[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الأيام القادمة 
التاريخ:  القراءات:(12167) قراءة  التعليقات:(25) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

الأيام القادمة


لوح لي أخي الكبير،و هو يقف أمام بيتنا الطيني الواقع في طرف المدينة : خذ السيارة ، و هات لنا الماء !


 ركبت السيارة،و ذهبت إلى البئر القريب . تفاجأت بأن سيارته متوقفة هناك. تساءلت لماذا ؟ كان عامل البئر ضجراً . قال إن المكينة متعطلة. قلت هل بالبركة شيء ؟ قال :  المياه فيها وسخة. كان رجل يقف بقربنا بشاربه المعقوف،وبدلته الصوفية، تقدم و أطلّ في البئر ، و قال لي  : أيها الشاب، المياه في البئر موجودة  . انظر !. كانت المياه تملأ قاع البئر . شعرت بصفائها وبرودتها . التفتنا إلى العامل . فمشى بعصبية وهو يؤشر بيده إلى المكينة .. كانت الزيوت تلطخها من كل جانب . حاول إدارتها ولم يفلح .. فأخذ يصرخ متذمراً .. ويقول : إن صاحب البئر قد وضعها هنا  منذ سنوات .. و هو لا يأبه. إنه لا يأتي هنا .. قال الرجل ذو الشارب :  لديه بئر ماء في بيته ! . كنت على حافة البئر فقال : انتبه . قلت سأذهب إلى البئر الأخرى، و أشرت إلى سياج قريب . قال الرجل : لا تستطيع فهي مسيجة وصاحبها يقول إن الماء فيها مالح ! . ابتسم و بانت أسنانه المثلمة من تحت شاربه وهو يقول : حتى لا يلح الناس . ثم أضاف ممتعضا : لكن من أين يشرب الناس ؟! ثم أضاف بأسى : حتى الماء نشتريه!. قمت يائساً ، ومشيت بالسيارة الصغيرة التي أخذت تهتز ،و كأنها ستتوقف. نظرت إلى عداد الوقود كان في منتصفه . ربما مكينتها مستهلكة . أخيراً وصلت إلى قرب المنزل . كان أخي الكبير يقف مبتسماً ! هزّ رأسه وقال : ألم أقل لك أنه لا يوجد ماء !! ..قلت أنت قلت لي هات لنا ماء !! .. لوح بيده عالياً و أخذ ينظر إلى جهة البئر وكأنه يراقبه . تساءلت لماذا ؟ . ثم نزلت من السيارة ، وتوجهت إلى بيت صديقي عبده .دخلت الباب الصغير المفتوح و رأيت خاله الأعور يجلس على بساط صغير ، بجانبه سرير نوم مفرد و نظيف . قال عبده هامسا : خالي أعمى . وعينه هذه التي تراها مفتوحة لا يرى بها منذ سنوات . امتعض وهو يشير إلى عينيه ، و قال لقد انطفأ ضوئي أنا أيضاً . هل تأخذني في نزهة . ركبنا دراجتي الهوائية . كان يجلس خلفي وقد تشبث برقبتي . مررنا بشارع صغير مترب ، ثم فضاء تكدست فيه الكثير من بيوت الشعر والخيام و العشش . ثمة سيارات شرطة كثيرة . ورجال ونساء يحاججون سائق جرافة البلدية وهو يهم بهدم عشة .. كانت الضوضاء كبيرة ، والغبار يلف المكان .سمعت كلمة الحكومة تتردد . رأيت قبضات الرجال ترتفع وتنزل .. أطفال كثيرون يقفون في مداخل بيوت الشعر وكأنهم ينتظرون حافلة المدرسة . أحس بتوتر عبده و هو يقول صف لي كل شيء .. قلت له هنا زحمة كبيرة ، وجرافة وسيارات شرطة . قال لابد أنهم لم يجدوا مكانا يسكنون فيه غير هذه الأرض . هل هنا أسيجة ؟ قلت نعم : قال هذه أرض مملوكة . ثم أطلق آهته الممدودة التي يقولها عندما يحزن . لاحت بساتين نخيل . مشينا بالقرب من مجرى ماء جاف وكدنا نصطدم بنخلتين أختين نبتت بينهما شجرة سدر ضخمة ارتفعت أغصانها عاليا . قرعت جرس الدراجة، فطارت عصافير كثيرة مذعورة . أوقفت الدراجة . قال عبده إنه يشم رائحة نخلة . فك رقبتي ونزل ماداً يده ، كاد أن يسقط و رجله تصطدم بحجر . أخيراً قبض على جذع  النخلة ،أحاطه بساعديه الصغيرين. كان منظر ظهره يوحي بطبقات من الحزن والبكاء . ركضت إليه ، ونظرت في وجهه.رأيت قطرات دمع صغيرة منحدرة من عينيه . فككت اشتباكه بالنخلة ، وعانقته .  قال صف لي كل شيء،  فسأكتب كل هذا . قال ذلك و وجهه يختلج ، وشفتاه ترتعشان . ضرب الأرض بقوة وهو يقول : هؤلاء .. ثم صمت طويلا  وهو يؤشر بسبابته إلى جهة غامضة في المدينة .... غدا لن ترى شيئا أخضر . ثم أطلق آهته الممدودة .. و أخذ يئن ، أمسكت بيده و أنا أشعر بأن صدري يضيق .. كنت حزيناً وحائراً . قدته على مهل إلى الدراجة .ارتفع ـ من بعيد ـ مكبر صوت ينادينا. عودوا .. رأيت  أخي الكبير يلوح بيده من فوق تلة مقابلة ، كان يقف بجانب سيارات الشرطة التي تشع أضواؤها. أشار أن ننحدر عبر المزرعة لنصل أسرع . قال عبده لو تعيدني إلى البيت . قلت : سنعود لكن الشرطة ينتظروننا الآن !. قال : قل لهم إني كاتب ، وقد حصلت على عدة جوائز ! لا تقل لهم إني أعمى . قل : إنه مريض ! مرقنا بين النخيل حتى توقفنا بجانب السيارات . تقدم رجل وحياني قائلا : ما هذا الشيب في لحيتك . لِمَ لَمْ تحلقها ؟ هززت رأسي وقلت : هل تعرفني ؟ قال : نعم ، أنت الذي كنت تعمل في المكتب . لقد زرناكم قبل خمسة عشر سنة . قلت : و ماذا تريد ؟ قال : ستذهب معنا إلى المكتب لتوقيع إقرار بأنه لا يوجد مخلفات ضارة !!. قلت: ولكنني كنت موظفاً فقط ، وقد عملت فيه سنة ، ثم انتقلت إلى مكتب آخر . قال : ولو .. ألم تعمل في المكتب ؟ لقد كنت تدخل فيه وتخرج منه سنة كاملة ! إذاً عليك الذهاب والتوقيع. ثم أمسك بيدي  . كان أخي الكبير يقف ملاصقاً لي . لكز خاصرتي بكوعه ، وهو يرخي مكبر الصوت من يده قائلاً من خلف بسمة غامضة : وَقّع ! هذا روتين؛ فلن يحصل شيء ! سألته بهمس : هل حصل شيء؟!. قال : يجوبون المدن الآن لأخذ تواقيع كل من عمل في المكاتب . إنه روتين احتياطي !! قال ذلك و ابتسامته تتسع ، لاحظت أنه يوجهها إلى الرجل الذي يمسك بي .قاد أحد الرجال عبده إلى سيارة .فقلت بصوت مرتفع  : اتركوه فلا علاقة له بالأمر . إنه مجرد كاتب . ضحك الرجل الذي يقوده ، وقال :  ألم يكتب عن المكاتب ؟ . نحن نعرفه !. رأيت عبده يلتفت إلي باسما ويغمز بعينه التي لا يرى فيها .ركبت في سيارة أخرى مع الرجل الذي سأل عن لحيتي ، وانطلقنا . مررنا بجرافة البلدية وقد اختلط هديرها بأعمدة الغبار . وبالقرب بيتنا كان يقف رجل يشبه أخي الكبير ، ملوحا لنا بيده . وقد اتسعت ابتسامته الغامضة التي لاحظت أنه يوجهها إلى سيارات الشرطة المتوقفة بالقرب من البئر.


 


 

‏10‏/04‏/2009 الدمام

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007