[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ليلتان ليلتان
التاريخ:  القراءات:(4203) قراءة  التعليقات:(11) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                    لـيلـتـان ..

 

 الرقص في خفايا الظلام ..

 

 على أنغام موسيقى صدحت فجأة في أرجاء الغرفة, بدأ قدها الرشيق يتوهج في تمايله أمامه  بفتنةٍ مثيرة, تهامس الأرض برؤوس أصابعها, فتنبجس من حولها أنهارٌ تتلاطم أمواجها على وقع خطاها المترنحة و اهتزاز صدرها المكتنز, يدنو منه حينا حتى يوشك أن يحتويه و يغيبه بين ثناياه, و يصد عنه حينا في غنجٍ رقيق, و كأنه يهم بالتلاشي, ذراعاها تلوحان في الهواء, ترسمان صورا تتراكض مرتجفة ما بين السقف و الجدران, تسابق ارتعاش بطنها و ردفيها المتماسكين على سطح المرآة المتصدعة, المثقلة بالتراب .. يتفصد العرق من جبينه, و يحتدم داخله الموت و الحياة في نشوةٍ مجنونة تكاد تغيبه عن الوعي, ينتفض في مكانه, و يصطلي بلهيب تأوهاتها و هي تواصل رقصها الغجري المحلق في فضاء المكان, تعبث بثيابه المهترئة, المركونة في الخزانة على الدوام, ترنو من كتبه التي كان يقرأها في زمنٍ آخر, تمزج ما بين عناوينها, تعربد بصفحاتها الصفراء, تسحق أسطرها, تفكك جملها, و تذيب أحرف الكلمات .. تدوس بباطني قدميها صوره المتناثرة مع حبيبةٍ قديمة, و ربما كانت زوجة, تدفأ بأحضانها ليالٍ طوال, و رفاق لم يعد يتذكر منهم أحدا, تبدد ما تبقى له من ذكريات مخضبة بالدماء و عفونة الموت في جحورٍ مخفية تحت الأرض, راحت تنسل من فجوة عقله سريعا إلى غياهب العدم, كما يتسرب الماء من داخل قربة مثقوبة في وسط الصحراء ..

 يئن سريره من دلال امرأةٍ أمضت العمر كله في انتظار هذه الليلة لتتمرد على قهر احتجازها داخل قارورة الحرمان الرهيبة, مدت له يديها, تدعوه للاستلقاء إلى جوارها و معانقة تلكما الشفتين الشرهتين .. أنفاسهما المضطرمة تفزع سكون الليل, و وهج عيناها المتقد, كنصل سكين حاد, يسبر غور الظلمة, متمايلا في صعوده نحو عنان السماء ...



 

 أنامل رسام ..


 قسمات وجهها تحوم حوله في تلك الغرفة الباردة, المنزوية في أحد الأبنية القديمة, و المطلة على زقاق ضيق ضمن حي فقير عند أطراف المدينة, دون أن تقبل الرضوخ لفرشاته, يتحداه بياض اللوحة, المشوه بخطوطٍ متشنجة, يقهر موهبته التي كانت مثار إعجاب الجميع, و كأن أنامله لم تتغزل بتلك التقاطيع المنمنمة من قبل, و لم تتمايل مع انسيابية خصل شعرها الحنية, و لم تتفنن في مزج الألوان التي يمكن أن تعكس لمعان عينيها الغريب عشرات المرات, في لوحات متباينة الأحجام, كانت تزحم غرفته, يكسي وجهها التعبير الذي يريده بخفة و رشاقة أخاذتين, محملتين بلهفة عاشق لا يطيق صبرا على فراق حبيبته ساعات عدة .. غير أن الوقت لم يسعفه لرسم دموعها الغاضبة على رحيله المفاجئ, بعد أن عجزت فرشاته عن رسم لوحة من تلك اللوحات المعلقة في كافة أنحاء البلاد ..  

 دفعه حنقه أخيرا إلى شخبطة اللوحة بعصبية, و كأنه يطعنها, بل كاد يحطم الحامل الخشبي الذي لم يرسم عليه خلال سنوات تشرده العصيبة غير لوحات حملت تواقيع مشاهير الرسامين .. جلس إلى مكتبه المتهالك, حيث تتكوَم الأحبار و الأوراق و الأختام, زفر أنفاسه بقوة مخيفة, تمَعن جيدا في صورتها التي أعطاه إياها زوجها, بالإضافة إلى صورته, فتح أحد جوازات السفر الموضوعة أمامه, وضع صورتها فوق صورة صاحبة الجواز الأصلية و راح يتأملها طويلا, حلقت نظراتها مع دخان سيجارته المتطاير في الهواء, ترثي جمود ملامحه الشاحبة, لحيته غير الحليقة, دموع عينيه الهاربتين نحو الشباك المضبب بغَبَش الفجر ... 

2007 


من سلسلة ليالي الأرق

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007