[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قصائد مُهَمَشة قصائد مُهَمَشه
التاريخ:  القراءات:(4128) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                      قـصـائـد مُـهَـمَــشـة ...

                                          ـ قصة قصيرة ـ

 

 مثل قط هرم يتكوَم مخدَر الحواس فوق الأرض الزلقة على بعد خطوات من بيت العهر الذي اعتاد ارتياده من حينٍ لآخر, لا يشعر بشيء سوى رطوبة الطين المتسللة إلى جسده عبر ثيابه المهترئة, يرفع رأسه المطوَح بالسكر, مغالبا تثاقل جفنيه المتحجرين, نحو السماء المثقلة بغيوم تعد باستئناف هطول الأمطار, يلفه هذيانٌ لا يبالي بتطفل المارة و لا سخافات أقوالهم و سخرياتهم من رجلٍ فقد قواه و عقله, متماهيا مع كومة الأقذار و المياه الآسنة المحيطة به, تشبث يداه بالحائط الذي خلفه يعينه على نهوضه المؤلم, يثني و يمد ساقيه عدة مرات قبل أن يترنح في سيره نحو منفاه, مضى يبحلق في الظلمة الخفيفة من حوله, و أنوار أعمدة الكهرباء ترتعش أمام ناظريه, لعله يجدها تواصل سيرها إلى جانبه, منتشية الروح, حفيفة الحركة, يكسو وجهها دلالٌ مرح, تعيد عبارات بطل الفيلم في هذا المشهد الساخر أو ذاك .. كانت يدها التي أراد احتواءها بكفه منذ أول جلوسهما في صالة العرض تهتز فوق مسند الكرسي بقوة, و ضحكاتها العالية تتوالى مع كل موقف و حركة و كلمة, تعبير وجه و إيماءة رأس داخل الفيلم الكوميدي, مفبرك الأحداث, و كأنها لا تصدر عن تلك المرأة الخانعة تحت خيمة الوجوم أغلب الوقت, همَ أن يطلب منها محاولة إخفاض صوت قهقهاتها, مثيرةً انتباه و سخرية الشباب الجالسين على مقربةٍ منهما, يغالب نظراتهم الوقحة الظن أن يده اللعوب لا تمل من دغدغة ثنايا جسدها من تحت العباءة, لكنه لم يشأ أن يقوِض من تفتح زهرة وجهها البرية ..

 كلماتها العذبة ما تزال تترامى بخفة في جوف الأزقة الضيقة المؤدية إلى تلك الدار الموحشة, جدرانها المتصدعة تجمعه و امرأة عجوز قليلة الكلام و الحركة, مزاجها العكر لا يتغير إلا عند زيارة إبنها الوحيد و حفيديها الصغيرين, منذ رحيل آخر العوائل التي سكنتها و تحويل أغلب غرفها إلى مخازن تضم شتى أنواع البضائع التابعة لتجار السوق القريب ..

 تعاملت معه في الأيام الأولى لوصولها و كهل تستلب جسده الأمراض بتحفظٍ شديد, لم يلبث أن تلاشى جموده لما صار يعينها على إسناده داخل و خارج الدار حتى يركباه سيارة الأجرة, كما  ذهب معهما ذات مرة إلى المستشفى لإجراء بعضا من التحاليل التي أوصى بها الطبيب, و خرج في جوف إحدى الليالي الباردة ليجلب له دواءً, اكتشفت نفاذه فجأة, من الصيدلية الخافرة, البعيدة بعض الشيء ..

 أرهقه ترددها حتى قبلت في حياءٍ جم, تحول بعد ذلك إلى فرحة شع نورها من أغوار خفيةٍ حتى عنها, دعوته لمشاهدة فيلم في السينما القريبة, بمناسبة نشر إحدى قصائده, قرأها فور دخوله الدار أمام سذاجتها المحببة, رغم علمه أنها قد لا تفقه أغلب معاني كلماتها, بحماس شاب في مقتبل العمر, لم يتم النشر له من قبل .. اطمئنانها على حال عمها الغاط في نومه بعد تناوله حبة المنوِم, كشأنه كل مساء, ذوَب مثلها في قدح شاي العجوز التي تكاد لا تنفك عن مراقبتهما, كان بمثابة تصريح لخروجهما في ليلةٍ معتدلة البرودة, فيما كانت الرياح تراقص بهدوء عباءتها السوداء أثناء سيرها الوئيد, تخشى السقوط, أو هكذا هجس, أمسك ذراعها وسط الزقاق متعرج الأرض, فأفلتتها بخفة, زمت شفتيها, و أحنت رأسها, ثم سبقته بعدة خطوات, لحقها دون أن يحاول لمسها من جديد حتى وصلا إلى الشارع العام, صاغت الأنوار الساطعة من المحلات المتلاصقة على جانبيه من خمرية وجهها الغامقة قرمزية الغروب, و تضاربت فوق خصل شعره الرمادي و سمرة وجهه الموَشى بالغضون, لفت العباءة حول صدرها أكثر, متوجسةً من خطرٍ لا تدري كنهه, غير أن عينيها ما فتئتا تتطلعان بشيءٍ من الانبهار إلى حركة السيارات و الناس من حولها, صخب مستمر لا يهن و لا يلتقط حتى الأنفاس, رغم أنها قضت شطرا من حياتها في العاصمة, لدى إقامتها في بيت أحد الأقارب, قبل زواجها من إبن عمها الذي غربها عن وهج المدينة الجميل ..

 انسلت إلى الداخل فور فتحه ضلفة الباب الحديدي الكبير, لحقها سريعا وجمد حركتها نحو الغرفة المعبأة براوئح الأدوية و أنفاس الكهولة الكريهة, مسكها من معصمها بقوة ألصقت ظهرها بالجدار الخشن وراءها ..

 دهشة .. ترقب .. خوف .. حبور .. رجاء, بالابتعاد أم الاقتراب أكثر ؟!! .. لم يشأ أن تشغله الحيرة بتفسير ما ترسله إليه عيناها من نظرات تلاشت أمامه, تحت ضوء مصباح الرواق الخافت, لما هصرها إليه بشيءٍ من العنف, لا يبالي برهافة جسدها الملفوف, تهاوت العباءة و غطاء الرأس على الأرض, و ظهر له فستانا بسيطا طويل, بدلا عند ذلك الثوب الفضفاض غامق اللون الذي ترتديه دوما, تبرقش خضرته الفاتحة زهورٌ زرقاء, بفتحة صدر مرَبعة, تهدجت أنفاسه بتكويري نهديها المتهاويين تحت ضغط أضلع صدره المضطربة على نحوٍ مباغت, كمن ظفر بكنز أشقاه طول البحث عن مخبئه, استنشق رائحة ذلك الشعر المتواري باستمرار خلف الحجاب السميك سوى من بضع خصلات فاتحة السواد, يتخلله نسيم الأرض البراح في مدينته الصغيرة النائية التي غادرها شابا لم يبلغ العشرين بعد, مكبلا بإعالة والدته و أخوته الأصغر منه سنا, يمَني نفسه بالالتحاق بالجامعة ذات يوم, و ربما السفر بعد ذلك إلى الخارج, يمضي هناك الحياة التي يستحقها شخصٌ يمتلك مثل ثقافته و موهبته الشعرية المتدفقة منذ أيام صباه ..

 جسدها الساكن بين ذراعيه كان يهديه طراوةً دافئة ندية, بحث عنها في كل عاشر من نساء تعاقبن على تلك الدار الخربة, أثناء غياب أزواجهن الطويل في جبهات القتال, قبل مغادرتهنَ غرفته على عجل من غير أن تصدر عنهنَ التفاتة نحو جسده الهامد فوق سريره المخلَع .. قبَل جيدها الممتلئ ببطءٍ شديد, ثم لغدها و خديها المتجمرين بلفحاتٍ من خجلها, داعبت شفتها السفلى لذةٌ لم ترشف مثلها من قبل, أسند رأسه إلى كتفها, كما لو كان يتكئ بكل شقاء عمره المقبل نحو شيخوخته المفزعة على جسدها الممهور بعنفوانٍ لا تفطن إلى شيءٍ منه, لم يود النطق بكلمة و لا استطاعت هي .. كتمت تأوهاتها, كما اعتادت أن تفعل مع زوجها, مهما اشتد عصف شهوته بأحشائها العقيمة, بعد ثلاث حالات إجهاض, خلال ليال متباعدة يأباه فيها مزاج زوجته الثانية, أم الولد المدللة ..

 دفعته برفق, دارت عنه عينيها داكنتي السواد, خابيتي اللمعان, أسندت ذقنها إلى صدرها, و دلفت الغرفة بسرعة .. أمضى لحظاتا ممزقة عند ذلك الباب المغلق, لا يسمع لها صوتا من خلفه, ولا يرى ضوءا يتسرب من تحت عقبه, مر من أمام غرفة المرأة العجوز, صوت شخيرها العالي بعث فيه الطمأنينة إلى عدم مباغتتهما بتمتمات الاستغفار و أدعية طويلة لا يدري سبيلها لعدم نسيان شيء منها, و المسبحة  الطويلة البيضاء تتأرجح بين يديها في حنقٍٍ قد يقطع خيطها الرفيع, فتترامى حباتها فوق عريهما كندف الثلج, يكتم صرخاتها و لعنات أهل الجنة للمنبوذين من رحمة الله .. كما لو كان متيقنا من لحاقها به, توصد الباب خلفها بحرص, ترتمي على الفراش, بصمتٍ يلهب غرائزة, أو على الأرض المتربة الباردة, تلف تدحرجاتهما فوضى الأوراق و الوصولات الخاصة بمعاملات أولئك الأغنياء الذين يتولى تعقيب معاملاتهم و دفع الرشى عنهم, مقابل ما يرمون إليه من فتات, بعد تركه وظيفته الحكومية البسيطة في تقاعد مبكر.. أبيات شعره  المنتثرة هنا و هناك, بعثرة خواطره, كآبة قصائده غير المكتملة, و دواوين شعر مطبوعة منذ زمن في بواطن مخيلته الجموح, بكل رسوم أغلفتها ذات الدلالات المميزة .. 

 يتهاوى في باطن ظلمة كثيفة, تفصل بين فضية شعاع النور المنبعث من الرواق و ذلك الضياء الباهت المتسلل إلى طرفٍ من الغرفة على استحياء عبر ذلك الشباك الذي كان يقف عند زجاجه المضبب في الصباح, يرقب رحيلها و زوجها في السيارة التي يعتليها النعش المبتل بزخات المطر المتسارعة, لم يدر ظهره خلال تقهقره البطيء نحو السرير, طالعه إسمه, بأحرفٍ بالكاد تقرأ, أسفل قصيدته المنشورة في زاويةٍ من الصفحة قبل الأخيرة لجريدة الأمس المرمية إلى جانبه, مثل صديق أخرس يحاول مواساته بين صمت الجدران الموجع, يحمل هلع صرخاتها التي دوت في أرجاء الدار, ممزقةً أوصال أحلامه, هرع نحو غرفتهما, يتخبط بين صناديق البضائع المرصوفة على جانبي الرواق, و حبات العرق تهتز فوق جبينه الحار, وجدها جاثيةً على الأرض, تلطم بحرقةٍ طالت تأوهاتها موضع رأسه على صدرها المكتنز, إلى جانب السرير الذي يرقد عليه عمها, سندها الوحيد أمام قسوة زوجها و دسائس ضرتها الماكرة, و آثارٌ من دمعٍ تحوط عينيه المبحلقتين في جمود لا نهائي نحو السقف, يمد ذراعه الأيسر نحو طاولة قريبة, أصابع يده المتخشبة تلامس الماء المدلوق على سطحها الخشبي من قدحٍ لم تتمكن يده من حمله .. لم يقوَ على التقدم خطوة نحو الجسد المسجى, فقط صوَب شدوه نظراته نحو ابيضاض شفتيه المتيبستين, يتوسطهما رأس لسانه المدبب كخيطٍ من رماد, بروز عظام وجهه المتهدل نحو عنقه المتهاوي إلى الأسفل, شعيرات لحيته النابتة بغير انتظام, سبابة يده اليمنى المتقوِسة, إلى جانبها تتفرق أصابعه الأخرى على الفراش في استسلامٍ يائس زلزل الأرض تحت قدميه ...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007