[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بين الجنة و النار بين الجنة و النار
التاريخ:  القراءات:(4278) قراءة  التعليقات:(12) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                           بـيـن الـجنـة و الـنـار*

 

 جلس في الصالة مرتديا ذات الجلباب الذي لبسته في الليلة الماضية , يرشف القهوة الحارة , لعلها تذهب عنه الخدر الذي ظل يسري في أوصاله , عيناه جامدتان صوب الشباك و كأنه يتأمل الساعات و الأيام و الأشهر المتسارعة في مضيها نحو آتون العدمية حتى أضحت حياته كدوامة كبرى كلما حاول الفكاك منها وجد نفسه يرجع من حيثما بدأ , فتعف نفسه عما كان يسعى إليه جاهدا , و تتوق جوارحه لكل ما كان ينبذه و ينفر منه ..

  نهض بعد حين نافضا ركام الخمول عنه بعدما أمسى الهواء عصيا على رئتيه , راح يمزق بعصبية الجلباب الذي لا يزال يحفظ رائحة جسدها و عدة شعيرات متفرقة حول الكتفين من شعرها الطويل حتى أحاله إلى خرق مهلهلة , نزعها عنه كما ود نزع كل ذكريات الليلة العاتية عن باله المضطرب , و لو تمكن من سلخ جلده أيضا عنه لفعل قبل ولوجه الجامع الواقع في نفس المنطقة , دخل من بابه الخارجي عند أذان المغرب و رهبة طفل أضاع الطريق إلى بيته لا تفارقه و تكاد توقع أثرها على خطاه , رهبة ازداد وقعها في نفسه عند دخوله المصلى فانتابه شعور قوي بالعري الكامل حتى ظن أن كل عيون المصلين تحدق بعورتيه , و أن الجميع يعرفون تمام المعرفة كيف أمضى ليلته و مع من , سرت في أوصاله رعشة غريبة أولما أقيمت الصلاة  و صار يسمع دقات قلبه المتسارعة المتعالية في جوف صدره مع بدء تلاوة الإمام لسورة الفاتحة , و كذلك كان الأمر عند الركوع و السجود حتى انتهت الصلاة الطويلة جدا بالنسبة إليه , بعد ذلك انتعش للهدوء الناعم المفاجئ الذي استفاق في عالمه الخاص بعد طول سبات , و للحظة ليست بجديدة عليه هيئ له أن شيطانه المهلك الداعر قد عافه إلى الأبد ليعتقه إلى حياة جديدة تعرف نفسه اللعوب اللوامة من خلالها السلام أخيرا ..  

دب الحماس في روحه فقام و صلى ما فاته من فروض يومه فقط في حركة آلية لا تعرف الكلل على أمل أن يصلى كل ما فاته على مراحل خلال المقبلات من الأيام , جلس بعد ذلك في إحدى الزوايا ليقرأ في المصحف الكريم مبتدأ من أول سورة البقرة فكان و كأنه يقرأ آياتها لأول مرة في حياته رغم أنه في فترة مضت كان قد تمكن من حفظ أغلب أجزائها , شعر باقتراب شخص منه فرفع رأسه عن الكتاب المقدس ليتبين بعد طول تدقيق في ملامحه الخمرية اللون .. أنه غسان , ذلك الشاب الناعم النحيف و الذي تعرف عليه فيما سبق عن طريق  صادق , صدَق فحياه ذاك مبتسما و كأنه يعرفه عن كثب ثم قال : أين كنت يا رجل ؟ منذ مدة طويلة لم يرك أحد , و حتى الجماعة كلها تسأل عنك صادق دوما ..

 أجاب باقتضاب : كنت مشغول .. و قام ليعيد المصحف إلى مكانه متحاشيا أي نظرة متشككة قد تصدر من عيني ذلك الشاب , ثم تشاغل عنه بقراءة ما كتب من أدعية و آيات في اللوحات الكبيرة التي كانت تحف بالمكان من جميع الجهات حتى أذن لصلاة العشاء ..     

  لدى خروج غسان من باب الجامع بعد الصلاة وجد مصطفى قد رفع غطاء صندوق سيارته الأمامي محاولا إصلاح عطل فيها , اقترب منه و عرض عليه مساعدته رغم أن خبرته كانت محدودة في ذلك الشأن , أخبره بأنه عطل بسيط و سيتمكن من إصلاحه سريعا , ظل واقفا يرقبه حتى انتهى ,  قال له غسان : حسنا إنك أصلحتها , السلام عليكم الآن .

أراد أن يرد له مجاملته فقال : تفضل لأوصلك .

ـ لا داعي لذلك , فبيتنا على بعد شارعين فقط .

قال و قد تلاشت نبرته المتحفظة التي كلمه بها في البداية : ألا تريدني أن أعرف عنوانك ؟

ـ لا , العفو , بالعكس .

 سأله مصطفى أثناء الطريق إلى دارهم عن دراسته في كلية الحقوق , فلم يزل يتذكر أن صادق قد أخبره  بأنه يدرس فيها عند أول تعريفه به , فقال له ضاحكا : أكاد أنهي دراستي المحرمة حسب رأي صادق لأن أغلب قوانينها هي وضعية و لا تستند إلى أصل شرعي .

ـ و لكنك لست واضعها حتى تحاسب عليها , فتلك القوانين مطبقة أصلا بك أو من غيرك , إن صادق يحب تحميل الأمور أكثر مما تحتمل .

ـ  و الدنيا معقدة بما فيه الكفاية و لا تحتمل المزيد من التعقيدات و التشدد .

ردد كلامه مصدقا : فعلا , لا تحتمل المزيد من التعقيدات و التشدد .

ـ ادخل هذا الشارع , بيتنا هو الثالث على اليمين .

دعاه إلى الدخول فاعتذر قائلا : لا سأتركك لتدرس , إنها أيام الامتحانات النهائية .

أجابه مصرا : ادخل يا أخي أرجوك فأنا قد مللت من الدراسة و رأسي لم يعد يستوعب أي قانون زيادة .

استجاب لطلبه في ترحاب داخلي , فقد اكتشف فجأة بأنه بحاجة كبيرة للتحاور مع ذلك الشاب بسيط المعرفة به ليجيب و لو بصورة غير مباشرة عن أسئلة كثيرة تجول في خاطره , جلسا على كرسيين بلاستيكيين متقابلين في الحديقة , و بعدما قدم له الشاي حسب طلبه أخرج مصطفى علبة السجائر من جيبه ففتحها و عرضها عليه و لكن الآخر رفض , فقال له : تستحرم ؟

أجاب مبتسما كعادته : لا و لكني  أختنق من أدخنتها و لا أطيق رائحتها .

ـ ليس هناك أروع من سيجارة مع الشاي , أ تمانع إن دخنت أنا ؟

ـ لا طبعا , اعتبر نفسك في بيتك .

 طال الحديث المتشعب بينهما أكثر مما كانا يظنان , كان غسان ذ استقلالية و رأي يعتد به , لا سيما عندما يكون واثقا من صوابه , له أسلوب مقنع و هادئ و بسيط في توضيح آرائه و خاصة الدينية منها , على عكس ما كان عليه هو و صادق و بقية رفاقهما , فقد كانوا مهووسين جميعا بكثرة الكلام بصوت عالٍ من غير انقطاع , محاولا كلا منهم أن يفرض آراءه و حججه على الآخرين من غير استعداد لتقبل أي وجهة نظر أخرى حتى و إن كانت مقاربة لوجهة نظره التي لا تقبل الشك أو المراجعة في رأيه , و لعله لذلك لم يكن يشترك معهم في كثير من تلك المجادلات الفقهية كما كان يحب أحد أصحابهم تسميتها ..

 حسده على نقائه و السلام الداخلي الذي كان يحياه .. ربما لأن لديه دوما هدف يكون حريصا على تحقيقه في حياته , فهو يسعى الآن للتخرج من الكلية و ثم سوف يسعى  لأن يمارس مهنة المحاماة و النجاح فيها , و كأن القدر قد نظم له كل حياته على شكل حلقات متصلة متكاملة و ليس حلقة واحدة مفرغة لعله يمضي عمره كله في الدوران داخل محيطها الذي يتزايد ضيقا عليه يوما بعد الآخر .. أوَ يكون إهماله للتعليم هو ما ابتدأ به سلسلة ضياعه ؟ أو لربما يكون ذلك سبب من ضمن الأسباب التي أدت به إلى هذه الحياة المشتتة المجردة من أي محتوى حقيقي , و إن كان بصورة غير مباشرة ؟  ...

خاطر لم يعَرج على باله يوما عندما كان ما يزال يخطو أعتاب المرحلة الثانوية , كانت شراسته في تلك الفترة تشهد أوجها , كما كانت شخصيته تشهد من التحولات ما كان يفاجأ بها نفسه قبل غيره , فلم يكن يدخل قاعة الدرس حتى يتصور أنه يساق إلى زنزانة معتقل توصد بابها عليه و على زملائه مع سجان يترصد كل حركة من حركاتهم و يود لو استطاع أن يتحكم بما يفكر كل منهم به و ما يلج خياله , و يظل يحسب الوقت الماضي مع كل نفس من أنفاسهم حتى تعلن إدارة المعتقل عن انتهاء مدة أسره لهم و لعقولهم برنين الجرس , لم يكن يحتمل أن يأمره أو يعنفه بل ينصحه أحد من أولئك الأساتذة ـ السجانين , فما بالك إن صفعه أحدهم أمام زملاءه لتجاوزه كل حدود الأدب معه و محاولة السخرية منه و التقليل من قدره  لا لشيء إلا حبا في التسلية .. كانت صفعة كتلك الصفعة التي تلقاها و عيني حبيبته لا تفارقاه , فلم يشعر بقبضته إلا و هي تسدد إلى أنف أستاذه لكمةً قوية ما لبث أن حاول إلحاقها بلكمة ثانية و ثالثة لولا الطلبة الذين تجمعوا حوله ليمنعوه بملء عزمهم عن ذلك , لم تكن المرة الأولى التي يفصل فيها من المدرسة و لكنها ليست كسابقاتها , فلم تجدِ في إرجاعه إلى فصول الدراسة وساطة والده للمدير الذي كانت تربطه به معرفة طويلة تعود إلى سنوات الشباب , و لا حتى هداياه القيمة التي اعتاد محاباته بها بين الحين و الآخر , فقد أدخل ذلك المدرس إلى المستشفى و مكث فيها عدة أيام , و ما كان للموضوع يشهد أية نهاية لولا جهود الوالد ـ المبتلى بعدوانيته الطاغية ـ و سعيه الحثيث عبر التوسل و المال للوصول إلى تسوية تنأى به عن السجن الذي أراد أستاذه زجه فيه لسنوات حتى يتم تدمير مستقبله إلى الأبد و القضاء على غروره و عنجهيته من خلال الدعوة التي أصر على رفعها ضده , فاضطر خلال الأشهر التالية للدوام في مدرسة أخرى بالكاد رضي مديرها قبوله فيها ..

 أمضى في الصف السادس الثانوي عامين كانا كابوسا بحق بالنسبة إليه , و على خلاف أهله الذي أملوا في نجاحه و حصوله على معدل عالٍ يؤهله لدخول كلية مناسبة كان هو لاهيا عن كل ذلك في سهراته الصاخبة و سكره و عربدته و مغامراته النسائية المختلفة , و كأن الأمر في السنتين لم يكن يعنيه بقدر ما يعني أولئك الأهل و الأساتذة الخصوصيين الذين كانوا يتوافدون على بيتهم في كل وقت ليزيدوا من ضيقه بهم و بكل ما كانوا يطالبونه به من تحضير دروس و امتحانات و مراجعات لمواد كان ينفر منها بشدة توقه إلى الحرية و الخلاص من كل حشو المخ الممل ذاك , و على قدر الضغط الذي كان يواجهه كان عناده و حدة مزاجه يزدادان هيجانا لا سيما في فترة الأربعين يوما التي تعطى عادة للطلبة لمراجعة كل مواد السنة قبل الامتحانات , فقد كانت تلك الفترة بالنسبة له هي الجحيم بعينه , كان يبتدع خلالها مختلف الحيل و الحجج للتهرب من جدول الدراسة الصارم الذي وضعه له أساتذته , فتراه ينام نوم الموتى لساعات فلا يستجيب لأي نداء يحثه على الاستيقاظ . و تراه يفتعل من دون سبب يذكر مشاجرةً كبيرة مع أي كان ليغيب على أثرها عن البيت لساعات أخرى , و تراه .. و تراه .. و تراه ..

  لا يذكر يوما أنه قد ارتعب من امتحان , و كيف له أن يرتعب مما يحتقر ؟ فالامتحانات بمجملها لا تعني له سوى قيد من ضمن القيود السخيفة المتعارف عليها , كان يحدث نفسه مستخفا و هو جالس أمام دفتر الامتحان : أي تفاهة أكثر من أن تحدد مجموعة أسئلة , مجموع الإجابات عنها لا يتعدى الثمانِ عشرة ساعة , مستقبل الواحد منا العمر كله , ما أغبانا و نحن نلقي بأيدينا مصائرنا في مصائد أساتذة لا نعرف شيئا عن أمزجتهم و أهوائهم و هم يصححون دفاترنا المهلهلة هذه .

 كان يجيب بما يحضر في ذهنه سريعا من دون أن يتكبد عناء استحضار ما توارى عن ذاكرته , المهم أن يقوم بتسليم دفتره إلى المراقب ما أن ينقضي تصف الوقت ليسارع بالخروج متنفسا الصعداء بملء رئتيه , فيذهب بعد ذلك و يشتري زجاجة بيرة شديدة البرودة من أقرب محل يبيع الخمور للمركز , يروي بها ظمأه و يطفئ نيران جوفه الحانقة على كل من يكون قد ابتدع فكرة الامتحانات الغبية ..

  لم تكن نتيجة سنته الثانية بأحسن من سابقتها بكثير , نعم لقد نجح أخيرا , و لكنه لم يحصل سوى على معدل يؤهله للدخول إلى معهد نفط في محافظة البصرة حيث كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية على أشدها , و كانت تلك المدينة من أكثر جبهاتها اشتعالا , كانت والدته أشد إصرارا منه على عدم ذهابه إلى ساحة الحرب تلك لا من أجل الدراسة و لا لأي سبب آخر رغم كل محاولات الأب لإقناعهما بأنه سوف يوظف كل مساعيه لدى كل من يعرف في وزارة التعليم العالي لنقله في أقرب فرصة ممكنة , و لكن عناده ازداد حدة مما استفزه و استنفذ آخر ما تبقى لديه من صبر فأقسم أن يسلمه بنفسه إلى الخدمة العسكرية ليريح نفسه منه و من مشاكله بل و مصائبه المتواصلة إن لم يلتحق بمعهده ذاك حالما تبدأ الدراسة , لعل جبروت الحرب يصلح ما عجز عن إصلاحه فيه .. غير أنه لم يتمكن من تنفيذ ذلك القسم , فقد كان يعاني من الربو منذ صغره , و رغم أن حدة ذلك المرض قد بدأت بالانحسار عن صدره منذ سنوات إلا أن الأب وجد نفسه , رغم ما حاول أن يظهره من عناد تأديبي في البداية , ملزما بشراء التقارير الطبية التي تجيز له الإعفاء الكامل , و زيادةً منه في الاحتياط  أوجب على نفسه أن يدخن علبة سجائر كاملة خلال ساعتين قبيل دخوله على لجنة الفحص الطبي التي أقرت في تقريرها بوجوب إعفائه ...


فصل من رواية بذات العنوان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007