[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
هدهدة بين مدن الثلج و الضباب هدهدة بين مدن الثلج و الضباب
التاريخ:  القراءات:(3827) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

  هدهدة بين مدن الثلج و الضباب ..

              ـ قصة قصيرة ـ

 كانت تغمض عينيها بين آونة وأخرى, سوى أنها لم تستطع النوم أبدا, كدأبها عند السفر, تعجب لمن يمكنهم الاستغراق في النوم و هم معلقين ما بين الأرض و السماء, و تحسدهم في ذات الوقت .. من حينٍ لآخر تميل برأسها إلى مسند الكرسي, فتسمع صوت أنفاسه التي لم يهدأ اضطرابها سوى قليلا منذ بداية الرحلة, ظنت أول الأمر أنه الخوف المعتاد الذي يراود الكثيرين لدى ركوبهم الطائرة, غير أن تقلصات عضلات وجهه جعلته يبدو و كأنه وجد نفسه فجأة جالسا على الكرسي الملاصق لكرسيها من دون أن يعي حقيقة ما يجري, تركته في البداية قابعا خلف ستار صمته المنسدل فوق ضجيج أفكاره دون أن تحاول إقحام نفسها في دواماتها, و لكنها لم تستطع أن تتغاضى عن الكلام الذي بدا واضحا على قسمات وجهه, خاصةً بعد أن استأنس للهجتها التي كانت تتكلم مع ولدها الصغير بها, فوجدته يتتبع حديثهما دون إرادة منه, أخرج من الحقيبة الصغيرة التي بجانبه بعض المعجنات و قدمها لهما و هو يقول إن والدته هي من صنعتها ثم أرسلتها إليه مع أحد أصحابه, و أوصته أن تكون أول شيء يتناوله بعد وصوله, كان يتكلم بعفوية بسيطة و محببة, فلم تعرف كيف ابتدءا حديثهما بالضبط, باِنسيابية أعادتها إلى سنوات خلت, عندما سافرت هي و زوجها إلى تلك البلاد البعيدة, إلى تلك الهواجس و زمجرة المخاوف المعربدة في دمائها, في تلك الفترة الشاقة تخلت عنها إرادة الحياة بشكل مخيف, حتى كادت تنهي زواجهما, رغم الحب الجارف الذي تملكها نحوه منذ أن التقته, وجعلها تشاركه حلم السفر بدء حياة جديدة في الخارج .. كادت أيضا تخلف كل شيء وراءها, و تقفل عائدةَ نحو النصف الآخر من العالم, و من دون أن تخبره حتى, لولا علمها بحملها, حينئذٍ أدركها إحساس بأنها مكبلةٌ تماما في الهواء, من غير أن تشدها قيودها إلى أرضٍ محددة, لا شيء تبصره سوى الضباب و الجليد الزاحف نحو كل ما يحيط بها, يلف شقتهما الصغيرة, المكونة من غرفتين تتنافسان في ضيق المساحة, و أثاثها المتواضع القديم, يتسلق بجسارة السرير الذي يضمهما بعد يوم شاق من الغربة و الترحال بين هذا العمل و ذاك, فيما كانت الجدران تتداعى من حولها كل ليلة  ليتلقفهما و مولودهما المنتظر العراء .. 

 استولت عليه غفوةٌ سريعة, ألقته بين الغمام, صارت الريح تسَفره من مكانٍ لآخر من غير أن تمكنه من الهبوط في أي بلد من بلاد الدنيا, حتى انتبه إلى أنه يهوي من عنان السماء, بسرعة جنونية تسابق الضوء, نحو بيت أهله في بغداد .. أفزعه, و أيقظ كل الركاب من نومهم, تأثر الطائرة بمطبات هوائية, اختل لها توازنها لبضعة دقائق, مما حذا بابنها دفن رأسه في حجرها, فيما أمسك يدها بقوة شديدة, و أمال رأسه نحو كتفها لتتقابل عيناهما في التماعةٍ غريبة, عندها لا تدري أي هاجس غريب سيطر عليها و جعلها من فرط الانفعال تتصور أنه يهم بمعانقتها, و قد شعرت بأن شفتيه كادتا تلامسان شفتيها فعلا, خف توتره ما أن عادت الطائرة إلى توازنها, و أعلن الطيار أن لا شيء يدعو للخوف, فارتخت قبضة يده, ثم أبعدها عن يدها المتصلبة فوق مسند الكرسي الجانبي ..

 نفرت من ارتباكها, و حمى الخجل التي اكتسحته, و جعلته ينزوي في كرسيه, معاودا التيه في مدن الغمام المظلمة, و راحت تحكي له عن البلاد المقبل عليها, عن أكبر المدن و أوضح معالمها, مناطقها و ساحاتها, عن اللغة التي عليه تعلمها, و ما هي أفضل السبل لذلك, و عن المساعدات التي تستطيع و زوجها تقديمها له, باعتبارهما قد أمسيا من أهل البلاد, و بالتأكيد لهما عدد كبير من المعارف و العلاقات التي سوف توفر عليه الكثير من المشقة و العناء الذين يمكن أن يكابدهما أي مغترب جديد .. طاف معها في الشوارع المشعة ثلوجها تحت الأنوار الساطعة, و تزلج فوق منحدرات الجبال, و ربما كانت برفقته فتاة شقراء غاية في الجمال .. كاد الصقيع يجمده, و أنعشه دفء شقته الصغيرة التي نسقها خياله على مهل حتى أدركه الإسترخاء التام أخيرا, فنام بوداعة طفل قصت عليه والدته إحدى حكاياتها التي تحفظها منذ عهد بعيد ..

 لم تنسَ أن تعطيه رقم هاتفها النقال قبل نزولهما من الطائرة, فدونه بصعوبة بسبب الإرتجاف الذي دب فجأة في حركة يده, و العرق البارد يتصبب فوق جبينه, و قد عاودت عضلات وجهه التقلص من جديد, فيما أخذت خطاه تضيق, كما لو أنها تود التقهقر لا التقدم إلى الأمام, عندئذٍ تمنت لو تتمكن من إخفائه في حقيبة يدها الصغيرة, أو تحت معطفها الصوفي, بعيدا عن عيني المسؤول عن تدقيق جوازات السفر الذي وقف يتمتم أمامه, بانجليزية ركيكة تهالكت أحرف كلماتها فوق شفتيه, بأنه لا يملك جواز سفر و يطلب حق اللجوء لبلادهم العامرة .. ودت الانتظار قريبة منه للإطمئنان على ما ستؤول إليه أموره, و لكنها خشيت أن يزيد ذلك من تعقيد الموقف بالنسبة إليه, كما و يمكن أن يجلب عليها و زوجها مشاكل عدة, هما طبعا في غنىً عنها , فغادرت و ابنها المطار, و نظراته المفزوعة تلوح لها مع ندف الثلج الهابطة من السماء دون توقف ..

 في تلك الليلة الوحشيه كان لسانه يلوك ببطءٍ شديد, و قد جمدت الدموع في عينيه المتحجرتين, معجنات والدته في إحدى قاعات المطار المغلقة, بانتظار ترحيله إلى ذات البلد الذي قدم منه, و الأقرب إلى بلده الأصلي, فيما عادت هي لتصطلي بساعات أرق الليالي الأولى لوصولها و زوجها إلى تلك البلاد, و الجليد يزحف نحوها من كل الجهات ...      


من سلسلة ليالي الأرق ..

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007