[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مغارات العشق مغارات العشق
التاريخ:  القراءات:(4151) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                           مـغـارات العـشـق


                                   ـ قصة قصيرة ـ



 ((  حين خرجتُ


   نسيتُ رائحتي في غرفتها


  و تركتُ ـ سهوا ـ أصابعي في السرير, تفتش


  عن ملمح جسدها على الفراش


   لكنني أشمها الآن .. ))*



 (( حبيبتي الغالية .. هأنا أعد حقيبة سفري الصغيرة لأرحل إلى مدينة أخرى, تستنزف بدورها ما شاءت من سنوات عمري, تثقلني بحكايات بعدد دروبها, و عمق شجون لياليها, و وحشة وحدتي فيها, و لكنها أبدا لن تكون مثل حكايتنا منذ التقينا ثانيةً, بعد خبو جذوة عشقنا القديم, ما إن علقتِ في شباك صياد العقود الغامضة العملاقة التي تجوب البلاد, مثلي تماما, و لكن بطائرات خاصة و سيارات معتمة الزجاج و محصنة ضد الرصاص, و مليارات لم يعد هناك من يستطيع مساءلته عنها, كما أخبرتِني في إحدى جلساتنا, تزيحين حملا أثقل كاهلك لسنوات, فبدوت أمامي حمامةً تبحث عن مكانٍ آمن تلتجئ إليه بعدما أنهكها الطيران تحت المطر .. و لكنك ما لبثت أن تراجعت لتواجهيني بنظراتك المتسلطة, و كأن أخرى قد سكنتك على حين غفلة, طلبت مني الخروج من مملكتك العامرة, فانصعت لأمرك حانقا, و سلمت قدمي للخذلان كي يجرجرني نحو جحري النائي في أطراف المدينة التي تأبى أن أدخلها إلا متسولا للعمل هنا وهناك, الجمود يتلبس أوصالي, و الحقد يحتل كل خلجة في كياني, فأقسم ألا أعاود الولوج إلى عالمك المسكون بالأسرار و الأشباح ثانية, أشباح زوجك المهاب و رجاله الذين تتوهمين, في أحيان كثيرة, أنهم يرصدون خطاك, و يتنصتون إلى همسك, و يتلصصون على كل لفتاتك, في كل وقتٍ و مكان توجدين فيه, أتظنين أنهم قد أحصوا عدد قبلاتنا, وصوروا تفاصيل كل لمسة احتوتنا ؟؟ ..


 كم حرت فيكِ, و تهت بين خفايا قلبك, الذي كنت أحسب فيما مضى أني أعرفه أكثر من أي شخص آخر, و أنا أراك تصرين على ملاحقتي, و كأني أملك الوحيد في هذه الدنيا .. هكذا فوجئت بك تنتظريني لدى خروجي من المطعم الذي كنت أعمل فيه, وجدتك تعاتبيني بمرارة شديدة على جفائي, و عدم ردي على مكالماتك أو رسائلك الهاتفية, المحملة بأحلى و أعذب كلمات الاشتياق, كدت أقذف بكل حسرات عمري المتزايدة في صفاء وجهك الذي يفيض حبا, و أتركك وحدك قرب سيارتك الفارهة, دون أن تنم عني التفاتة إلى الوراء, و لكن شوقي إليك كان أكبر من أي شيء آخر .. يا مجنون نحن في الشارع, ستفرِج علينا الناس, و لا تنسَ أني سيدة مجتمع هنا ..


 أبدا لا تودين نسيان ذلك, أو حتى تناسيه و أنت معي, بين أحضاني, بشروطك الصارمة فقط, كنت تتلذذين برؤية جمرة اضطرابي المترنح طول الوقت على باب جنانك المهجورة, تتعمدين معاملتي كأيٍ من مقتنياتك الثمينة, و الملابس الفاخرة التي تشترينها من أرقى المحال, دون تردد, مهما غلت أثمانها, و إن كنت لن تلبسيها سوى عدة مرات, ثم تهملينها تماما .. كعقد اللؤلؤ الطبيعي, المتأرجح فوق نهديك المتلألئين, كما لو لم تلمسهما يد رجل من قبل, و لطالما سألتني عيناك عن البريق الذي يخطف أنظاري أكثر ..


 كنت أبصر أنياب قسمات وجهه الصارمة, الظاهرة في صوره الكثيرة التي تخبئينها داخل الأدراج لكي تكون في متناول يديك فور وصوله, تنهش ملامح وجهك الجميل و أنت تحددين وقت اللقاء, و تفرضين عليَ طقوسه, و حتى نوع المشروب الذي أشربه, شرط ألا أثمل و أعكر صفو الأمسية التي خططت لها بعناية, بعد خروج طفلك و خادمتك من الشقة, و اطمئنانك لعدم عودتهما إلا في ساعة متأخرة, إن لم تجدي مكانا يمضيان فيه ليلتهما, و لكني ثملت رغما عني ذات مرة, ليس بسبب الخمر, و إنما بفعل رقصك المثير أمامي, و كأني سلطان من سلاطين العصور القديمة, بثوب حريري أسود شبه شفاف, لا يكاد يهفهف حول جزء من جسدك حتى يلتحم مع جزء آخر في عناقٍ شغوف, أشفق عليه من الانتهاء .. أشرتِ إلى رزمة من النقود, لا أملك عشرها, كانت موضوعة على الطاولة أمامي, ثم طلبت مني أن أنثرها فوق رأسك و أنت ترقصين, رحت أنثرها كزخة مطر, فراحت تتسارع معها خطواتك, كأي راقصة محترفة في مسابقة رقص شرقي تتوحد من خلاله كل لغات العالم .. حتى تهاويت على الأرض من شدة التعب, و الدموع تهطل من عينيك بحرقة صارخة, و كأنك تنعين عزيزا لديك, كنت ترتجفين بين ذراعيَ بضراوة من يتلاقف أنفاسه الأخيرة, و أنا أعينك على النهوض و الاستلقاء على الكنبة, لم تلبثي أن هدأتِ قليلا, و أستجمعت أنا بعض شجاعتي للإقتراب مجددا من ألق فتنتك, حتى رن هاتفك, و برزت على شاشته سلسلة طويلة من الأرقام, تبدأ بمفتاح بلد لا تعلمينه, امتقع لون وجهك, و أشرت لي بالصمت الشامل, بل كأنك تمنيت أن أكتم أنفاسي كما كتمتِ صوت المسجلة العالي .. لم أرَ الذعر يلتهم وجهك أبدا كمثل تلك اللحظات العصيبة, كنت تكلمين سيدك المهاب, بلسانٍ أجهدته كثيرا حتى لا يبدي أثرا لتوترك, و النشيج الذي كبلك قبل قليل, و الارتجاف الذي عاود أطرافك من جديد, ظننتك سوف تتنفسين الصعداء حالما أغلقت الهاتف, و لكنك هرعت إلى الحمام, تغسلين وجهك من أثر الكحل الذي سال مع دموعك قبل المكالمة النارية تلك, ثم أسرعت نحو غرفة النوم, تعيدين وضع المكياج, و تسريح شعرك المنثور, كما لو كنت ذاهبة إلى حفلةٍ صاخبة من حفلات طبقتك الراقية, التي تجمعك و زوجات من أفلت شمس السلطة عنهم, و كم كان يضحكك لظى نظراتهن الناقمة على جمالك و حيويتك الطاغيين على كل محاولات احتمائهن من عربدة ريح الخريف العاتية تارة, و على انطلاق زوجك في الأصقاع البعيدة, بمنأى عن وحشة الزنازين الخانقة, تارةً أخرى ..


 لم تجيبي نظراتي المتسائلة عما تفعلين, بل رحت تدفعيني نحو المطبخ, و تحتجزيني داخله, كما لو كنت أحد السجناء في المعتقل الذي كان يخضع لتسلط زوجك .. كما تخضعين, أقفلت بابه الزجاجي عليَ, تحذريني من الإتيان بأية حركة, و إلا سوف تكون حياتنا هي الثمن, ثم ابتسمت لي بمرارة قاسية : سوف يعجبك ما تراه ..


 رأيتك, و أنا لا أعرف ما يمكنني فعله, تقبلين نحو جهاز الكومبيوتر و تفتحينه, لتبدأي بعد برهة نزع ثوبك أمام شاشته, ببطءٍ شديد, كما تفعل فتيات التعري عند تقديم عروضهن المثيرة .......


 مضى وقت, لم تفطن شبه غيبوبتي إليه, حتى عاودتِ ارتداء ثوبك, بعد أن أغلقت جهاز الكومبيوتر الصغير, الذي كان يحجب بعض عريك عني , ثم أقبلت نحوي, بخطوات متخبطة و وجه ممسوخ الملامح تماما, لتفتحي لي باب الزنزانة , و من قبل أن يظفر ذهني بكلمة, لم أكن أدري السبيل إلى نطقها, طلبت مني بحزمك المعهود المغادرة ..


 تركتك و رحت أنثر خطوي فوق إسفلت الشوارع الملتمع بالأضواء و بلل المطر, الذي لم يتبقَ منه سوى رذاذا خفيفا يندي الوجوه, و يوَشي عريك المترنح أمامي في الطرقات, و كأنك مشدودة إلى عمود شاهق الارتفاع, تجترك كل العيون, و لكنك كنت تصوبين نظراتك الخابية, كقمر تسحق ضياءه الغيوم, نحوي طول الوقت, تصر على نكء خيبات عمري بوحشيةٍ لا تعرف الرحمة إليها سبيلا, فأزداد ضعفا و شقاءً أمامك و أمام جبروته المتحكم بمقدراتنا عبر القارات .. كما لو أنه يلملم خطوط الطول و العرض بين كفيه أينما ذهب..


 أخيرا جاءني صوتك الراقص في أذني, كتعويذةٍ أبرأتني من سحر قطيعتنا الأسود, و كأني قد أدمنت التيه بين خبايا مغاراتك الظلماء .. عاتبتني مجددا على جفائي و تهربي منك .. ما اسرع ما روضت الضجيج المدوي داخل رأسي و صيرته صدىً هادئا لموسيقاك الفاتنة, و شرودي يذكرني بخجل مكالمتك الأولى, بعد اعترافي العسير لك بعشقٍ أضناني مع بروز الزغب في وجهي ..


 تلك كانت ليلتنا المنتظرة , كل ما فيك أنبأني بذلك, منذ فتحت لي الباب لتقوديني نحو غرفة نومك التي عبقت برائحة لم أشم مثلها في حياتي, تنضح أضواؤها, المختبئة في السقف المنقوش, بقرمزية الغروب فوق أثاثها الوثير و السرير الكبير المذَهب, سفينة عملاقة شرعت تعبر بنا غياهب البحور الواسعة, من غير أن نعرف مرسىً يمكن أن نحط عليه, طالعتني صورة كبيرة لزوجك على الكومدينو الملاصق للسرير, وجدتك تغمزين لي بابتسامة مثخنة بمكر نساء الأرض : يزعجك أن تشاركنا احتفالنا ؟ ..


 نظرت إليك بشدوه, سرعان ما تحول إلى موافقة تتحفز لأن تخوض معك أحلى تجارب التحدي, رغم أني كدت أتحسس نظراته تندس بين جسدينا, و تشرئب إلى عناقنا الذي لم تنعم شفتاه بمثل نكهته مع كل من عاشر من فتيات, على اختلاف جنسياتهن .. كانت ضحكاتك العذبة تزداد قوة و ثمالة كلما التفتِ نحوها, و وجدت عينيه الجارحتين تبحلقان فيك, كدأبهما دوما, و كنت كل حين أزداد تشبثا بحلمي القديم, الذي أضحى واقعا سحريا, اقتنصته أخيرا من لؤم الدنيا, و محال أن أدعه يفلت مني من جديد .. نشوتك الشبقية جلجلت بين أضلعي كصهيل فرس جموح, عصية على الاعتلاء, فأذعنت لكل رغباتك العبثية بمتعة صاخبة, طغت على لهيب أظافرك المغروزة في وجهي, بينما كانت أصابعي تتلمس نقش الغضون في حرير ظهرك, و تفك أسر دموع أنهكتها سادية الأغلال المغروسة فيكِ ..


 أيفظتني بعد بزوغ الفجر, تطلبين مني الرحيل, بوجهٍ تجرد من هالة الوله التي سحرت سمائي طوال الليل .. ناولتني رزمة من نقودك الخضراء, لقاء ليلتنا الصاخبة, و أجبت على حنق نظراتي ببرودك القاتل : لا تنكر تطلعك إليها أيضا منذ يوم التقينا, ما زلت قادرة على قراءة أفكارك جيدا ..


 وددت أن أرد على صفعتك المزلزلة بصفعات تتخدل لها ذراعي, وددت البصق عليك و على كل لحظة أمضيتها في فراشك الوثير, وددت و وددت و وددت .. غير أني في النهاية رحت أنثر تلك النقود, التي شممت رائحة العرق فيها, فوق رأسك .. ( اعتبريه هو من كان معك .. مع الفارق طبعا ) ..


 كادت عيناك تخرجان من محجريهما في شدوهٍ كبير, كما لو كانتا تريدان ولوجي و تكبيل خطواتي, التي لا أدري كيف أوصلتني بتعثراتها نحو الخارج .. ربما تتهميني بالغباء, أو حتى الجنون, كما قد أفعل ذات يوم .. أما الآن, فلا أقوى سوى على الابتعاد, و إن كنت أعلم أن تشظيات عالمك سوف تظل تسكنني أينما ارتحلت .. ))


 أراد الإسهاب أكثر, و لكن غصةً داخلت قلبه منعته, و جعلته ينهي الرسالة التي لم يعرف لمَ كتبها, و إن كان سوف يرسلها لها أم لا, و لعله فكر بتمزيقها, قبل أن يطرق رجال الشرطة باب غرفته, بناءً على اتهامها لمن كانت تعطف عليه دوما, كونه أحد المشردين من أبناء بلدها في أرض الغربة, بتهجمه عليها و سرقة النقود من حقيبة يدها, في أحد الشوارع الخالية من المارة, رغم ما أبدته من مقاومة, خلفت تلك الخربشة المحفورة في وجهه ..


* الشاعر حميد قاسم

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007