[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الامتحان الامتحان
التاريخ:  القراءات:(6938) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الله زايد  

 

 


الامتحان


مضت سنوات على وفاة طفلي طارق.. لو كان حيا لما كنت أمسيته طفلا.. لكن صورته توقفت في ذهني منذ تلك الأيام.. لو كان على قيد الحياة سيكون وبلا شك واحدا من هؤلاء الشباب الباحث عن عمل ووظيفة.. لكن سيعرف طفلي الصغير.. أنني لن أساهم بقليل أو كثير في دفعه للأمام.. لن أتوسط له عند أحد.. فهو سيكون قد علم كراهيتي لهذا النظام غير العادل.. وبلا شك أنه سيكون قد أدرك بغضي للمحسوبيات والصعود على أكتاف الآخرين وعلى حسابهم.

لو بيدي لما ترددت في قبول جميع هؤلاء الشباب الذين تلفح الشمس أوجههم المتطلعة والمتحفزة للغد.. لكن ليس بوسعي شيء أقدمه كرئيس للجنة القبول.. سوى قبول أعداد محدودة جدا على ضوء درجاتهم الدراسية... العدالة.. العدالة.. أو محاولة إنصاف الجميع.. هي ما أسعى له هنا.. لقد عُرف عني جديتي.. وعدم حبي للأبواب الخلفية.. أو الأوراق الصغيرة.. وعموما جميعها أمور لا تجدي معي أبدا.

في هذا الصباح دلف الشاب المتقدم رقم 3119 حاملا ملفا أخضر.. كان خائفا مرتبكا.. عندما شاهدته.. لم أنزل عيني عن محياه ومن على وجهه الصغير.. سحبت ملفه.. وألقيت نظرة سريعة على محتوياته.. يا للهول أنه ناصر طفل الأمس... كم قد لعب مع طفلي... كم نام في نفس فراش طارق... كم كانوا أشقياء سويا... نعم.. نعم.. أنه ناصر الذي ألهب باب منزلنا في ذلك الزمن وهو يضربه في كل أوقات اليوم.. ظهرا.. عصرا.. وعندما يحل الظلام... باحثا عن صديقة... سائلا عن طارق.. لطالما رفض ناصر تصديق أن طارق قد مات.. أو أنه لم يكن يعلم ما هو الموت.. لطالما حملته من أمام الباب حيث يجلس يبكي.. لطالما أشعل ناصر النار في قلبي وقلب زوجتي على طارق بوفائه له.. لازلت أتذكر بعد أسبوعين من وفاة طارق.. وبعد أن فقدناه.. قلنا لعل الصغير ناصرا نسي صديقة طارقا الآن... لكن أطفال الحي.. أبلغوني أنه مريض.. كان ناصر طفلا صغيرا هزيلا.. عيونه شاحبة.. توفي والده وهو في الرابعة من عمره.. وله شقيقتان أصغر سنا منه.. وأمه امرأة طيبة.. تعمل وتكدح.. براتب زهيد.. في إحدى مدارس البنات.. لتوفر لأطفالها قوت يومهم وغذائهم ومستلزماتهم.. كانت امرأة مجاهدة صبورة.

إذن يقف أمامي الطفل الذي شكل مع صغيري ثنائيا عجيبا من المرح العفوي.. والشقاوة البريئة.. واللعب المتواصل.. وأمامي صغير الأمس الوفي.. وأيضا الحزين مثلي.. إن الكآبة ماثلة في وجهه الصغير.. إنها الحياة وقسوة الأيام والنفوس والقلوب.. جعلت أمعن النظر في ملفه، عندما أشار له أحد أعضاء اللجنة بالجلوس.. إن درجاته الدراسية متدنية جدا، تبتعد عن المقبول ببضع درجات لتصل إلى الجيد.. أحد أعضاء اللجنة سأله قائلا: لماذا تكبدت العناء.. وهذا الزحام.. ألا تعلم أن فرصة قبولك معدومة؟... أجابه ناصر قائلا: لا لست أعلم أن فرصة قبولي غير ممكنة.. الذي أعلمه أن لدي فرصة.. ولا بد أن أسعى خلفها.. لكنني مستعد لكل الاحتمالات... أحد أعضاء لجنة القبول يرد بحدة: لا توجد احتمالات.. يوجد أن نسلمك ملفك والباب تعرف طريقة... الغرفة ضجت بالضحك.. كنت مصغيا للحوار.. حتى وإن ظهر تمعني في الملف.. عندما رفعت رأسي كان ناصر يتصبب عرقا.. وقد أحمر وجهه.. إنني لازلت أتذكر ملامح هذا الوجه جيدا.. عندما يتعب هو وطفلي طارق من اللعب.. تتحول أوجههم للاحمرار... موظف آخر من لجنة القبول قال: حسنا يا ناصر.. لن نكذب عليك.. فدرجاتك الدراسية متدنية جدا.. ويوجد آخرون أكثر كفاءة منك.. وفرصتهم أفضل.. لكننا سنحتفظ بملفك.. لكن لا تأمل بشيء، إنه عمل روتيني فقط.. قام ناصر وشكر الموظف.. وقال: إن أمي كانت تدعوا لي بحرارة هذا الصباح.. ومن أجل دعائها قررت أن أقدم ملفي.. كانت تقول: اللهم أرزق أبني على قدر قلبه الأبيض.. يبدوا أن قلبي ليس أبيض كما تعتقد أمي.. وذهب ناصر نحو الخارج بهدوء كبير..!!


 

az37@hotmail.com

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007