[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
تَحَديات تَحَديات
التاريخ:  القراءات:(4041) قراءة  التعليقات:(21) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                         تَـحَـديات


                                    ـ قصة قصيرة ـ                             


 


 لا يدرك كم من الوقت مضى على ولوج أشعة الشمس الساطعة عمق غرفته, بين فتح جفنيه المتثاقلين و إسدالهما يجذو في عينيه صفاء وجهها الخمري, تطل عليه من الباب بابتسامة مداعبة تحثه على الاستيقاظ : إنهض يا كسلان, يوم الإجازة يمر بسرعة ...


 يغط في إغفاءةٍ جديدة, لا يمحو ذبالة نعاسها عن عينيه عادة سوى صوت دخولها شقته الصغيرة, بسيطة الإيجار, تركها له أحد أصدقائه, بأثاثها المتواضع القديم, لدى رحيله إلى إحدى البلاد البعيدة, طلبت منه مفتاحها بعد فترة من لقائهما بعفوية بريئة ذكرته بإلحاح والدته عليه و إخوته باحتفاظ كل منهم بنسخة خاصة به : لن أعمل لدى حضراتكم بوابا على آخر الزمن ...


 مزيج المزاح و الغضب ذاته يوسم تصرفاتها منذ التقاها في مكتب المحامي الذي كانت تعمل سكرتيرة لديه, استدل عليه عند مهاتفته لها, كانت تتصل بوالدته بين الحين و الآخر, تطمئن كل منهما على أخبار الأخرى في اشتياقٍ شديد, لم تنقطع عن زياراتهم حتى جاءت ليلة سفرها وزوجها, تحاضنتا بشدة, يضمهما نشيجٍ حارق, بدا المشهد كوداع إبنة لأمها الحنون لا لإحدى فريبات والدتها المتوفاة, استقبلته بفرحةٍ تتراقص في عينيها النجلاوين, شدت على يده بحرارة بعاد السنوات الأربع الماضية , هفت بصدرها نحوه, ثم ما لبثت أن تراجعت خطوتين فجأة, و كأن هناك من شدها إلى الوراء, تجمعت الدموع في حدقتيها بسرعة غريبة, دموع ألف ترقرقاتها فيما بعد, لا تحسن مواراتها أمامه بالتهكم اللاذع من كل رجال الأرض, دون استثناء, مداعبة نبض الرجولة داخله بمكرٍ, أو ربما لا مبالاة, قد يظنها محاولة لاستفزازه و من ثم جرجرته نحو المشاكسة المعهودة بين المرأة و الرجل, ظلال أفكار يتقهقر فيؤها عنه بسرعة أمام زحف شمس شرسة الوغزات, تثقل سمرة وجهه بتكشيرة مرة, أما زالت تحسبه ذلك الصبي أو المراهق الذي اعتادت ممازحته كأخٍ صغير لا تنفك عن مناداته بإسم تدليله الخاص, تحثه على محادثتها عن قصة حبه الوحيدة ...


 أين أمست الآن, و كم استمرت علاقتكما ... ألا تعرف عنها شيئا حقا منذ تخرجكما ... هههه ... و كأننا لا ندخل الكليات إلا لننخرط في سلسلة من الأوهام, مجرد خداع, حتى لو اتممناه بالزواج, صدقني ...


 تزفر حسرة كبرى, ثم تتمطى بقوة كمن استيقظت من النوم لتوها, تهز رأسها بسرعة, خصل شعرها الشاردة تتطوح أمامه كمروحة من حرير, يرجوها عدم التوقف ...


 يتفحص شاشة المحمول كل عدة دقائق ثم يضعه على الطاولة في تذمر شرس, يهمل قدح الشاي و يلقي بقطعة المعجنات التي في يده, يحذوه الشوق لاقتفاء أثر شعرة تكون قد سقطت من رأسها على مسند الكنبة أو كرسيها المفضل في الصالة, يسطو عليه شرودها الطويل, يأخذه الغيظ من عدم قدرتها على اختراق دائرة اللهب المحتجزة داخلها, كم من الليالي أوقضتها الكوابيس فزعة باكية في غرفتها الصغيرة, ذات الحلم يتكرر مرة أو مرتين في الأسبوع, يغتصبها ... يمعن في اغتصابها بوحشية قاسية, تحوطهما أفواهُ فاغرة و عيونُ ذئبية توشك أن تتحول إلى آبارٍ عميقة, تتنافس على ابتلاعها و عويلها غير المنقطع ...


 يفكر في الخروج سريعا من صومعةٍ لم تعد له طاقة على احتمال جمودها الخانق, و لكنه يكتشف عجزه عن تغيير ملابسه حتى دون أن يجدها قريبة منه, يشعر بحركتها المستمرة بين الصالة و المطبخ, يسمع مهاتفتها لإحدى صديقاتها, يستأنس بثرثرتها و ضحكات يتمنى لو أنها تخرج من القلب حقا, صوت قداحتها و هي تشعل سيجارتها الرفيعة الطويلة, يحرص دوما على أناقة هندامه أمامها, حتى لو أمضيا جل النهار في الشقة, تطبخ له أكثر الأكلات التي افتقدها منذ يوم رحيله عن بيت أهله, تحمل ذات نكهة طعام أمه الشهي, ينتشي بدفء أيديها عند كل لقمة يتناولها, يلوكها على مهل, و كأنه يتنغم بجملة موسيقية عذبة اللحن, يحتسيان الشاي المهيَل أمام التلفاز, يسترسلان  في ذكريات شتى تدحرجهما ناحية الغرب, دون جواز سفر, تحضر جلستهما العوائل و عوائل العوائل, تشد انتباهه معرفتها الغزيرة بأقارب لم يعرف عن بعضهم سوى أسماءهم, تحكي له عن صلة النسب بين فلان و فلان, و عن تسلسل الأجيال بإسهاب لا تمله الجدة العجوز حتى يباغته النعاس أحيانا, عندئذِ تزغد كتفه أو تقرصه من ساعده فينتفض من مكانه كتلميذٍ أيقظه معلمه من غفوة مباغتة أثناء الدرس ...


 في المساء يجوبان أحد المجمعات التجارية, يتسكعان بين المحال في دهشة من روعة المعروضات و سخرية من لهيب أسعارها, فيقنعان أخبرا بتذكرتي سينما يخرجان منها منتشيين بغبطةٍ تحفزهما لسير طويل من منطقة إلى أخرى, رغم توفر ثمن سيارة السرفيس أو حتى الأجرة, تمتد أمامهما الشوارع امتداد أحاديث لا يعلمان من أين يأتيان بها, قد يجلسان لبعض الوقت على هذه المصطبة أو تلك دون حساب للوقت أو المسافة المتبقية على الشارع المفضي إلى العمارة العتيقة حيث تتشارك و رفيقة لها السكن في إحدى شققها, لم تعد تطلب منه الانصراف عند أقرب مفترق يودى به إلى حيث يسكن وحيدا, فلن تلقى منه سوى الرفض التام, لا يمكن أنها لم تهجس أمنيته بإمضاء أطول وقت ممكن برفقتها, مرهقا ... لا من السير الطويل, بل من ذلك العصب الثائر فيه, يشده للاقتراب منها أكثر, يتحير في صياغة كلمات يريدها أن تكون كقطعة مخمل تواري لجلجة دفقات قلبه, يخاف أن تحرضها على الاختفاء تماما من جانبه, من كل حياته في لمح البصر ...


 كانت تمشي معه طويلا أيضا, ترضخ لحرصه على توفير كل دينار من مدخرات و ثمن كل ما امتلكه أيٌ منهما في بغداد, بما فيه مساغها ...


 (هناك سنعوض كل شيء, كل ما حرمنا منه, لا تفكري في اليوم أو الغد, أنا أحلم فيما بعد ذلك بكثير, مستقبلنا و مستقبل أولادنا يا حبيبتي أهم من كل شيء)


 أفاقت برأسٍ مصدَعة, تلتف بالبطانية, ملابسها التي نزعتها لدى دخولهما الغرفة ما تزال ملقاة إلى جانب السرير, تصل أصابعها النحيلة إلى أوراق عدة فوق وسادته, لا تميزها إلا بعد نبذ النعاس عن عينيها, تتلمس رزمة من النقود انزلقت عن ورقة مطوية ملساء, يختتم عباراتها البلهاء بوداع مؤقت, أزاحت عن صدرها البطانية المقرفة بما تحفظه من بقايا رائحته, نظرت إلى نهديها المتدليين في وجوم لا يمكن لشيء اختراقه سوى ضحكة طويلة بلهاء لعاهرة التقطها من قارعة الطريق ...


 (لم أجد حلا غير هذا يا حبيبتي, صدقيني, بعد رفض طلب لجوئنا مرة تلو الأخرى ... كل مدخراتنا لا تكفي لتهريبنا نحن الإثنين, بالإضافة إلى هول المخاطر التي لم أشأ تعريضك لها ... أعلم أنك لن تقتنعي بشيء من مبرراتي بسهولة, و لكن ثقي أني بمجرد استقراري بمكان أرتب وضعي فيه جيدا سوف أرسل إليكِ لننعم بالأمان التام بقية حياتنا) ...


ـ قل لي بربك, كيف يستطيع الإنسان التمتع بالأمان التام ؟ ...


فاجأته بسؤالها, فلم يأتِ بإجابةٍ يعرف أنها لن تمانع في محاججتها طويلا, ربما تتخللها سخرية تستفز هزيم الرعد المدَوي في صدره ...


 توقفت سيارة الأجرة و لم تزل مسافة غير قليله تفصله عن مسكنه, أراد السير هوينا, غير مبالٍ ببرد الصبح القارس, و قرص الشمس يطل في الأفق من ذات الجهة المحتومة, تتفرق تحت جنحه الغيوم, لسعات أشعته المتنامية تلدغ قطرات الندى العالقة كنجيمات بأوراق الأشجار التي تأبى الرحيل إلى أي مكان, مرت السيارة به من أمام باب الفندق الفخم, تعلو واجهته صورة كبيرة لكاظم الساهر, شدو صوته كان يتطاير مساءً في أرجاء قاعته الكبرى المدفأة, أمام الرجال ملمتعي الشعر, ببذلاتهم الأنيقة باهظة الثمن, و الفتيات و النساء بتبرجهن و تلامع فساتينهن الخاطفة للأنظار, عمل خلال أسبوعين بكدٍ لم يعهده منذ مجيئه إلى عَمان, استدان من صاحب المحل الذي يعمل فيه و بعض أصحابه ما استطاع من نقود, فلم يفلح بجمع ثمن بطاقتين تسمح لهما يالدخول إلى حفل الساهر, كان يعرف مدى حبها لأغانيه, رغم غورها في ميادين العشق الجميل, تمنى أن تحيي أمسيتهما الوداعية, إن لم تستطع أن تحمل إليها بقايا رجاءٍ يثنيها عن السفر إلى أخيها في الإمارات, خبر باغتته به منذ يومين فقط, بنبرة و تعبير وجه حياديين إلى حد البرود, يخفيان سؤال ألح عليها عن أي ردة فعل جمدت في جليد وجوم ذات العجز الذي تملكه قبل تخرجه من الجامعة...


 بين خطوة و أخرى يرتجف إصبعه فوق زر الاتصال, ثم يعدل عن ذلك, الهاتف يواصل الترنح بين جيب بنطاله و تشنج كفه المحمر بارز العروق, العرق البارد يتفصد عن جبينه منذ ابتعاد خطواتها عنه, لم يصغِ لاعتراضها على إيصالها إلى المطار, انتظرها في سيارة الأجرة أمام باب العمارة, لم تفلح كلمة في مغادرة شفاههما أثناء الطريق, رغم إصغائه لاختناق عبراتها المتفرقة و رؤيته امتقاع وجهها الحاد عبر المرآة الجانبية, أي قدرة واتته على مواشكة شغفه و صلابته أمامها لحظة الوداع الشاحبة ... شكٌ أم يقين داخله, يفشي سر مغالبتها رغبة العودة معه, لا يدري, كما لم يدرِ شيئا عن صديق أخيها القديم, واسع الثراء, و سرعة موافقتها على الاقتران به ...

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007