[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بين بُعدَين بين بُعدَين
التاريخ:  القراءات:(3920) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                     بـيـن بـُعـدَيْـن ...

                                      ـ قصة قصيرة ـ                                                         

 

 بدأ مفعول الحبوب المهدئة يحد من قبضات الاختلاج المتسلطة على جسدي, استرخاءٌ جميل يدب في أوصالي, أعرف أنه لن يستمر سوى لبعض الوقت, مداه مرهونٌ بي بالدرجة الأساس, الموسيقى الهادئة تجوب أركان الصالة, و لكنها لا تلج أذنيَ إلا لماما, يفوح عطر هيلدا في المكان, أنفاسها ما تزال تلفحني بعبقها, أتحسس جسدها اللدن, نعومة يديها التي مضت تمسد بشيءٍ من الانفعال جسدي من الرأس حتى القدم, محمومة بدفق الحب الأول, و شفقة متألمة, تترقرق في لمعان عينيها البنيتين, تحملني على الطفو و لو لحين, راح يتناقص مرةً تلو الأخرى, فوق سطح نهر رائق, أتهادى مع ترانيم أمواجه الهادئة في خدرٍ لذيذ يلف خلجاتي, شيءٌ من الوسن قد يسلمني لنومٍ متقطع, لا تعافه أحلامي اللاهثة القلقة, أثير استغرابها بتوقد فحولة عصبية ثائرة, ألمح في سحر تلكما العينين ذلك الاندهاش القديم من حمى أشواق الرجل الغريب, حنطي اللون, يتذبذب الشعر الرمادي في رأسه التي استكانت إلى ثراء صدرها العاجي طويلا, من قبل أن يقرر كل منا إفناء مآسيه في حياة الآخر, تلك كانت أيامنا الشقية الجميلة, عرفنا أن ما يجمعنا أكبر من نهم مهاجر جديد, يقاوم الانكفاء تحت ظلال ماضيه القاتمة, تلتهم الغربة أوقاته, و امرأة كانت على وشك إدمان المخدرات بعد قصة حب خائبة استنزف خداعها جسدها و أعصابها و أموالها التي ورثتها عن والدها, تركتها عرضة للاغتصاب من قبل الوحدة اليائسة وسط صقيع الليالي ...  

 لم أكن من أولئك الرجال العابرين في حياتك, يستلذون يجسدك الجميل, رغم ما يشوبه من وهن, ثم يرحلون بعيدا عن عالمك المضطرب, طلبتِ مني في أول لقاءٍ مخمور جمعنا أن أمثل دور العاشق, و أن أهمس في أذنكِ بعض الكلمات الرقيقة, بركاكة لغة كنت قد تعلمتها حديثا, أو حتى بلغتي التي لا تفقهين منها شيئا, و إن كنا لن نرى بعضنا مرةً أخرى ...

 استعجلتُ رحيلك .. خجلت أن تعاودني تلك القشعريرة المقيتة ما أن تكلميني أو تحاولين الاقتراب مني مجددا, يداخلكِ شبقٌ جموح لاستعادتي بالكامل, رغم ما أرسته تشنجاتي فيكِ من إنهاك, تجرعته بمزيجٍ من اللذة و العذاب, كنت تبحثين في عينيَ عن سرٍ لا أعلم عنه شيئأ, و أنا أتفصد عرقا باردا يبلل شعر صدرى الكث, يدركني خواءٌ تام, لا أشعر سوى برغبة البقاء بمفردي, لا أتجرأ حتى على السؤال عن إبننا جو, يوسف كما أحب أن أناديه, ذلك الصبي الأشقر المنصهر في دمي, قبل أكثر من شهر رجوتكِ إبعاده عن أزماتي الغريبة, ارتجاف يديَ, الجفلة المفاجئة التي تعتريني مع إصدار أي صوت, و إن كان صرير باب, و كأني أتوقع انفجار لغم سوف يحيل المبنى إلى ركام في غضون ثوانٍ, أو لدى دخوله بمرحه الطفولي أينما أجلس, كما لو كان يجر في أعقابه مجموعة من المسلحين, بألبسةٍ و لغاتٍ مختلفة, ينوون إبادتنا بإصرارٍ وحشي, كنت ألاحظ خبو وميض عينيه, ذهوله الذي يمحو عن ذهنه ما أراد محادثتي بشأنه حول زملائه و آخر أخباره و نوادره, كما عودته, لم نعد نتشارك سماع الأغاني و المواويل التي شقيت بإفهامه معاني كلماتها, و لا صار بمقدوري أن أقرأ له قصص الأطفال باللغة العربية و أنا أحثه على ترديد بعض جملها ورائي, رغم صعوبة نطقها بالنسبة إليه, و محاولة كتابتها في كراسه الصغير الذي رسمت فيه خارطة بلادنا بلونٍ أحمر قاني .. لم أعد أستطيع النظر إليه كلما سمعته يسألك عن غرابة أحوالي, و هل هو مرض خطير يستدعي ذهابي إلى المستشفى ... لا أستطيع أن أفجر غضبي في وجهه من جديد, أو أعرضه لموقف محرج آخر أمام أيا من أصدقائه, كما حصل عندما أتى أحدهم للمبيت عندنا في إحدى عطل نهاية الأسبوع, بعد أن استوقفني لدى خروجي من المطبخ, مرتبك الخطى و الحركات, فقط ليسألني عن حقيقة أخبار المعارك الناشبة في موطني الأصلي منذ أعوام .. خرجت رغما عني صرخة مكتومة, صاحبتها ارتعاشة سرت في بدني كتيارٍ من كهرباء, كما لو كان يوجه لي اتهاما ما, أجفلت الصبيين فلم يصغيا لانفعال إجابتي المتقطعة, المبهمة حتى عني ...

  قدح الشاي يهتز في يدي حتى كاد ينسكب شيء منه على البرنص الأبيض الذي ارتديته بعد خروجي من الحمام الساخن الطويل, بمجرد سماعي صافرة سيارة إسعاف, و لعلها كانت سيارة شرطة أو إطفاء, مرقت في الشارع سريعا, نظري مصوب نحو التلفاز المطفأ, لم يعد بإمكاني مشاهدة أي قناة إخبارية, كما أوصى الطبيب النفسي الوسيم, هادئ الأعصاب دوما, لا أدري أي جنون أو يأس ألقى بي على باب عيادته الأنيقة, بعد أن عجز طبيب الأعصاب عن حل ما يكمن في جسدي من ألغاز, كما لا أعرف أي قدرةٍ تواتيني على ترجمة كل ما أهجسه و ما يختلجني أمامه, أوَ كان سوف يكون الأمر أسهل لو أنه يتكلم ذات لغتي الأولى, لعلنا سوف نتمكن من التواصل أكثر عندئذِ, فلا أرى في عينيه تلك النظرة الجامدة, و لا في ملامح وجهه الباردة البلادة التي تكاد تدفعني إلى لكمه أحيانا, ربما أستطيع أن أسمع شيئا من تلك النبرة العصبية التي يطالبني بالتخفيف منها قدر استطاعتي, نزع فتيل الذكريات المتنامية داخل رأسي كخلايا سرطانية تزرعني في أرضٍ غادرتها منذ أعوام قبل الانفجار ...

 (( أنت هنا, هنا و لست هناك, لا الآن و لا قبل سنوات, أفهمت, مآسي حروبك قد مضت, و آن لك أن تحيا  في دنياك الجديدة التي كافحت للوصول إليها بسلام حقيقي, فدمارك لن يكسب بلدك شيئا )) ...

 كان يصوغ مقاطع كلماته و كأنه يلقن تلميذا بليدا درسا أعاد شرحه مرات و مرات, و القصف يواصل أزيزه في كل مكان, صياحٌ و عويل, تكتم الأنفاس رائحة اللحم المحترق, و دخان قانم السواد يحوم في السماء مثل إعصارٍ ساحق ...

 تساءلت عن عدد المحطات التي يتوجب علي المرور بها حتى أبلغ مدن الجحيم البعيدة, أحث جسدي على النهوض و البحث عن جواز السفر, شهادة ميلادي الثانية, احتفلت و هيلدا به في متنزهٍ واسع, كانت مشرقة و ضاجة بالأنوثة, افترشنا الحشيش الناعم, توارينا خلف جذع شجرة كبيرة, ثملنا, ارتوينا, أبصرت جنوننا النجوم, رغم تكَور بطنها, و سطوع قمر غاب عن تيهي و رفاقي في الصحاري المعتمة, و الطائرات تحلق على علوٍ منخفض فوقنا, ركلت خوذة أحدهم لدى هرولاتنا نحو قطعاتنا الخلفية, التي لم نجد لها من أثر, كانت تضم بقايا رأسه المهشمة فوق الرمال, لزوجة  الدماء لا تزال تندس بين أحشائي من حينٍ لآخر, كما لو أنها تتفجر بين قدميَ من جديد ..

 يفزعني من نومٍ خفيف متقطع, أشبه بسكرةٍ تطوِح العقل بين أراجيح الهذيان, لحنٌ يحمل لمحةً من شجن عالمي الآخر, رغم إخفاض صوت الهاتف إلى أقل درجة, تترامى الحروف من على شفتي يوسف ترامي قطع الثلج من فوق سفح جبل شديد الانحدار, يستنجد بضعفي حتى أطلب سيارة الإسعاف لوالدته .. وجدها مغشيا عليها, مزرقة الوجه, على أرض صالة الشقة التي انتقلا إليها, كما راح يخبرني في المستشفى, أمام غرفة فتح بابها الطبيب بعد أكثر من عشرة دقائق : تناول جرعة كبيرة من المخدرات التي يظهر أنها قد عادت إلى تعاطيها منذ شهر تقريبا ..

 هيلدا الجميلة في رقدتها شبه الملائكية على السرير, رغم شحوب وجهها و ما يستحوذ على جسدها الناعم من إعياء, رقيقة الروح إلى درجة قد توحي لك أنها لن تبارح طفولتها أبدا, رأسها الرقيقة اعتادت أن تتوسد صلابة كتفي العريض منذ سنوات, تغمض عينيها في صمتٍ يكاد يكتم صوت أنفاسها, تطلب مني الكلام, في أي موضوع, المهم أن تسكن خشونة صوتي أذنيها, يتكوَم جسدها في حجري, ذراعاها تتعلقان في رقبتي بقوة, تنفرج شفتاها عن ابتسامةٍ مطمئنة, حميم عناقنا يصهر جمود خلافاتنا و اختلافاتنا خلال لحظات من توقنا العميق ..

 انصرف و ذلك الصبي التعيس للجلوس في الطرقة, ظل ينقِل عينيه المحمرتين من طول السهر في هلعٍ و شدوه بين الغرفة التي ترقد فيها والدته فاقدة الوعي و عمق شرودي حتى عاود جسدي بعض اضطرابه, فلا أجد سبيلا غير النهوض من جانبه, علَ السير يمتص بعض انفعالات جسد يتلبسنى فجأة و يغادرني فجأة, تملي عليً تشنجاته جل تصرفاتي المنسلخة عن رجل جاوز منتصف عقده الرابع, ألتهم حبة مهدئ, دون ماء تعودت ابتلاعها, في حديقة المستشفى الخلفية يصعقني بردٌ قارس, رغم رفعي ياقة المعطف, كفايَ مدسوستان في جيبيه الجانبيينن, تتلمس أصابعي المتجمدة جواز السفر الذي كنت قد وضعته في أحدهما, ما أن عثرت عليه بين فوضى أحد الأدراج, و غلالة من ضباب الفجر الكثيف تلفني كشرنقةٍ تهيم بالأشياء من حولي ...

 


من سلسلة ليالي الأرق

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007