[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
كوخ عثمان 
التاريخ:  القراءات:(7127) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  

تصافح القائدان بحرارة، تنعكس الفلاشات على الخدود السمراء، والأسنان الضاحكة، فرحة عارمة لمواطني البلدين، ومظاهرات ابتهاج بسلامٍ يتحقَّق بعد صراع حدودي طويل، لم يسفر عن انتصارٍ حاسم لأحد البلدين. ما زلتُ أعيش شبح الحرب برغم السلام، والاتفاقيات الموقَّعة، والضحكات المتبادلة، والعناق الحار.

منذ حُشِدتْ قواتنا على الحدود، كنتُ في الصفِّ الأول، رغماً عني، والذعر يفتتُ أوصالي، تزداد المخاطر التي تحدق بي كلَّ يوم؛ فصاروخ من الطائرة التي تحوم فوقنا كافٍ ليحول أجسادنا إلى أشلاء، أو لغمٌ مزروع يكفي ليحيلني إلى شيءٍ كان هنا، بل إن رصاصةً طائشة كافيةٌ لأكون قتيلاً أو أسيراً لدى الأعداء.

عثمان يصرخ وهو يراني أتراجع جهة المغارة: أطلق النار.. أطلق النار. أطلق النار يا جبان، وإلا قتلتك..

كنتُ أعرف أن عثمان لن يقتلني، فكرتُ بقتله كي لا يطلق النار جهة الأعداء، فيدلَّهم علينا، ولكنه بادر بقوله: إما أن تطلق النار أو تنسحب يا جبان. اعتبرتُ كلامه إذناً بالانسحاب وبدأت التراجع جهة المغارة التي  قضيتُ فيها شهوراً، أتوسَّدُ بعض ملابسي العسكرية وأنام نوماً قلقاً متقطعاً، فيما ينام عثمان على باب المغارة نوماً عميقاً كأنما هو على فراشه في كوخه البائس، الذي يشاركه فيه خمسةُ أطفال وزوجته وأُمُّه، وبقرتها، وعددٌ من الدجاج والبط والأوز.

          يبدو أني لم أصل المغارة، فقد أفقت في المستشفى بعد أسابيع، لأجد رأسي مضمداً، والشاش الأبيض يغطي يدي اليسرى، وقدميَّ. تذكرتُ الغارة والطائرة التي كانت تحوم فوقنا، وعثمان يصوِّب بندقيته جهتها، ترى أين عثمان الآن؟ لازمني هذا السؤال منذُ أفقتُ، ولكن لا أحد يملك الإجابة.

عند خروجي متوكأً على عكازٍ قديم منحني إياه المستشفى، اتجهتُ إلى الكوخ الذي تسكنُ فيه أسرة عثمان، لم أعثر لديهم على جواب، غير أني قلَّبتُ مواجعهم، وجددتُ حزنهم على عثمان، فهم يعتقدون أنه قتيلٌ أو أسير، طمأنتهم أنه بطل والأبطال لا يموتون، كما كان يقول قائد فرقتنا. اقترحتْ أم عثمان أن أنتظره معهم، راقت لي الفكرة، وقررت أن أقيم معهم ريثما يعود عثمان، فليس لي كوخ أو فراش خارج المعسكر الذي كان يؤيني.

منذ اندلاع الحرب انقطع ولدا عثمان عن الدراسة للعمل في مصنع الفحم على مشارف البلدة، ينقلان مع عشرات الأطفال القوالب المعبأة بالفحم،، يُقدَّم لهم هناك الفطور والغداء مجاناً، ويتقاضون كلَّ يوم ما يكفي لعشاء أسرهم.

          مرَّت شهور وأنا أتسكَّع بين الأكواخ، وأجلس ساعات كلَّ يوم في المقهى أشرب ما يمنحني إياه بعض جلسائي في المقهى من شاي وكولا وقهوة وسجائر، وغير ذلك، مقابل ما يسمعونه من حكايات الحرب التي أحكيها لهم، إذا أُغلق المقهى، عدتُ إلى كوخ عثمان، فأجد الباب موارباً فأنام على فراشه الذي اعتادَ جنبي عليه، وطابت لي الحياة في كوخه، بمرور الأيام تحول انتظاري إلى توجُّسٍ وترقُّبٍ لعودته، فقد ألفتُ هذه الحياة، والكوخ لا يتسع إلا لأحدنا.

          بعد موت أم عثمان صرتُ أعتني ببقرتها وأوزع الحليب على الأكواخ المجاورة، كما كانت تفعل، يصحبني أحد أولاد عثمان، بينما تعتني زوجته بالبط والدجاج، وتبيع البيض للجيران، وتساعد النساء في أعمالهن المنزلية مقابل القليل من الطعام. مضى عامان دون أن يأتي عثمان، لا بُدَّ أنَّ تلك الغارة قد قضت عليه، ولكن ما زالت عودته هاجساً لا يفارقني، زاد قلقي لعودة أحد المفقودين في قريةٍ مجاورة.

          ترددتُ قبل أن أطلب من زوجة عثمان الزواج، ولكنها فاجأتني بالموافقة على الفور، يبدو أنها كانت تشاركني الرغبة التي تشتعل داخلي منذ زمن. تأمَّن لي بالإضافة إلى السكن والطعام الحضن الدافئ، الذي حلمتُ به كثيراًً، ومنعني من البوح خوفي أن تطردني من الكوخ.

تحقق حلمي غير أن شبح عثمان يطاردني، أشعر أنه ينظر إلي من مكانٍ ما، فيبدِّد علي متعتي، يقض ترقُّبه مضجعي،كلُّ الناس يبتهجون بالسلام، أما أنا فما زالت معركتي مع شبح عثمان قائمة، إذا انتصر شبحه وعاد فستبدأ معركتي الأخرى الخاسرة مع الحياة، سأخوضها خارج الكوخ، كالكلب الضال، عندها سأخسر كلَّ شيء. لو أنِّي قتلتُ عثمان لكنت الآن مطمئناً ألا أحد ينتزع مني زوجتي، أو يخرجني من مسكني، ويعيدني إلى التشرد أو المعسكر.

يمطرنا التلفزيون بتقارير عن اتفاقية السلام، والانتصارات التي حُقِقَتْ في ساحات المعارك، وما تكبده الجانبان من خسائر، تقترب الكاميرا من المغارة التي كانت تؤيني، أجل هذه هي! قريباً منها تركِّز الصورة على ملابس جندي تحوي هيكله الممدد على الأرض،  يتساءل المذيع وهو يتأمَّل الهيكل: ترى أهذا الجندي من جنودنا الأبطال الذين قضوا نحبهم دفاعاً عن تراب الوطن، أم هو من جنود العدو لقي حتفه على يد رجالنا البواسل؟! لا أحد يستطيع الجزم فلم يبق ما يشير إلى هويته! ختم المذيعُ تقريره، أما أنا فتمددتُ على فراش عثمان وأنا أشعر ببرد السلام يعم البلاد، ويتسلل إلى صدري.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007