[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ظِل السَطوة ظِل السًطوة
التاريخ:  القراءات:(3893) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                      ظِـل  الـسَــطـوَة                                        


 


  بانتظار ذهاب أولادها إلى مدارسهم كان يقف خلف باب بيت أهله القريب من دارها, يضغط الجرس بقوة حتى تفتح له الباب الحديدي الموشم بالصدأ, ينسل إلى الداخل بسرعة, تحاول أن تطل برأسها على الشارع الخالي من المارة, فيشدها من جلبابها نحو المدخل الضيق, يستولى جسده عليها بذات قوة انفعالها, تتلوى بين ذراعيه, دون أن تعرف ما الذي ألم به بالضبط, يسمح لها بالابتعاد عن زفراته الحارة قليلا, فقط ليتأمل تلك البساطة الأليفة التي تبدو عليها, الشعر المنكوش, الجلباب البيتي المندى ببرودة الصباح الشتائي, العينين المنتفختين من أثر النوم, يدفعه لمعانقتها بجموحٍ أكثر ذلك الدفء المثير المنبعث من جسدها, و كأنها المرة الأولى التي تجمعهما فيها شقته الصغيرة ..


 اعتادت الذهاب إليها بحذر تلميذة تفر من مدرستها لملاقاة حبيبها الأول, في الوقت الذي يحدده هو دوما, و إن كانت تلك اللقاءات لا تتم عادةً إلا في النهار, عندما يتصل بالشركة التي عينها فيها, يجبرها على طلب إجازة من المدير الذي لا يستطيع أن يرفض لها طلبا, مهابةً له,  فإن أبدت أية ممانعة, ممزوجة بشيءٍ من الدلال, ينقلب إلى وحشٍ هائج يكاد صياحه يخرق أذنها, بل تتصور أن جميع الموظفين من حولها يتنصتون إلى تهديداته المفزعة المجنونة ...


 هناك ... و رغم كل شيء, تشعر بأنها إمرأة أخرى, وسط الأثاث الوثير, عالم كامل يفصلها عن تلك الجدران المثخنة بالرطوبة, لا تضجرها أصوات الجيران العالية أو زعيق الباعة المتجولين أو صياح الصبية في الشارع, يا ليتها تستطيع أن تطلب مساعدته في استئجار أو حتى شراء بيت لها و لأولادها, راودتها هذه الفكرة كثيرا, دون أن تمتلك الشجاعة بمفاتحته في الموضوع, حتى في أكثر أوقاتهما حميمية, و حواسها مشتتة بين عنفوان سطوة جسده عليها, نهمه الذي تظن أحيانا ألا سبيل لاروائه, و كأنه يود اختراق كل خلية فيها, بجسده ... بصراخه ... ببذاءة كلمات لا يجيبها سوى انكسار استسلامها الذي يستفزه أكثر و يزيده هياجا ...


 لا تعلم إن كانت تترنح بين ذراعيه أم تذهب محمولة إلى غرفتها الصغيرة, حال بقية غرف البيت متداعي البناء, و كيف جعلها تستوي على فراشها البارد منذ رحيل زوجها, قبل أربع سنوات, بلباسه الكاكي في ساعات الفجر الأولى, يحاول مغالبة هلعه بابتسامةٍ وديعة, تعودت إعلان خذلانها أمام كل شيء, كانت آخر ما حياها به ...


 تهم أخيرا بمغادرة الفراش, و لكنه يستبقيها بإصرارٍ شرس, ينهكها بقدر ما يلفح بقايا جذوة الشبق داخلها ... قوةٌ ساحرة, تعرف كيف تحيلها خلال لحظات من أم و امرأة تعتصرها الأحزان و الوحدة و الخوف من مقبلات الأيام إلى فتاة ضاجة بالحيوية و شذو الحياة, تلك الفتاة التي كان يسابق زوجها إليها دوما, حتى أوشك ذات مرة على اختطافها و إرغامها على الزواج منه, لولا الدورة التدريبية التي أرسل إليها مع إثنين من زملائه, و لما عاد من السفر تفاجأ بزواجها, بل حملها من غريمه و صديقه القديم, تتمرغ و إياه في بؤس تلك المنطقة الفقيرة, و الحياة المملة التي لا تتغير إلا نحو الأسوأ ... أما هو, فكانت الدنيا أمامه تتسع يوما بعد الآخر, مع كل مهمة يقوم بها, بأعصاب عمل على إفنائها منذ اليوم الأول لانضمامه للجهاز, قبل أن يتم السابعة عشرة من عمره ...


 لم تشأ سؤاله مجددا عن سبب مغامرته بالإتيان إلى دارها في ذلك الصباح البارد, رغم حرصهما على سرية علاقتهما, لآنها تعرف مدى الضيق الذي ينتابه من تكرار السؤال مرتين, رغم أن احمرار عينيه من أثر السهر و تناول الكحول و توتره الذي صارت تحس به جيدا, أخبراها بوجود شيء ما, شيء غامض يسيطر عليه, لا يتعلق فقط بمشاق العمل و مسؤولياته و مخاطره التي تظن أنها في تزايد مستمر ...


 كان يجب أن يمضيا الليلة الأولى هنا, في هذه الدار و على هذا الفراش الذي احتواها و زوجها البائس لسنوات, كان حريا به إجبارها على ذلك, إرغامها على إرسال الأولاد إلى بيت جدهم أو إلى أي مكانٍ آخر, كان لا بد أن تتردد شهقاتها الأولى بين تلك الجدران كالحة اللون ... هناك رغبة قوية تجبره على عدم مغادرة ذلك السرير المخلع, رأسها فوق صدره, كث الشعر كشاربه, لا تكاد تغمض عينيها حتى تعاود فتحهما, و كأنها تسمع رنين جرس الباب, يضغط عليه أحد أولادها, و قد عاد من مدرسته لأي سببٍ من الأسباب, تنازع توجساتها فرحةٌ غامرة, تؤكد لها أنها لديه ليست كأيٍ ممن يعرف من عشيقات يترددن على شقته, يستبحنَ خيالها كثيرا, بمواصفاتٍ متباينة تجبرها على عقد مقارنات كثيرة بينها و بينهن, دون أن تجرؤ على سؤاله عن أيٍ منهن, و كيف تعرف عليها و جعلها تذهب إلى شقته ...  لا يحاول إخفاء آثارهن عنها, بل لا يرضى أن تغير ملاءة الفراش المشبعة بروائحهنَ, و لما يلمح الدمع المترقرق في عينيها تنتابه نوبة ضحك عاتية, تخيفها منه أكثر فأكثر ...


 تتركه يغط في غفوةٍ سريعة لتنسل من الفراش في نشوة عروس أمضت أجمل ليلة زفاف يمكن أن تتمناها فتاة, أليست زوجته بالفعل, طلبت منه ذلك بعد تردد, ثم  سارعت من تدفق كلماتها مغالبةً مقاطعته الهادرة ...


 (( و لو زواجا عرفيا )) فقط لكي لا تبدو أمام نفسها كعاهرة رخيصة ... توقعت أن يثور صارخا بوجهها, يسمعها أغلظ الكلام, وربما يفتح باب السيارة و يأمرها بالنزول, كما قد يفعل مع إحدى العاهرات فعلا حينما لا يصل معها إلى اتفاق على السعر الذي تطلبه, أو أن يهددها بقدرته على الوصول إليها, حتى في غرفة نومها, دون أن يتمكن أحد من التصدي له ... لكنه فاجأها بضحكةٍ عصبية طويلة, أعقبتها موافقة سريعة أثارت استغرابها أكثر من أي شيء, بل إنه جعل أحد الشيوخ يعقد قرانهما, دون أن يعرف عنهما سوى إسميهما الثلاثيين ...


 ظلت تسكب الماء الدافئ على جسدها, حتى غزا كل ذرةٍ فيه, عيناه ترقبانها من كل زاوية في الحمام, كما تفعلان في غرفة نومها و كل أرجاء الدار باستمرار, أذناه تصغيان إلى كل كلمة تقولها أو يقولها أولادها, تكاد تطلب منهم الصمت أحيانا لئلا يثيروا غضبه بضوضائهم, تهجس أنه يتنصت على أفكارها أيضا, و ربما ذلك ما دفعه إلى انتظارها بسيارته عند ناصية الشارع العام, لدى ذهابها إلى المعمل القريب الذي كانت تعمل فيه, تلاحقها هناك عيون صاحبه و ولده و تحرشاتهما المستمرة, عرض عليها إيصالها و كأنه يبلغها أمرا لا مجال أمامها للاعتراض عليه, أوقف السيارة في مكان منزوٍ عن العيون, ثم راح يرمقها طويلا, أبدت مفاجأة لم تستطع إقناعه بها عندما أخبرها بكل وضوح, و دون مقدمات, بأنه لا يزال يحبها و يريدها, فيما ودت الارتماء على صدره, كطفلةٍ تود أن تحظى بالأمان بين أحضان والدها ...


 كانت تترقب باستمرار حضوره إلى بيت أهله الفارغ, أبقى عليه فقط ليمضي فيه بعض الليالي, أو ليستقبل أصحابه بين الحين و الآخر, تفرض هيئاتهم و سياراتهم مظللة الزجاج رهبتها الشديدة على الكبار قبل الصغار, بعد أن اشترى دارا جديدة, واسعة و أنيقة, ذات واجهة مرمرية, في ذات المنطقة, كما أصرت والدته كنايةً بجاراتها ... تقف أحيانا أمام باب بيتها, تنتظر دخوله أو خروجه المتعجل, تتمنى أن يلمح غنج ابتسامتها و لمعان عينيها الذي كانت تخنقة الدموع عادة فور دخولها المنزل, لتصب جام سخطها على أولادها و حياتها البائسة التي خلفها لها زوجها ... رغبةٌ مجنونة كانت تزداد عبثا بجسدها و تفكيرها يوما تلو الآخر, تحدت ذات ليلة كل القلق الكامن فيها, فذهبت متلجلجة السير عبر الشارع إلى داره بحجة السؤال عما يستطيع فعله بخصوص ابن جارتها الذي قبض عليه رجال الأمن من غير أن تعرف الأم, دائمة النحيب, شيئا عن سبب الاعتقال أو المكان الذي حبسوه فيه, ضغطت على الجرس مرتين فقط, لم يفتح لها الباب, فعادت مهرولة إلى دارها, صافقةً الباب وراءها, تسأل نفسها عما كان سوف يحدث لو أنه قد فتح لها ذلك الباب و دعاها للدخول, غطت كفاها فتحة صدرها التي تصل حتى منبته تقريبا, و كأن هناك من يحاول أن يمزع من عليها ذات الفستان البسيط الذي كان يضفي عليها إغراءً متوهج ينسي زوجها كل شقائه و فقر الحال الملازمين له على الدوام ...


 يعاودها التساؤل من جديد إن كان قد بدأ بالتلصص عليهما منذ ذلك الوقت, بذات بحلقة عيني زوجها في عريها بين أحضانه .. لا تدري لمَ صارت تفكر به كلما ذهبت إلى تلك الشقة, حتى أنها باتت تخشى أن يفطن رجل المخابرات الصارم في كل شيء إلى ذلك, فتثور ثائرته التي لا تحمد عقباها ... و قد تشطح خيالاتها إلى مبادلة دوريهما في حياتها, هل كان كل منهما سوف يفكر و يتصرف بذات طريقة الآخر معهما ؟ ...


 تكتم ضحكاتها ما أن تتصور ذلك الزوج و الأب الحنون, و الذي كان لا يحتمل أن يناما متخاصمين ليلة واحدة, متغاضيا عن عصبيتها و تذمرها الدائم من قلة المال, حتى بعد رضوخه لإصرارها على ترك بيت أهله و استئجار هذه الدار, رغم توجسه من الجيرة الجديدة, قد أمتلك كل ذلك الجبروت الطاغي, تضيق منه و تحنق عليه بمرارة تعتصر قلبها, و تعشقه بلهفة تسري بكل كيانها في آنٍ واحد ...


 انتهت أخيرا من اغتسالها الطويل, باستمتاع لم تشعر به منذ أمدٍ بعيد, تكاد تتقافز على رؤوس أصابع قدميها بخفةٍ و دلال فوق البلاط البارد المضعضع نحو غرفة النوم, الماء يقطر من شعرها, يبهت كل شيء فيها لدى جلوسها أمام مرآة التسريحة المواجهة للفراش الخالي, و كأنه لم يأتِ أصلا, و ما كان ذلك غير حلم من أحلام شبقية أدمنت شقاءها العذب منذ ولوجه حياتها ...


 غادر سريعا, دون أن يعبأ بمراقبة الطريق قبل خروجه من الدار, و كأن هناك من دعاه للعودة إلى بيته, يرتمي على سريره الفخم, تعتري بدنه ارتعاشة الليالي الماضية التي قضاها في تلك الزنزانة الباردة, قليلة التهوية, ضيقها لا يسمح له بفرد جسده, بين حينٍ و آخر يُدلق عليه جردل ماء بارد, كما أمر مسؤوله بمعاقبته لعدم تحريه الدقة المطلوبة منه في تنفيذ آخر عملية تم تكليفه بها ...


                         .......................................

 

                                                             12 ـ 3 ـ 2008 عَمان           

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007