[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بيد الشيطان .. 
التاريخ:  القراءات:(6903) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الله زايد  
كنت أحمل بين يدي صغيرتي سارة .. وأشعر أنني مشتت الانتباه والتصرف .. كل ما يحيط بي ضجيج المدرعات .. وأزيز الطائرات وأصوات الطلقات .. لم يبق من منزلي سوى هذه الغرفة التي تصدعت جدرانها .. كانت سارة تبكي بشدة بعد أن وضعتها على الإريكة الحمراء المهترئة القابعة في زاوية الغرفة المهددة بالانهيار.. وجعلت أنظر من فتحة في الجدار إثر قذيفة اخترقته .. فشاهدت جموعا من الجند في حركة دائبة متواصلة يحيطون بمنزلي وقد غدا جزؤه الأكبر ركاما بعد عين .. والمدرعات لازالت تواصل تصويب فوهاتها اللعينة باتجاهي .. لم أعرف سببا لقسوتهم؟ .. أو كيف أتصرف لإفهامهم أنني إنسان مسالم جدا جدا؟ .. الصور المؤلمة تتراقص في مخيلتي .. وذهني يكاد ينفجر من التفكير السريع .. فلا أعلم ما هو مصير زوجتي الحبيبة وابني الكبير قيس وطفلي الصغير أمجد .. وهل قد تمكنوا من الفرار قبل هدم أركان المنزل على رؤوسهم وهم نيام؟ .. هل كان حظهم أفضل حالا مني ومن سارة ؟ .. أم أني وطفلتي المحظوظان حتى الآن برغم الحصار الذي يحيط بنا منذ ساعات ؟

يعود يغطي هدير صوت طائرة حربية لعينة الأجواء .. فأشعر أن الأرض تميد بي .. وأسمع صراخ صغيرتي سارة يتعالى .. فأقطع تفكيري الرتيب الحزين المليء بالمخاوف والظنون .. فأحملها وأضمها إلى صدري بحنان بالغ .. لعلي كنت أنشد بين أضلاعها الرطبة بعض الأمن والسلام .. اتجهت للباب .. فتحته بوهن .. وتردد كبير .. يملتئ قلبي بالخوف .. فأتوقف .. إن قدمي لا تقوى على الحركة من شدة هلعي .. شعرت بيد صغيرتي سارة وهي تتلمس وجهي .. أنزلت نظراتي نحوها .. لأجد وجها طفوليا بريئا يشع منه البياض وضحكات طاهرة تغطي أرجاء ضوضاء السلاح .. فكأنها حوت في تلك اللحظات سعادة الدنيا بأسرها .

رجعت أضمها لصدري اللاهث .. المتصاعدة منه زفرات ساخنة .. رفعت رأسي ونظرت باتجاه اليمين فشاهدت مرآة كانت معلقة بالحائط وقد تساقطت أجزاؤها .. ولم يتبق إلا قطعة صغيرة منها .. رأيت وجهي من خلالها .. فازداد هلعي .. فقد كانت عيوني متسعة والعرق يتصبب من جبيني .. عندها أرجعت صغيرتي الحبيبة سارة عند تلك الزاوية حيث أجلستها على الأريكة .. وتقدمت باتجاه الباب مرة أخرى .. فعادت الصغيرة للبكاء والصراخ .. نظرت إليها .. وأنا أقف على عتبات الباب الخارجية .. قطع هذه النظرات المتواصلة المحملة بالخشية عليها والحب .. صوت بلغة مكسرة " أرفخ " أرفع يديك وتقدم ... واصلت المسير وقد غطاني الخوف على صغيرتي .. ومصير عائلتي .. وحالة الذل والهوان التي تكسوني .. صوبت نظراتي لسارة مرة أخرى .. كان شوقي لها يتزايد في كل اللحظات .. فوجدتها لازالت تبكي بحرقة وقد أحمر وجهها .. والدموع تغطي هذا الوجه الطفولي .. أعدت نظري نحو مجموعه من المدرعات التي تقف أمامي .. لكنني سمعت طلقة نارية .. وللحظات شعرت ببرودة تجتاح صدري .. وتنتشر نحو كامل كياني .. نظرت للأرض .. ويا للهول كنت متجها لها .. وفجأة وجدتني أهبط جاثيا على ركبتي .. وغبار المكان يتطاير من حولي .. رفعت رأسي .. أحاول أن ألوي عنقي لمشاهدة صغيرتي سارة .. لم أستطع .. شعرت بشيء ساخن على فمي رفعت يدي أتلمسه فشعرت بلزوجته الساخنة .. لكنني لم أميز لونه .. كل الألوان تداخلت في عيوني .. ولأول مرة أجد الوجود تجتاحه القتامة بهذه السرعة .. كان الضوء يتراجع ويتلاشى .. والظلمة تنتشر بسرعة .. أنزلت رأسي للأسفل قليلا .. فشاهدت صدري وقد غطي بالدماء .. حاولت مرة أخرى أن أنظر للخلف لأشاهد صغيرتي الحبيبة سارة .. لأخر مرة .. لأخر مرة .. كان مطلبي بسيطا .. متواضعا .. وكنت حزينا بحجم شوقها المتصاعد في بقية أنفاسي .. كنت كئيبا بحجم حبي لها الذي يغطي مساحة روحي المتوثبة للصعود والانعتاق من جسدي المنتهك برصاصة قيمتها أقل من ثلاثة دولارات.. وفي فوضى حواسي .. في شرودي ويقظتي .. في هذياني وتعقلي .. وجدتها أمامي كطيف جميل ملائكي .. بيدها دميتها العتيقة .. تلبس رداء أبيض كالثلج .. وتكسوها ابتسامة مشرقة .. وضعت يدي على صدري .. قلت لها وأنا أبتسم : حبيبتي الصغيرة سارة لو كنت هنا لأصابتك الرصاصة التي لا تميز أبدا يا صغيرتي ! .

لم أعد أشعر بألم منذ تلك اللحظات .. في السماء روحي ودموعي وأحزاني بيد الله ..

أما في الأرض الملتهبة حقدا وكراهية جسد سارة بيد الأشرار .. وهناك .. هناك .. بجانب البحر : قلوب لم تحزن .. وعقول خانت .. وأجساد تلعب هي بيد الشيطان !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007