[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قبل أن يصعد لجهنم 
التاريخ:  القراءات:(7103) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد النجيمي  

ذلك الموشك على العبور, و على هدى بعض نور لا زالت تبعثره عيناه: على بعد خطوة من الباب.

عما قريب يوازي ذلك الحجاب الموارب و هو لا يعلم في الحالين إن كان من أهل الداخل أو من غرباء الخارج -أو لعله كما يتمتم ساعة صفوه/كدره- غريب الدارين! سؤاله القديم المحير سيلازمه حتى و هو يمارس التجربة, تلك التي ظل يحلم بمعانقتها منذ خيط الحبر الأول.

 

ممتع حقاً أن تسجل لأهل الفناء سيرة عطرة لخالد يروم العبور, برفقة بقية صوت و بعض ظلمة أسئلة ظل يطرحها و لا يبحث عن نور.

 

عاهدته على أن أتعهد أنفاسه حتى ترافقه لما وراء الباب ... أو حتى لا أتجنى على بوحه: حتى تعيده إلى الداخل. سأظل وفياً للعهد حتى يصرعني الملل, فالعهد قيمة لن تنجو من مطرقة تعامل الأشياء على أنها احتمالات.

 

الليلة تتملكني رغبة البوح, فقد تركت جسده مطروحاً بعد أن نزعتني عنه و لن يكفر آثامي إلا بعثرة لغة تطهره مني.

 

أكثر ما يستهويني في كلماته حديثه عن الجحيم , فجهنم ليست هاوية, ليست حفرة تتجمع فيها بقايا أجساد محطمة. جهنم فردوس مهره الصعود, الصعود على مراحل, الصعود بعد مكابدة ثمنها الاغتراب. المصطفين الأخيار كما كان يرسم على صفحة جبينه أهل للتطهير, جائزتهم حريق هائل يخلصهم من قيد الجسد. هذه الجائزة لا تليق إلا بولي و أي ولي!

 

شرط الولاية الأول عنده السؤال, من دونه يصبح العقل آلة ... مجرد آلة بائسة مركبة في جمجمة ثدي تدفعه و تستعيده شهواته و مطامعه و وساوسه. لازال صوته يتردد في جوفي:

- من لا يجيد السؤال لا يستحق الصعود.

 

طوال ثلاثة أشهر حاول بجهد أن يقرن أجوبته بنعم. والده يقول:

- جرب العلاج الكيمائي.

جوابه كان حاضراً " نعم ". والدته تصر عليه:

- واصل العلاج الكيمائي.

- نعم ... نعم ... نعم.

لم يتخيل يوماً أن تكون هذه الـ "نعم" مرةً غير مستساغة تشبه تماماً تقبيل فاتنة لا تعرف معنى "نون" . حلمه القديم الجديد كان العبور ... "نعم" هذه كانت عائقاً. رغم ذلك فقد أقنع نفسه أنها مكابدة عليه أن يعايشها. كلما سايرهم في "نعم" كلما علت درجته و اقترب من الخلاص.

 

الليلة خذلته شفتاه, توارت عنهما الحروف و بقى وحيداً إلا من إيماءة فهموا منها أنه لن يقول محبوبتهم "نعم". الليلة ولدت "لا" رغماً عن الجميع, الليلة سايره الوجود و نفد منهم الأمل.

 

- أن تتقدم على صوت إيقاع عذب يذيب جوفك, أن تستحضر كل الأصوات التي صنعت لك رؤاك, و تغني معها؛هبة لا ينالها إلا أهل الحظوة.

 

هكذا وصف لي شعوره. اعترف أن هذه الأحاسيس هي ما أراد في سعيه الحثيث للمجهول.

 

كانت لديه احتمالاته؛ واحد منها كان حلمه المفضل.

عاش يحلم بأنه سيتحول لشعاع شفيف و آسر لا تتعلق به أشياءنا الصغيرة. هذه الصورة لروحه كانت الخلاص الذي يتوقع أن يجنيه من صعوده للجحيم.

 

لم يكن يعيقه إلا ذلك الجسد الذي ما انفك يتضاءل ... يصغر و يذوب و يذوب. "لا" تحولت لنافذته التي سيتسرب منها؛ لاءه هذه أضحت لعنة الجسد البغيض و هبة الروح.

 

 

بخطوات عجلى لا زال يسابق الليل.

ظل يقف و يقع, يخطو و يجمد حتى أدركه الظل و نفدت منه الخطى. كان قدره أن يتسمر قبل بلوغ بوابه النجاة.

 

حلمه في الصعود للجحيم توقف هناك.

 

هناك ... عند آخر حدود الرؤية, تكورت على هيئة جنين يختنق بحبله السري. هنا ... عند أدنى حدود الحس تخلق الظل لأول مرة في حضرة الصمت.

 

أقعى الفراغ على هيئة غراب أسود يحتل كل المسافة التي تفصل الـ "هناك" من الـ "هنا".

 

قالت:خ ... ل ... ص ... ن ... يييي. واظبت على سكب حروفها على شكل أصوات متقطعة. لم يفلح واحد منها في تجاوز قبضة الفراغ ... ذلك الفراغ المقعي على طول المسافة ما بين الـ "هي" و الـ "هو".

 

صرخت: أنت .

لم تيأس من قذف بعضها على شكل صرخات مبحوحة. واظبت على الصراخ:أنت ... أنت ... أن ... ت.

 

لم يكن يرى إلا كائن على هيئة جنين يختنق بحبله السري. ظل صامتاً و استمر ظله يتمدد حتى أغرق الأصوات الساعية إليه. غرقت قبل أن يدرك سعيها الدءوب إليه؛ قبل أن ينتبه لوجود الفراغ, و قبل إن يعي المسافة التي ابتلعت الصوت و الصورة و الحلم.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007