها و هي تسقط عند قدمي التمثال و تجد جزءًا من الغطاء ينسحب من عليه, ملتفا حول جسديهما, فراحت رائحة التراب و الرطوبة التي خلفتها الأمطار تكتم أنفاسها .. رفعت بصرها نحو التمثال, و قد تعرى نصف جسده هو الآخر, فبدا لها كعملاق مهول هابط من السماء المشوبة بحمرة قانية, يشارك التماثيل الأخرى, و الجيران من الأسطح المجاورة النظر إليها من علٍ, ودت الزحف نحو بقايا تعريشة العنب للاحتماء بها, و لكنه أجبرها على المكوث في مكانها .. أخذت تتلفت يمنة و يسرة, تحاول عيناها البحث عن فارين من وجه العدالة و مطاردين سياسيين, سمعت من قبل عن اختبائهم في هذه الدار .. ترى كم رعدة شبق قد جابت أرجاء المكان من قبل, و عند قدمي تلك الفاتنة المجهولة بالتحديد, هل من قطرات دمٍ أخرى ناشت ذلك الغطاء البني حائل اللون .. هل هما بمفردهما في الدار, و ما تلك الأصوات سوى صفير الريح التي تجوب الغرف الخالية من الحياة, أم أتها ستتفاجأ بذلك الكهل المتواري عن الأنظار, يخرج من إحداها نحوهما, يحمل في يده ورقة كبيرة بيضاء و بعض الأقلام, يجلس قريبا منهما دون أن ينبس بكلمة, و يشرع في رسم التحامهما القاسي, ليضمها إلى بقية رسوماته الأخرى التي تفترش الطاولات و الأسرة المخلعة و أرض الغرف, إلى جانب منحوتات و تماثيل صغيرة, جسدت الكثير من سكان الحي, بمختلف أعمارهم, منهم من توفي و منهم لم يزل على قيد الحياة, و من بينهم نساء, صوَر أجسادهن بدقة متناهية, كما لو كن يجلسن أمامه لساعات طويلة .. كم شخص قبلها قد جال بين أرجاء تلك الغرف و تعرف إلى أسرارها, الغريب إن ما من باب في هذا البيت موصد بمفتاح, و كأنه يدعو الجميع للتجوال في كل ركن من أركانه, بل و أخذ ما يشاء من الأعمال الفنية الموجودة, أو أيا من الأدوات التي كان يستعملها هو أو أحد تلامذته .. أسندت ظهرها المتوجع إلى ساقي التمثال, فسَرت برودتهما إليه, راحت تنظر للقطة التي لمحتها على حين غرة تجثو عند قدميها, تطالعها بعينين جامدتين تلمعان بشدة في الظلام, ذكرتاها بنظرات أمها التي تدحجها بها كلما أتت بتصرف لا يعجبها, كأن تنسى وضع الحجاب فوق رأسها قبل أن تفتح باب الدار, أو النقاب من بعد أن أمرها أخوها بارتدائه ..طرقات شقيقها العنيفة على باب غرفتها قذفتها سريعا من أراجيح أحلامها و ألقتها على الفراش, قرب لهاث أنفاسه, بالكاد تمكن من ارتداء سرواله و جلبابه القصير, أبلغه بضرورة مغادرتهما الدار حالا, حسب توجيهات الأمير له عبر الهاتف .. غادر بخطوات سريعة, يستغفر الله لأنه لن يتسنى له الوقت للاغتسال, من غير أن يفكر بكلمةٍ تهدئ من روع عروسه المتكومة في الفراش كتمثال مهشم, لا رجاء من إعادة ترميمه ..

 أرادت أن تسأله عن أمورٍ كثيرة, تحاوره, تحاول معرفته, تحفظ ملامح وجهه و نبرة صوته أكثر .. قبل دخوله عليها, بلحيةٍ طويلة محناة, كلحية أخيها تماما, كانت تجلس على فراشها, تتساءل إن كان الأمير, الذي خطبها له من أخيها و عقد قرانه عليها من غير أن تراه سوى مرة واحدة لم تستمر أكثر من عدة دقائق, قد أوصاه بخلع جلبابه أولا أم سرواله, عن أول تعبير سوف يرتسم على وجهه, أول كلمةٍ يمكن أن يقولها لها, تتوجس من أول لمسة, أول قبلة لن تعبأ لما عربد بها من اضطراب منذ علمت بنبأ زواجها الذي تم دون إطلاق زغرودة واحدة من قبل والدتها أو زوجة أخيها ..  

 أحست بحركة غريبة في الباحة, أطلت برأسها, فميزت عدة أجساد شبحية تتنقل في أرجائها, وصلت إلى مسامعها همهماتهم, أضاء أحدهم قنديلا, فاستطاعت أن تلمح مجموعة من الأسلحة, بالإضافة إلى صناديق كبيرة الحجم مرصوفة عند جدار غطته لوحة بديعة, كان الفنان و زوجته الأجنبية قد اشتركا في رسمها .. دون إرادة منها وجدت نفسها تهتف بإسمه و إسم أخيها, و قد أدركها احساس مباغت بأنهما من بين تلك المجموعة, رفعت الرؤوس و صوِبت فوهات الرشاشات نحوها حتى أتاهم صوته, يأمرهم بخفض السلاح, طلب منها النزول من السطح و الاعتكاف بالدار, همت بعبور السياج و النزول نحو الباحة, و لكن بدء القصف أجبرها على ملازمة مكانها, و ذراعاها تلتفان حول بطنها التي بدأت بالتكوُر, بينما الأرض ترتج من تحت قدميها, تناثرت أشلاء التماثيل في شتى الإتجاهات, تداعى البناء المحيط بالباحة, كما حصل للبيوت المجاورة خلال ثوان معدودة, وجدت نفسها فجأة ملفاة أسفل السلم الحجري المحاذي للسياج الفاصل بين الدارين, لا تقوى على الحراك, و الحروق تصلي جسدها .. بعد توقف القصف و توالي انفجارات الذخيرة المخبأة, أحال الضوء الساطع المنبعث من المروحية الأمريكية, المحلقة في السماء, المكان إلى نهار, غالبت أوجاعها, و رفعت رأسها نحو الركام, فاستطاعت بالكاد أن تتعرف إلى جثته المدماة بين  الأنقاض, عند ذات الركن الذي كان ينتصب فيه تمثال المرأة الغامضة ..   

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007