[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ذبول الياسمين ذبول الياسمين
التاريخ:  القراءات:(3959) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                ذبـول الـيـاسـمـيـن

                                   ـ قصة قصيرة ـ

 

 جلست إلى طاولةٍ منعزلة بعض الشيء قرب الشباك, ترقب حركة السيارات و المارة في الشارع, جاء النادل بفنجان القهوة, طلبها المعتاد, على شفتيه تبرز ابتسامة أكبر من التي يهديها للزبائن عادةً, أرفقها بسؤالٍ مجامل عن أحوالها, أجابته بكلماتٍ مقتضبة ناعمة, و هي تزيح خصلةً من شعرها تتدلى على وجه يتغافل عن متاعب حياتها الأربعينية التي تشرع برسم هالات كابية حول حدقتي عينين تلمعان بسوادٍ أخاذ, كانت تسدل جفنيها بخفة كلما رشفت من فنجان القهوة الموضوع أمامها, ترفع ساقا فوق الأخرى من تحت الطاولة, تخبط قدمها الأرض برقةٍ متناهية مع إيقاع الموسيقى الهادئة برشاقة ريشة فنان يغترف من ألق السكون عمق لوحاته, تطل عليها وردة ياسمين يشوبها الذبول من زهريةٍ فخارية باهتة الألوان, لم تستبدل منذ أيام ما كان يحتويها بكفيه, كلما اعتراه توتر يثير عروق جبهته السمراء, كما لو لم يرفع عن كاهله بعد عبء تكتمه المفضوح أمامها منذ أول دخولهما الكلية, عيونهما تقيس المسافة بين أصابعه و أناملها الرشيقة, مسافة تحذره من تجاوزها دوما عينان تتوجسان مفاجأتهما من قبل أحد زملائهما أو أيٍ من الأقارب أو الأصحاب, فيهجس تفلتهما من نظراته المترجية من الشهور و السنوات الإسراع, رغم دمدمة القصف التي ترج قلبيهما, تبتلع عذوبة ألحانهما المفضلة, تحيلها إلى صراخٍ ناعق في أذنيها كلما أتت بمفردها بعد ذلك, تتوسل منحة قدرية تتحيها إجازة سريعة يقتنصها من  الجبهة, قد لا تمهله حتى فرصة تغيير ملابسه العسكرية المتربة, و لتترك يديها لأصابعه المتخشبة ما شاء, يداعبهما, يحتضنهما, يرسي في دفئهما أشواقه و مخاوفه و مواجعه, و في عينيه ترتسم مرارة تستلب عبق كلمات ظلت تتردد بين جنباتها المتشحة بالسواد, بينما كان شدو الأغنيات يشاركها النحيب الخفي عن العيون ..

 الكافتريا تمور بزقزقات الفتيات الضاحكة, تباركهن بنظراتها الشاردة و انكسار ابتسامتها, دون أن تدري أي إصرارٍ صار يدفعها إلى المواظبة على المجيء إلى مغارة الذكريات, و كأنها تأتي لزيارته, تطالبه بالاستماع إلى صمتها, دون أن يولي بوجهه عنها, كشأنه دوما لدى احتدام مناقشاتهما, منزوعة الكلمات من ذاكرتها, كما كانت تفعل حتى بعد زواجها الذي رفضته أول الأمر, تسألها وجوها لا تعرفها عن ذلك الشاب الوسيم الذي طوته سنوات الكرى في ثناياها .. لم يكن يشبهه في شيء, قلَما غازلها بكلمات الحب التي اعتادتها من عاشقها المتواري تحت التراب, أو أهداها وردة عطرة الرائحة تشبكها في خصل شعرها الطويل, غير أنها أطمأنت إلى وجودها بجانبه, رغم كل خلافاتهما و عصف المحن التي كادت تدك بيتهما أكثر من مرة ..

 انقطعت تقريبا عن المجيء منذ حملها الأول, رغم الحنين الصادح فيها كلما مرت من أمام ذلك الباب الزجاجي المزخرف, مستسلمةً بالكامل لدوامة حياة ألقتها من جديد على عتبة المكان الذي لم يشهد أي تغيير تقريبا, بعد عزم زوجها على الرحيل إلى دنيا جديدة, تضمن مستقبلهما و أولادهما, فعادت تستحلف الأيام الإسراع حينا, و تطلب من ساعاتها التباطؤ حينا أخر, يزعزع الرحيل قلبا تتضارب بين أضلعه نبضات امرأة تداري بياض ذوائب شعرها بالصبغة, و تمرد فتاة عشرينية تطالبها بالمكوث فترةً أطول, رغم كثرة ما يتوجب عليها إتمامه قبل السفر ..                                                                           

 طلبت فنجانا ثالثا من القهوة, على غير عادتها, فنجان وداعي, نكهتها حادة المرارة في حلقها و جوفها, ما تمنت وجوده إلى جانبها أكثر من هذه المرة, كصديق قبل أي شيء آخر, تحَمله آخر شكواها مترقرقة الدمع قبل مغادرتها الأخيرة, يجذبها شعره الأجعد فاحم السواد, شاربه المشذب دوما, الحزن الراسخ في عينيه في آخر لقاء جمعهما, يحمل إطلالة فراقهما الأبدي, أنفاسه التي يزفرها قويا كلما همت بالنهوض, ترفع يدها إشارة الوداع المؤقت لئلا يثير تأخرها شكوك أهلها, تكبلها رغبته الكامنة في ضمها إليه بلهفة تناثرت في كل شارعٍ مرت به من دونه ..

 دفعت الحساب للنادل, و أغدقت عليه بالبقشيش, ثم نظرت نحوه بحنوٍ كبير, أخذت تتهادى في مشيةٍ متكاسلة الخطوات في المكان قبل خروجها إلى ضجيج الشارع, جمدت عن الحركة لدى رؤيتها ابنتها الكبرى, تجلس بعينين غائرتين, تلتمعان بذات السواد الأخاذ, إلى طاولة تتوسطها وردة ياسمين يطعنها الذبول, في ركنٍ آخر من الكافتريا, برفقة شاب وسيم, يمقع وجهه الابتئاس, يحتوي الزهرية الصغيرة بكفين متخشبتين, تعلوهما يدها, تنزع عن الوردة أوراقها المصفرة بتماهل يعد الأيام المتبقية على الرحيل ...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007