[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الخطوط الخلفية الخطوط الخلفية
التاريخ:  القراءات:(4020) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                              الـخـطـوط الـخـلـفـية                    


                                       ـ قصة قصيرة ـ


 


 لا يستطيع المرور من أمام غرفتها دون إطلاق تنهيدة شاب غر قد تقلل من هيبةٍ فرضها على الجميع خلال السنوات الأخيرة بعد بروز إسمه, الذي أضيف إليه لقب شيخ, بين التجار الكبار القلائل في المنطقة, و تراكم الأموال في خزائنه, و تعدد النساء في بيته العامر, عتبة بابها أضحت بمثابة خط أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه, كل ليلةٍ تمضي ترسخ وجودها النابض في مخيلته أكثر فأكثر, لا تمحوه أي فتاة أخرى في الدار, تحرص على إرضائه بشتى السبل, و ضمن ما يشاء من وقت لا تستطيع العجوز المتحايلة على عمرها الخمسيني بالحناء و بريق الألوان التي تداري بها بعض تجاعيد وجهها الحنطي محاسبته عليه كأيٍ من الزبائن الآخرين, كانت تأتيه منها ذات الإجابة دوما, رغم علمها بمدى نفوذه و تنوع علاقاته و شراكاته التي تغفل عنه العيون .. إنها محجوزة, تقولها بإصرار تصاحبه غمزة عين مستفزة تجبره على التراجع عن سؤاله الذي لا ينفك عن تكراره بعد حين في رجاء أن يشم عبق تلك الزهرة اليانعة من جديد, فتسكره ذات نشوة امتلاكها الأولى, كما لو لم يمس جسدها البض رجل قبله, تخترق خلجاته بنعومة تأوهاتها غير المصطنعة, تخالجها ضحكاتها المنغَمة, تشده إليها بوشائجٍ من حرير يستغرب وجودها في مثل هذا البيت العفن, القائم كوكرٍ للخفافيش على أطراف تلك البلدة المحاذية لجبهة بعيدة بعض الشيء عن خطوط الاشتباك مع العدو .. منذ بدء الحرب صار الجند يتوافدون عليه, و كذلك الضباط في بعض الأحيان, جوعى, عطشى يتعجلون الارتواء, غالبا ما يأتون برفقة جندي شاب شديد السمرة, فارع الطول, لا يدري أحد كيف يتدبر أمر خروجهم من المعسكر الذي لم يفارق مقر قيادته نحو الأرض الخلاء مرة واحدة, أو يحظى بإجازاته الكثيرة و مهام المراسلات التي يكلف بنقلها من و إلى العاصمة, فيبقى هناك أياما مسترخية, لا تدركه الحسرة على كل دقيقة تمضي فيها, غالبا ما يكون رائق الأعصاب, يميل إلى السخريه و المزاح, بلا أن يأمن أحد سرعة غضبه في وجه الجميع, بمن فيهم صاحبة الدار, خاصةً عندما تحاول مراوغته بشأن المبلغ الذي يتقاضاه لقاء كل فحل مصعوق بنار الحرب يسوقه إلى أحضان فتياتها المتزايدات ..


 أشار إليها بالابتسام قبل دخولها الغرفة, مستفرسة كلبوةٍ جريحة, لا تعنيها سطوة المسؤول الغامض الأتي من العاصمة, رغم تلك الرهبة التي أثقلتها منذ يوم دخوله الدار, متسللا من الباب الخلفي, يرتدي عباءة باهظة الثمن فوق ثيابه المدنية, تكتم ضحكاتها لما يراودها خيال إبقائه النظارة السوداء على عينيه و الكوفية المبرقشة فوق رأسه, متلثما بطرفيها الواسعين, دونا عن بقية ملابسه التي يطلب منها نزعها عنه على مهل لتبدأ فقرة تدليك جسده غير المتناسق و المشعر بصورة غريبة قبل كل شيء ..  


 باغته ما يخفيه جسدها الغض من زئيرٍ وحشي في الحنايا, بعد ان بدأ ييتئس من قدرتها على نزع ما عاناه طيلة الأشهر الماضية عن ذاكرته, حتى وجد نفسه أخيرا يقضي فترة عقوبة, غير محددة المدة, في تلك الصحراء المقفرة, يرتدي البزة العسكرية, رغم جهله التام بشؤون الحرب, يعرف أيا من الرفاق حاك له تلك الدسيسة جيدا, دون أن يملك وسيلة للدفاع عن نفسه, ما دامت الرياح تجري في صالح غريمه ..  


 كانت الدموع غائصة في حدقتيها, انصب عليها شدوه ظنت أنها تبرأت منه منذ أن سلبها أحد أتباع العجوز الأشداء بكارتها, قبل إتمامها الرابعة عشرة, لما أخبرها كلب الحراسة الذي بات يمضي ساعات خلف بابها دون تململ, باستشهاد ذلك الشاب الوسيم, محبب الملامح, بعد عدة أيام من زيارته المشحونة للدار, كان يتلفت يمينا و شمالا من حوله بعينين ذاهلتين, خطاه تتصنع ثباتا تلاشى أول إغلاقه الباب عليهما, وجدتها فرصة لتتباهى بتمرسها أمامه, رغم ما أبداه من صلفٍ و ما استبد به من حنق أودعتهما فيه وحشية الصحراء, ارتعد فوقها سريعا, بآليةٍ آلمتها بعض الشيء, كما لو كان مكلفا بمهمةٍ عسكرية يود إنجازها بأسرع ما يمكن, جلس على حافة السرير موليا ظهره لعريها المستلقي على الفراش في استسلام متذمر, كان جسده يتصبب عرقا غزيرا, يرتجف بقوة كمن يتلوى من ألمٍ حاد, لا تعلم إن كانت تمتماته استغفارا أم لعنات غاضبة يصبها على ما لا تفقه, أرادت مسح ظهره بمنديلها الأبيض الحريري الذي تخبئه تحت وسادتها, انتفض بعيدا عنها بسرعةٍ توسلتها أن تكون استعدادا للانقضاض الثاني, المشبع هذه المرة .. ارتدى ثيابه العسكرية الملوثة بالدماء, ثم خرج مهرولا, لا يولي سأمها الحزين أدنى إلتفاتة, أغلق الباب بقوة تخبرها أنها لن تراه مرةً ثانية, و المنديل المضمخ بعرقه الذي يحمل غبار المعارك المتهاوية على حافات الموت يفترش صدرها الناعم, المرتجف في نفورٍ و غثيان من كل شيء ..


 تهتز الأرض مع توالي القصف الشديد, على غير العادة, أكثر من اهتزاز السرير من تحتهما قبل قليل, ينتابها ذعر شديد من لحظة تهاوي الجدران المتصدعة العالية فوقهما, و إن أمست تتوقع ذلك في كل ليلةٍ تقريبا, ترمي برأسها على صدره متهدج الأنفاس, شديد الوطأة عليها, تنصت باستغراب لضربات قلبه المتسارعة, و كأن الخوف يعرف التسلل إلى أمثاله, تتعلق نظراتها المتوجسة بمسدسه الملقى فوق طاولة قريبة, لا تعلم بأن رصاصةً منه صبت بعض الحنق المتربص برفيقه اللدود في صدر جندي شاب, محبب الملامح, أصابته شبه لوثة بعد استشهاد صاحبه و ارتماء جثته فوقه, و كأنها ودت حمايته من سيل الرصاص المنهمر باتجاههم في لحظة انصهار رهيبة, امتنع عن إطلاق رصاصة واحدة من رشاشته أثناء المعركة, بدأ يهذي بكلامٍ غير مفهوم, دار حول نفسه عدة مرات حتى خر مرتعدا كالذبيحة على الأرض, أمره بالنهوض و مسك سلاحه الذي رماه بعيدا, فلم يجب و لم ينظر حتى نحوه, مسترسلا في هذيانٍ يثير الشفقة ...

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007