[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مخالتة مخاتَلة
التاريخ:  القراءات:(3942) قراءة  التعليقات:(15) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                    مـخـاتَـلـة    


                                 ـ قصة قصيرة ـ                                           


 


 يمر الشريط من تحت قدميها برتابة يوم العمل الطويل, معارك و مجادلات, تنافس ربما يتحول إلى حرب مضمرة, خاصة بينها و بين زميلها الذي ينتظر منها زلة لا يتسامح معها المدير صعب المراس, قد  يجنح لؤم التلميح بين آونة و أخرى إلى وقاحة التصريح المباشر ... ( أنتِ أم, و لديك الكثير من المسؤوليات التي قد تعيقك عن العمل بالشكل المطوب منك ) ... تعصر كفها بقوة لئلا تضج الغرفة بصفعة تلفح وجهه نارا تنفس عن غيظٍ قد تفجره في وجه ولديها, و كأنها تود معاقبتهما على شراسة دنياها التي أثقلتها بمسؤوليات تستحلب زهو شبابها ...


 تضغط على زر الجهاز, كما لو كانت تنادي الأحلام الهاربة لتمتثل بأمرها, فيزيد الشريط المربوط على بكرتين لا يستطيع الفكاك منهما من سرعته ... و الوقت يمر, مسام جسدها تنز العرق البارد, من الجبين العريض و الوجه المستدير المحتفظ برونقه, ينزلق بانحراف نحو رقبتها, و ينزوي بين نهديها الناهظين, شعرها الكستنائي الطويل معقوص إلى الوراء, أكثر ما يريحها ارتداء هذه البلوزة القطنية, واسعة فتحة الصدر, ذات الحمالتين الرفيعتين, و بنطال الستريتش و الحذاء الرياضي, تبدأ طقسها اليومي بعد إعداد العشاء لابنتها المراهقة متقلبة المزاج و الأهواء, مما يضطرها إلى مراقبتها بشيءٍ من الصرامة, و لو من بعيد, و ولدها ذي الثمانية أعوام, المشاكس كثير المطالب و مراقبة زملائه المدللين في مدرسته الخاصة باهظة الأقساط ...


 تزداد السرعة, زهت في عينيها ومضة انتصار جراء حصولها على مكافأة الصفقة المربحة التي حققتها للشركة, و ليفعل الحنق ما يشاء بذلك الطاووس المختال بوسامته, تعدد علاقاته يمده بجاذبية أكبر أمام العديد من فتيات الشركة, تستفزها نظراته المخاتلة نحو عصفوريها البضين المتقافزين من تحت البلوزة المعروقة في المرآة أمامها, بطنها لا تزال تحتفظ برشاقتها المعهودة, و ركاها يتحركان بخفة سعيها الدؤوب بين المكاتب, خارج و داخل الشركة, منذ الصباح حتى انتهاء الدوام, متغاضيةً عن العيون المتربصة بأنوثتها المعطلة منذ وفاة زوجها ... ترتخي يداها عن مسندي الجهاز, تغيب في لحظة اختطافه ضمة أو قبلة من شفتيها الكرزيتين, تهدده بالانقطاع عن رؤيته حتى يحين يوم الزفاف, و ربما إخبار أهلها, فيضج بضحكةٍ ساخرة تحتجزها في زاوبة حبور مغرد بالخجل, يحتويها برقةٍ تنسيها كل شيء, و تتهاوى في حميميتها كل أمالها بتحضير رسالة الماجستير ثم الدكتوراه في الخارج ...


 تفتح عينيها على ذات النظرات المزروعة في زاويةٍ من المرآة الكبيرة, تبحلق فيها من بعيد, تخترق الستارة الوردية شبه الشفافة المسدلة أمام الشباك المفتوح, أفزعتها أول مرة تلك النظرات الممتدة من شقة في العمارة المجاورة, فسارعت بإغلاق الشباك, معتم الرؤية من الخارج, كما تصر على ابنتها أن تفعل, خاصة أثناء وجودها في الغرفة, غير أنها تجاوزت عن ذلك في الأيام التالية, حتى بعد لمحها لمنظار يطل من الشباك المقابل ... تلك الشقة تسكنها امرأة تكبرها بعشرة سنوات على الأقل, بعد زواج ابنتها, مع ولدها الشاب, معتل البدن على الدوام, قليل الخروج بعد انهائه دراسته الجامعية, ذلك ما أخبرتها به, دون سؤال منها, إحدى جاراتها المتفرغات دوما لتقصي أخبار سكان العمارة و العمارات المحيطة أيضا ...


 يتعالى صوت اللهاث داخلها مع صوت صافرة خافتة, تعلن عن انتهاء المدة التي لم تعد تشعر بها, رغم انتفاض كل عضلة في جسدها ...


 تلتف خطواتها حول بعضها وهناً نحو الشباك, تتطلع إلى الغرفة التي أُطفئت أنوارها توا, مع ذلك قد تلمح و بواسطة نور الطرقة الضيقة التي تفصل بين العمارتين شيئا من المنظار و هو يتوارى إلى الداخل قبل إغلاق الشباك سريعا, تغلق بدوها شباك غرفتها أنيقة اللمسات, كما لو كانت لعروس تقضي أيام عسلها الأولى, يرف فوق شفتيها ظل ابتسامة, عبثية قد يصاحبها لدى دخولها الحمام و استسلامها الطويل لدفق الماء الدافئ المنهمر من الدوش دون حراك, يهدهدها حتى يضني التعاس جفنيها, فيتلقفها نوم عميق, بالكاد ينتشلها منه عند الصباح رنين الساعة المنضدية الموضوعة في مكانها منذ سنوات ... 


 يتراجع الشاب هوينا نحو سريره, قرب منضدة صغيرة, تتزاحم عليها علب الأدوية التي يتعاطى بعضها منذ صغره, يسارع طيف نشوته الضبابي بالانزواء في جوف إحساسه المتزايد, ليلة إثر أخرى, بالذنب نحو الفتاة المراهقة التي تسكن الشقة المقابلة ... يتراسلان منذ فترة عبر الشات, يخبرها بالنزر القليل عن حياته, و قد يستعين بشطحات من خياله عند الضرورة, لا يرضى أن يظهر لها صورته, مثيرا لديها رغبة أكبر بلقائه, فيما يكتفي بمراقبتها من بعيد ...


 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007