[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شبق الحروب شبق الحروب
التاريخ:  القراءات:(4065) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                         شَـبَـق الـحـروب               

                                               ـ قصة ـ


    (( كنا حبيبين طريدينِ و ملعونَين


      ما بين نارين و عالمين


      نكابد الغربة في المابين  ))*        


  جلست تتابع موج البحر المتكاسل من فوق صخرة اعتلتها كملكةٍ تتطلع إلى أطلال عرشٍ ولى زمنه على أيدي الطغاة, يتحرش رذاذ البحر في حياءٍ بأطراف خصل شعرها التي لم يروضها مشط, عيناها المنتفختان من قلة النوم و تذبذبه تلفظان دمعا يتقافز في صمتٍ على أسيل خديها, لم تعد تميز بين الأصوات المدوية في أنحاء المدينة, تنتشر من حولها أعمدةً من الدخان الأسود, تمتد نحو السماء الخالية من السحب في ذلك الصيف القائظ .. يغريها البحر, رغم القنوط المتسلل إليه, بالارتماء بين أحضانه العميقة, بعيدا عن البثور السوداء التي تشوب وجهه المترقرق تحت شمس الصباح التي أخذت تعلوه بسرعة,  تود أن تستسلم بالكامل لجريانه, دون أن تسمح لشيء يمنعها بلوغ متعتها الأخيرة تلك, تتركه يسلبها تشبثها بحياة عركتها مراتا و مرات بلا سأم و لا رحمة ..

 يده الصلبة حطت ثقيلةً على كتفها, و كأنه أراد استباق جنون تلك اللحظة اليائسة, عرف أنها تجلس فوق تلك الصخرة بالتحديد على الشاطئ المهجور, تترامى حولها النوارس النافقة كجثث متناثرة إثر انفجار عبوة ناسفة أو سيارة ملغَومة, بدت له كحجرٍ صغير يستقر فوقه عصفور واهن القوى من شرفة شقتها القابعة في بناءٍ قديم, لا يزال يحفظ بعض آثار حرب الأعوام المظلمة ..  

 فزع أول الأمر, عندما استيقظ و جاب الغرف دون أن يجدها في أيٍ منها, و أستغرب أكثر لما وجد هاتفها المحمول ملقى فوق وسادتها, رغم أنها ظلت تحتضنه بين كفيها طيلة المساء المخيف الذي عصف بهما, يتلذذ باعتصار قلبيهما و اجترار أعصابهما, لم يدرِ أي سحر غريب سلطته عليه غرفتها المهملة, فراشها الذي تبدد منه دفء جسدها, ملابسها المعلقة على المشجب و في الخزانة, رائحة أنوثتها المميزة لديه لحد الآن, تحمل حنينا دافقا لم يفقد تأثيره على حواسه, حمّالة الصدر التي وجدها مرمية على كرسي قريب من السرير, تذكره بضيقه القديم من كل قيدٍ إضافي يكبل بياض حمامتيها الحليبي ..كانت تزم شفتيها قويا, تدحجه بنظرة أم نحو ولدها المراهق, ثم تفضي شفتيها الورديتين عن ابتسامةٍ تحاول إخفاء ضحكة تسابق العصافير في تغريدها الصباحي قرب شباك غرفتهما القديمة, متحينةً فرص صفاء الجو من أمطار لندن الغزيرة التي طاردت تسكعاتهما في الشوارع الزلقة طويلا, كان يفتقدها بشدة كلما سافرت في مهمة صحفية إلى إحدى عواصم أوروبا, تتقصى أخبار حروب بلدها المنزوي في طرفٍ من المتوسط, طال غيابها في إحدى المرات, فأقلق كل أصدقائها بإلحاح سؤاله الحائر عنها, حتى باغتته ذات ليلة بدموع تنهمر على ورد خديها, زرعتها حينا على عتبة باب شقته قبل أن تستسلم لجذبه لها نحو الداخل بوعيٍ مشتت, بالكاد استنطق منه حادثة اختطاف أخيها من قبل إحدى الملشيات المتقاتلة في بلدٍ إن عصته الريح تنكسرُ, ما عاد لصوت فيروز أي تأثير عليها في تلك الساعات حالكة الظلمة, و عيناها تجولان أرجاء بيتهم الشرقي العتيق عند سفح الجبل, تتطلع إلى بلاطاته المزخرفة, تحفه المتوارثة جيلا بعد جيل .. درجات السلم الحجري العالية التي خدَشت ركبتيها مرارا عندما كانت صغيرة, كانت تقف عند أسفلها والدتها باكية لحظة انطلاق السيارة بها نحو المطار, أتت مدينة الوقت المنضبط على ساعة بيغ بن للدراسة و العمل, لم تعرف أنها ستفقد الأمل بالرجوع ذات يوم, كان ينصت لصمتها الناحب, و في بيته النائي في أحد طرفي مدينته الخامدة تحت وهج النيران يقام مجلس عزاء شقيقه, إسم من بين عشرات آلاف الأسماء التي تزخر بها قوائم البيانات العسكرية متزايدة الأعداد في بلاد النخيل المحترق شرقا .. أصغى لهلوساتها ساعاتا لم تمل فيها فيروز من متابعة غنائها الشجي, و الدموع السوداء تتابع الهطول من عينين تهبان الحب و الحزن في آن واحد, يسكنهما جنون و زوابع الموت المعربدة من قمة الجبل حتى أسفل الوادي, نسيم الصيف الرائق, و عوي رياح الشتاء المزمجرة .. قررت أكثر من مرة العودة إلى بلدها, بإصرارٍ لا يحفل بأي رادع, حتى ظن أنه سوف ينهض ذات يوم, بعد زواجهما السريع, ليجدها قد رحلت بالفعل .. كانت تتهمه بالانهزامية و السلبية, بعدما اكتفى بدور المثقف المتسكع بين الحانات و جلسات النقاش الضبابية, كلام يتصاعد و يتفرق في الهواء مع أدخنة السجائر, و إن كانت لا تفعل أكثر من ذلك في الصحيفة التي تعمل بها, تهاجم الجميع بحنقٍ شديد, ثم تقضي أياما منكمشة على نفسها و كأنها هاربة من تهديدات كل الأطراف المتناحرة في بلدها, و لعلها تتوهم أحيانا أنهم قد خطفوا أخاها فقط للانتقام منها ..

 كان يعرف أن ذلك الاحتمال ليس بمستبعد, رغم نبرة الاستهزاء الصارخه في كلامه, خاصةً و أنه ذات السبب تقريبا الذي جعله لا يرضى العمل في أيٍ من إذاعات المعارضة, رغم الفارق الشاسع بين المرتب الذي عرضته عليه, و بين ما يتقاضاه من الإذاعة المحلية الصغيرة المستقلة التي يعمل بها, يقدم أخبار, برامج سياسية, منوعات, و أيضا إهداءات الأغاني بين المراهقين أحيانا ..

 حثها على النهوض و العودة إلى الشقة قبل معاودة القصف, نزلت عن الصخرة التي لا تكف عن معاركة الموج, كان يحمل في تهاديه صوت فيروز من جديد إلى أذنيه, متستنجدةً بطير الوروار أن يسِلم لها على الحبايب و يخبرهم بحالها شو صار ..

 تساءل و كأنه يحدث نفسه عن مكان فيروز الآن ؟ ..

ريما : أكيد أنها تجلس مع زوجها, مشتته بين قنوات الأخبار, ما تعرف هم أي بلد تحمل أكثر .. ثم حمدت الله أنها تأخرت و زوجها في القدوم ..

 لم يدرِ بالتحديد إن كان يسأل عن فيروز التي خبرت دمار الحروب دون أن يهتز لها وتر من  أوتار صوتها المشحونة بالحب و التحدي معا, تهدهد مواجع غربتهما العتية .. أم عن ابنتهما الجميلة, مميزة العينين منذ ولادتها, ابتسامتها العذبة كانت تطالع الذهول المرتسم على وجهيهما, كما لو لم يتوقعا تحمل مثل تلك المسؤولية ذات يوم ..

 أخبرته أن فيروز أيضا تعشق البحر, كانت تأتي كل يوم قبل ارتفاع الشمس في السماء, تغتسل بمائه المالحة, تعوم مسافات طويلة دون تعب, و كأنها تشارك الموج رقصةً هادئة الحركات, ترقبها تحاكي الأصداف بوشوشات طفولية, تخبرها بأسرارٍ صارت تخفيها عنها أكثر الوقت, يداخل هدوءها صخب متمرد, و ثورة يمكن أن تستمر أياما سئيمة من القطيعة, تعود بعدها لتحط برأسها على صدرها  مثل رضيع لم يفطم بعد ..

عادل : و كأنكِ تصفين نفسك, نسيتِ لما رحلتِ و أخذتيها معكِ إلى باريس, قبل أن تتم الأربع سنوات, من غير ما تكلفي نفسك عناء إخباري إلا بعد مدة من البحث المجنون, بلا ما أعرف شي عن اللي ممكن واجهتوه , و من أي جهة من الجهات اللي كنتِ رافعة عليها سيف القلم الحر ..

ـ و الله منيح كان عندك وقت للبحث عنا, بعيد عن صاحبتك الوجودية .. كل ما كان يهمك أن أكون معك على السرير كلما هفك الشوق, و إن واريته بالحنين المتباكي, ترتعش بالمطر الكاسح و الخمرة المعبقة بالكلام اللي كنت تدمنه مع أصحابك ..

ـ مثل ما كنتِ دائما, ما تملين من سخافة هذا الكلام, و كأن بس أنتِ اللي تحملين هموم بلدك و مواجعها ..

 أوقف صياحهما دوي قذيفة سقطت على منطقة قريبة, فألقيتهما فوق الرمال, متحاضنين بذات قوة شبقهما ـ الخائف ـ الأول ...

                                .                    .                       .

  السماء كابية في ساعة المغيب الحزين, يوم آخر من الموت ينصرم, تسأله عن أحوال بغداد, و إن كانت و ابنتهما لا تنفكان عن متابعة أخبارها عبر المحطات الفضائية, و قلباهما ينتفضان كل ساعة عليه, عودته إلى ساحة المعركة أثارت حنقها, و ربما غيرتها من جرأةٍ لم تدركها يوما, لما أخبرها أحد أصدقائهما أنه هو من أصر على تعيينه كمراسل في العراق رغم أن الفرصة كانت مواتية أمامه للعمل كمذيع للأخبار في المقر الرئيسي للقناة ..

 عندما أعلن عن اختطافه كان فزعها, و ابنتها في أستراليا, يشتد كل ساعة, نحبت كل منهما أحلى الذكريات التي جمعتها معه .. كانت تصارع رغبة قوية في السفر و محاولة تخليصه بأي طريقة كانت, كما ودت أن تفعل لدى اختطاف أخيها أثناء الحرب الأهلية, لم تعلم لحد الآن شيئا عنه, سوى ما قاله ابن عمها عن نصف جسده الأعلى الذي وجده متكوما بين الأنقاض, على جانبٍ من المعتقل الذي أسر فيه ..

 لم تكد تتبين صوته عبر الهاتف, بعد الإفراج عنه ضمن صفقة متعددة الأطراف و مبهمة التفاصيل, حتى شهقت شهقة قوية, تبددت بعدها نبرات صوته المهتزة في ضجيج بكائها و دوي ضربات قلبها, لم تشتق إليه يوما كمثل تلك اللحظة, دخلت بعد ذلك لغرفتها, استلقت على الفراش الذي لم يطأه يوما, عانقته, صفعته, كالت له الشتائم, ثم نامت على صدره ساعاتا طوال ..  

 كانا يجلسان على الأرض أمام التلفاز, كما تعودا في أوقات الضيق خاصة, يدخنان السجائر بإفراط, يتوسطهما صمت هاتفها العنيد, بدا كلعبةٍ من ألعاب ابنتهما, لا تزال تحتفظ ببعضها في غرفتها التي راح يمضي لياليه فيها منذ اندلاع الحرب, يحتضن إحدى دماها بشوقٍ سالت معه دموعٌ تغزو عينيه عند كل لقاء و وداع, أثناء زيارتيهما بيروت التي عشقها من حديث والدتها عنها منذ بداية تعارفهما, كما ذابت في سحر مدينة الشعراء و الصور .. كانت تغدق عليه بحبها حينا, كما لو لم تفارقه أبدا, و تشاكسه حينا آخر, و كأنها تتحفز لمعاركته, كما تفعل مع والدتها, يقرأ في عينيها الخضراوين اتهامها لهما بالجنون الذي ورثت عنهما شيئا منه, و قد تكاشفه بذلك : ابنة من أنا ؟ و ليدة الغربة و الجنون .. جنون نار القادسية و الحرب الأهلية .. ثم تكركر بضحكة شقية تحاول أن تكيف نفسها مع ظروفٍ مقتتها طويلا, كما كيفت لسانها في صغرها على التحدث بلهجتين كثيرتا الاختلاف, رغم أنهما ترفدان من ذات نبع الجراح المتدفق منذ عصور ..

 اعتادت التنقل بين شقتي باريس و لندن, المتشابهتين في اضطرابهما, تكاد تخلط بين لغتين لا يفصل بينهما سوى شريط قطار تركبه مع أحد والديها, تتراكض المناظر أمامها بذات هرولة أيامها و سرعة تعاقب الضباب و ضياء الشمس الجميل, لم تكن تعلم تماما متى كانا يتخاصمان أو يتصالحان, ينفصلان بعد عراكٍ شرس, يدوم لأشهر, و يتناجيان في هيام عاشقين التقيا بعد بحث و فراق طويل .. و كذلك لم تعرف بالتحديد متى تم طلاقهما, و لا لأي سبب جاوز حدود جنونهما, أو رجوعهما لبعضهما الذي انتهى بصدمة الطلاق الثاني, في ذات الشقة التي شهدت أرضها حبوها لأول مرة ..

 هاجت فجأة, و أخذت تدور في أنحاء الصالة, تنكش شعرها و تلطم خديها, ثم هرعت نحو الشرفة المطلة على ليل بيروت الذليل, تتوهج في ظلمائه النيران, الناس في الشوارع نقاط أشد حلكة, تتخبط في مسيرها نحو المجهول .. و كأنه لم يفارق بغداد أبدا, ذات المنظر تقريبا يطالعه و هي إلى جانبه تجأر كحيوانٍ ذبيح, تنادي بيروت المطعونة حينا, و تندب حظهما العاثر حينا آخر .. ( ياليتنا نتمكن من تعود الفقدان, يمكن نحس بشي من راحة الموت ) ..

 تركها تهذي دون أن يحاول مقاطعتها و لا حتى تهدئتها .. صمتت فجأة, و أخذت تحاول التقاط أنفاسها, كما لو كانت تفتش عنها هي الأخرى, ثم قالت دون أن تدير وجهها عن المنظر الموحش أمامهما : تظن إنهم حَ يحتلوا بيروت مرة ثانية ؟ ...

( تظن إن بدهُم يحتلوا العراق عم جد ؟ ) ..

 سألته لدى جلوسهما على مصطبةٍ خشبية أمام نهر التايمز, كانا يرتديان معطفين سميكين, في ليلةٍ شديدة البرودة, بعد التقائهما صدفة في ذات شقة الصديق الذي رأيا بعضهما فيها للمرة الأولى, و في ذات الوقت تقريبا, كانت في مهمة صحفية سريعة إلى المدينة التي طعنتها بمر الذكريات, دون أن تدري وجوده فيها, ففي السنوات الأخيرة كان يجوب عواصم أوروبية عدة كمراسل متنقل, كان صوته مخمورا, دون أن يشرب قطرة خمر في تلك الليلة : المجنون, ما يعرف أن هذه المرة غير كل مرة, و أنه استنزف كل أوراق المساومة ..

 كان وجهه مرآةً للسماء الكامدة فوقهما, لم يكن يميل للكلام كثيرا, تعانقا كما لم يتلامسا من قبل, عاندت تحفظها التي حرصت على فرضه أمامه, عنادها للارتباط بأي رجل آخر, و إن وجدت انجذابا نحوه .. لا تعلم إن كانت تجربتها الطويلة معه قد أوجدت حاجزا بينها و بين كل رجل آخر دون إرادة منها, أم إن ارتباطها به كان أقوى من كل محاولاتها للتملص من هواه الذي تشعر أنه يتلبسها مهما تباعدا, حتى لما حملت بفيروز كانت تهجس أن الخبط المؤلم داخل رحمها بعض من صخب حياتهما المستمر, ولدت فيروز, و لكن شيئا منها لم يكن يرضى الاقتناع أن الحبل السري الذي يربطهما يمكن قطعه, حتى بعد طلاقهما الثاني الذي وقع بعد أقل من ساعة على مغادرتهما الفراش, إثر مجابهة عصبية لم يعد أي منهما يتذكر سبب انفجارها بالتحديد, كما حدث لدى طلاقهما الأول تقريبا ..

 ذهبت معه إلى شقته الصغيرة, التي كان قد استأجرها حديثا, دون سؤال و لا جواب, كزوجين عائدين من سهرةٍ جميلة, أظنت أشواقهما هموم و مشاغل الحياة .. كانت عودة بعد غيابٌ طويل, باغتت جسدها الأربعيني بطاقةٍ متجددة, ربما لم تشهدها حتى الشابة التي كانت .. خشيت لوهلة سماعها خطى فيروز ـ الصغيرة ـ باتجاه غرفتهما, لم تشأ أن تشغل نفسها بالبحث عن أثرٍ لأنثى في الفراش أو الغرفة, و من ناحيةٍ أخرى أيقنت, بفضل تراكم خبرتها معه, أنه لم يمسِ امرأة منذ أشهر على الأقل .. كان زوجها و سيبقى, بعقد زواج أو ورقة طلاق, من حقها, دون أية امرأة أخرى, و إن عاشر مختلف نساء الأرض, عشق .. هوس .. رغبةٌ بالتملك .. تسلط متبادل .. لم تعد تهمها أيٌ من تلك المسميات ..

 رافقها إلى المطار صباحا, مفتعلا مواقف شبه صبيانية لتأخيرها عن موعد إقلاع الطائرة, عيناه الذابلتان رجوتاها البقاء معه, ليس ليومٍ أو عدة أيام, بل لأمدٍ غير محدود, و لكنه لم يكن يملك الجرأة لاتخاذ قرار أو طرح أية فكرة, كما أنه عرف صعوبة انسياقها من جديد وراء اختيارات انفعالية, لم تجر عليهما سوى وابل من الخيبات .. على مقعد الطائرة أجهشت ببكاءٍ لم تستطع كتمانه مدة أطول, لا تدري على من ـ ماذا ـ يمكنها صب جام غضبها أكثر ..

                          .                    .                        .

  قادها إلى الداخل مع معاودة القصف و لعلعة النيران المتواصلة من المدفعية و فوهات الرشاشات, أسندها حتى استلقت على الأريكة, دائخة, زائغة العينين, شحوب وجهها يستلب كل قوةٍ عرفها عنها, و بصورة أعتى من أي وقتٍ مضى, أعطاها حبة منوم, ثم ذهب نحو الشباك, يدخن سيجارة لا يهتم بحرق ورقها الهش, فلن يطفئها أحدهم في صدره أو بطنه أو حتى قرب عانته, متندرين على فحولته, إنجليزية الهوية .. كان يُضرب حتى يقع مغشيا عليه, يفيق فلا يجد من الهواء ما يكفي شهيقه, الجزم العسكرية تضغط على لحمه العاري, قبل تمرير الثاقب الآلي فوق جسده, حتى يكاد يمسه, صوته للآن له وقعه المميز في أذنيه عن دوي القنابل و الصواريخ و أقوى الانفجارات ..

 سار نحوها, يترنح بفعل ثمالة الحروب, جثا عند الكنبة, دس رأسه عند مفرق صدرها, توسلها أن تفيق و تعود لمشاركته الحديث, أو حتى الصراخ في وجه كل حرب و انتكاسة جمعاهما منذ البداية, في وجه كل جنون و تيه فرقاهما, في وجه العالم الذي يشهد دمارهما منذ عقود ..

 سأل نفسه ثانيةً, و أنفاسها قربه أشلاء تنهدات رتيبة : أين هي, و ماذا تفعل في هذا الوقت ؟ .. تعد لأغانٍ جديدة تجول بها العالم و تتحدى كل دمار, أم تختبئ داخل ملجأ في قنوطٍ يسخر من أغانيها القديمة, تستسلم للدموع و الهذيان, بعد أن فقد كل شيءٍ جدواه ..

 ( تذكر أول مرة اتلاقينا ) .. علا الصوت الشجي أخيرا من هاتفها, شهقات ابنتهما تخللت أضلعه, أمواج صوتها الهادرة تتشظى عبر شبكات الهاتف المشوشة, صرخ .. علَ شيءٌ من ندائه يصلها, يخبرها أنهما بخير, بخير رغم كل شيء ..

 جلس قبالة رقدتها يفكر في ابنته التي لم تتخلص من لعنة الخوف و هلع المجهول حتى بعد اختيارها الرحيل من جديد, مدفوعة ليس فقط بالحب نحو ذلك الشاب الوسيم الذي تعرفت عليه لدى دخولها الجامعة, و إنما رغبةً في العثور على الاستقرار أخيرا, استقرار كامل غير منقوص, لم يمنحها إياه أي منهما, رحلت تاركةً جذورها, تعبث بحياتها متى ما شاءت, ربما تجلس الآن على شاطئ البحر هناك, تتابع دفق الموج النائي عن عالمي الخراب المزمن, علَ ما يطمئنها بعض الشيء وجودهما في مكانٍ واحد, عيناها تلجان عتمة الصالة الكئيبة, تتنصت على مشاكستهما الطفولية, انفعالات كل منهما في وجه الآخر, محاولا تحميله مسؤولية تشتت حياته أكثر مما كانت قبل لقياه, عيونهما الطافحة بالشوق رغم عناد المكابرة, أحاديثهما الطويلة و المتناثرة حول كل ما يخص بلديها, ماضيا و حاضرا, متغلغلين إلى خفايا تدهشها و تربك تفكيرها أكثر فأكثر, تراهما متعانقين في ذات الحميمية التي تجدها بين أحضان زوجها عندما يباغتها عصف الحنين إلى بلادٍ غرست تفاصيلها في داخلها, و أخرى تاقت لأن تراها, بعيدا عن مشاهد العنف و الدماء والركام التي تبثها مختلف القنوات .. سار في تلك الشوارع الباكية طويلا, و كأنه يجول مدينة لم تطأها قدماه يوما, حتى أهله, لم يتبقَ منهم سوى أخت أرملة بالكاد تعرفت عليه قبل أن يتعلق ذراعاها برقبته جاهشةً بالبكاء .. كان يأمل دوما أن يستأنف حياته في تلك المدينة المحتضنة للنهر المخضب بالطمى و الدماء, مخلفا كل شيء وراءه, يده بيد امرأتي حياته, يجوبون أنحاء بلاد استنزفت دموعه و أعصابه على مدار أعوام, غير أنه في النهاية لم يجد بداً من الإقامة في مركز المحطة التي يعمل فيها, يسأل نفسه ما الذي أرجعه حقا إلى بلادٍ استنزفت دموعه و أعصابه على مدار أعوام, صحوة من تيهٍ طويل .. تكفير عن سنوات التشرذم و التسكع, كما كانت تسميها مطلقته .. نزوة بطولة  يغافل بها فعل الزمن المتسارع في أوصاله, كما يحدث لدى مواعدته عشيقة من عشيقاته, يحاول التواري بين أحضانها عن نظرات ريما النارية, المتسلطة عليه من كل زاوية, و التي أضحت تنبثق من بين شرايينه, تلك الجمرات الخابية أمامه تحت رماد الجفون ..  

 أخذت تتمتم بكلامٍ مبعثر غير مفهوم, حمى جبهتها أرعبه, لم يدرِ ما يمكن أن يفعله لها في ذلك الليل المفقر من الحياة سوى الكمادات التي لم تؤتِ بنتيجة تذكر, كانا وحدهما في تلك البناية, بعد أن غادرها سكانها على نحوٍ سريع, فلا جيران يستنجد بهم, و لم يحضر في ذهنه صديق أو قريب لها يستطيع الاتصال به و سؤاله عن طبيب يملك من روح المجازفة ما يجعله يأتي لمعاينتها و الخيام المنصوبة في الشوارع لا تصدر سوى أنين النازفين, حتى الموت ربما .. قبَل شفتيها الشاردتين في هذيانٍ مستمر, تربَع على الأرض بجانبها, ممسكا بكفها الدافئ في حنو أب و ابن و عاشقٍ شغوف يذرف دموع الفقد الأول .. ما رأيك أن تعود إلى لندن, أو باريس .. مدينة السحر التي تتنفس الحرية في كل وقت كما تصفيها دوما .. و قبل كل شيء نذهب لزيارة فيروز المذعورة في ذلك الركن القصي من العالم, و ربما تروق لنا الإقامة هناك, ما دمنا في كل الأحوال لا نملك سوى إطلاق ذات الحسرات المختنقة داخل الجدران المكممة بالصمت ..        

 استيقظ صباحا, خدِل الذراع الذي كان يسند رأسه إليه, و المرتكز على مسند الكرسي المواجه للكنبة الخالية منها, وجد الكمادات مرمية على الأرض بجانبها, أخذ يرقب تنقلها بين المطبخ و مائدة الطعام, تحضر لوجبة فطور متعددة الأصناف, بوجهٍ لا يزال يحمل شيئا من وهن حمى الليلة الماضية, و إن عاودت الحيوية بحة صوتها, تأمره بالنهوض و غسل وجهه و حلق لحيته, كما كانت تفعل دوما, قبل مشاركتها الطعام, كانت السماء صافية على نحوٍ ما, بين الحين و الآخر يُسمع صوت قصف متباعد, قرب الشاطئ تطير بعض النوارس على علوٍ منخفض, ثم لا تلبث أن تحط على هذه الصخرة أو تلك, و صوت فيروز الشجي يتهادى إليه من مكانٍ خفي في الأفق المفتوح ..

 سحبها من ذراعها نحو وسط الصالة, تحدى خمولها و ابتآس وجهها, و لف ذراعه حول خصرها, لم يعطها فرصة الممانعة, راقصها و النعاس لم يفارق عينيهما بعد, أراد  أن يسهب في حديثٍ طويل عن إبحار خياله في رحلة غربة تجمعهما مجددا, و لكنه لم يشأ النطق بكلمة تربك خطاها المتأنية أكثر, سألته تعابير وجهها عما يخطط له, ثم فاجأته بضحكةٍ ساخرة من مفارقات العشق و الحرب التي تجمعهما دوما, ما لبثت أن ألقت برأسها بعد ذلك على كتفه, تتشبث بقواه المنهكة خشية السقوط, و الأرض تشرع بالاهتزاز تحت أقدامهما مع معاودة القصف الكثيف لضاحية بيروت, يكاد عصفه يهوي بالبناء العتيق الذي يأويهما, فيما القنوات الإخبارية تواصل بث أخبار حرب الصيف المدمرة, التي طغت بعض الشيء على طوفان بلاد ألف ليلةٍ و ليلة  العارم منذ سنوات ...       


                           .............................................


                                                               16 ـ  6 ـ 2008 عَمان      


* عبد الوهاب البياتي

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007