[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ليلة في اليونان! ليلة في اليونان!
التاريخ:  القراءات:(6343) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الله زايد  

 

ليلة في اليونان!

 

لكن لماذا أنا هنا في غرفتي أجول فيها ولا أنام .. لعل حادثة هذا المساء قد  أثرت في نفسي .. نعم انه الطفل  الصغير الذي  كان يعمل  جرصونا في المطعم  البحري .. صورته وبرائته لا يمكن ان تغادر ذهني .. ولو ظللت هنا سأظل اجتر هذه الأفكار حتى الصباح.. لقد  اقتربت من الشرفة في الفندق الجميل .. كانت تطل على البحر  .. الهواء كان  منعش جدا .. لقد  قامت بحجزها  ساره .. إنها  تحض باحترام  هنا .. لعل  لكونها إيطالية .. هي  عربية الأب  إيطالية ألام  .. تحن لوطنها  الأصلي ..  لكنها تحب  ايطاليتها ..  لقد حصلت على  هذه الغرفة  بسعر رمزي  وبخس.. إنها  تعمل في التلفزيون  المحلي  الإيطالي .. وقد وعدتهم  أنها ستحضر  لعمل برنامج  عن اليونان .. وأنها  ستبرز هذا الفندق الأثرى خلال الريبورتاج  التلفزيوني .. كنت  عندها قد وصلت  لباحة البهو  في الفندق ..  حيث فاجأني  أحد العاملين  في الفندق :  سيدي وهو  مبتسما .. أشرت له بلا .. انه  يسألني إذا  كنت ارغب أن يقوم بإيقاف تاكسي .. خرجت للشارع الممتد .. وقطعته نحو الضفعه الأخرى .. كان هناك البحر .. ظللت أسير بجواره .. تعصف بي الأفكار .. كمد وجزر .. كأمواج كبيرة وأخرى صغيرة .. كان الجو منعش والهواء بارد باستحياء .. وصوت البحر .كأنه سيمفونية عجيبة لم تعزف قط .. توقفت عند الباب الخشبي للمطعم البحري .. الذي قادتني إليه الخطى مرة أخرى .. دلفت إليه .. إنني احب عصير الليمون .. كنت بحاجة له.. لعله يخفف توتري وتعبي وسهادي .. كان المطعم خاليا .. إلا من رجل وبصحبته امرأه شقراء يجلسون على الطاولة التي كنت أجلسها أنا وسارة وعبير في الساعات الأولى من هذا المساء .. كان الرجل محتد جدا والمرأه ترد عليه بحده اكبر .. ضحكت ..قلت في نفسي في الغد سأقوم بشراء هذه الطاولة ورميها في البحر .. إنها شؤم على المحبين !..

 

اقترب مني أحد العاملين وقال بلغة عربية مكسرة .. إن الذي يزورنا لابد أن يعود لنا .. لكننا لم نتوقع بهذه السرعة .. ضحكت وسرت خلفه .. حيث مضى بي نحو البحر مباشرة .. ادرك جميع من في هذا المطعم أنني اعشق البحر .. بعدما حدث في بداية هذا المساء !.. جلست هناك .. وطلبته عصير ليمون .. قال: سيدي سأنظر إن  كان موجود .. فالوقت متأخر كما تعلم ... هززت راسي دون أن أجيبه .. فقد كانت نظراتي مصوبة نحو الجرصون الصغير حيث كان يمسح بعض من الطاولات بعد تنظيفها وغسلها في الزاوية الأخرى من المطعم .. رجعت بذاكرتي لبداية هذا المساء .. عندما حضرت بصحبة سارة وعبير لتناول العشاء .. على تلك الطاولة .. قادمين من المطار..

-  قالت سارة : أين نجلس ؟

- قلت: انه من الجميل أن نجلس بجانب البحر ..

- ردت عبير : أنا اقترح أن نجلس هنا.. فالمكان اخضر وبجانب الناس.

- قالت سارة : نعم صحيح .. ما رائيك ..

- أجبت : انني افضل هناك بجانب البحر ..

كان الجرصون الصغير .. ممكسا بـ (المينيوم )  قائمة الطلبات.. فقال: نعم صحيح سيدتي إن المكان هنا ممتع جدا ..

 كان الجرصون الصغير يتجاهلني بوقاحة متناهية ..

فقلت بهدوء .:. المكان هنا قريب من صخب السيارات وعوادمها المميتة .. اتركونا نقترب من البحر وهوائه العليل النقي ... رد الجرصون الصغير .. دون أن يقول  سيدي :  أبدا هنا المكان نظيف جدا والأشجار جميلة ولن تسمح بعوادم السيارات الوصول إليكم

اشتطت غضبا وصرخت به: أنت ما هي وظيفتك هنا بالتحديد .. هل ترغب أن أخبرك .. حسنا .. أنا أخبرك .. أنت مجرد عامل حقير .. تقدم طلبات معينه .. لا يسمح لك بالتحدث في موضوع لا شأن لك به .. هيا اغرب عن وجهي .

 

ساره وعبير كانتا مشدوهتين .. أصابتهم حيرة كبيرة ..

قلت : إنني ارجوا أن لا أكون قد سببت لكم إزعاج ..  كان الصمت مطبقا في الأرجاء .. سوى بسماتي اليتيمة .. قطع هذا الصمت صوت سارة وهي تقول: إنها مرهقة و لا تشعر بجوع .. ثم ابتسمت قائلة: .. إننا جميعا متعبين إن هذا اليوم هو اليوم الأول لوصولنا ..

قالت عبير موجهة كلامها نحوي : لا تنسى إننا انتظرناك في المطار لأكثر من أربع ساعات ...

كانت سارة قد وصلت من روما .. وعبير جاءت من لندن وأنا قدمت من الرياض .. نسقنا جيدا لهذه الرحلة .. وحددنا المواعيد بشكل ممتاز .. كانت عبير ترغب أن نقضي الصيف في لندن لتوفير مصاريف السكن .. لكننا رفضنا انا وساره .. كنا نحب ان نغير الاماكن ونشاهد شيئا جديد .. وكنا جميعا لم نشاهد اليونان من قبل .. عند نزولي من سلم الطائرة .. كانت تقف في ساحة المطار بقرب سلم الطائرة مجموعة من السيارات الفارهة .. تستقبل بعض من ركاب الدرجة الأولي ..عندما وطأت بقدمي أرض هذه البلاد الجميلة .. فوجئت بصوت أعرفه يقول : يا عربي !.. وجهت نظري يمينا كانت عبير واضعة نظارات سوداء على عينيها واقفة بقامتها الممشوقة أمام سيارة خضراء صغيرة جدا.. وسارة هي أيضا تضع نظارات سوداء باتجاه مقود السيارة .. توقفت بجانب سلم الطائرة للحظات .. كانوا يضحكون .. لقد توجهت نحو عبير .. فدفعتني وقالت : انت اليوم صاحب سمو .. أرجوك لا تفسد البرتوكول .. نظرت باتجاه سارة .. فوجئت بها تمسك معصمي وتقودني .. للمرتبة الخلفية .. كانت السيارة ليس لها أبواب خلفيه( سيارة سبور ) .. فكان الحيز ضيق لصعودي.. فدفعتني بقوة فضرب رأسي بسقف السيارة .. وركبت عبير في الأمام.. قالت سارة : أهلا وسهلا .. أخير وصلت ؟..

ناولتني عبير الجوال قائلة : اتصل بالسفارة السعودية .. اخبرهم انه تم اختطافك .. لابد أن يدفعوا مليون دولار .. وان يتم قبول شقيقتي بجامعة الملك سعود بالرياض .. أما سارة فقد قالت: أيضا عليهم أن يسمحوا لي بزيارة أبها .. أليست جميلة ومنطقة سياحية كما قد أخبرتنا أكثر من مرة .. ضحكت من أعماق قلبي كانت مفاجأة كبيرة جدا .. لم تتاح لي الفرصة لمعرفة كيف تمكنوا من إدخال السيارة الصغيرة المهترئه لساحة المطار .. لكن بكل تأكيد .. أن الأوراق ذات اللون الأخضر .. لها مفعول سحري!.

توجهنا نحو المطعم .. لتناول العشاء ولنسمع أخبار بعض .. لكنهم اعتذروا .. عن إكمال طعامهم وغادرنا .. باتجاه الفندق حيث ذهب كلا منا لغرفته .. لقد فسروا تصرفي نحو الجرصون الصغير .. انه تعالي وكبرياء .. كنت غارقا في الأفكار .. حاولت أن اشرح لهم أن الإنسان يمر بحالة من الضعف الأخلاقي .. لكن هذا لا يعني كونه سيئا دوما .. حاولت أن أقول لهم إنكم أكثر الناس معرفة بي! .. كانت إجاباتهم ابتسامات صفراء سرعان ما تختفي وراء الصمت العجيب .. كنت فعلا غارقا في الافكار.. وحزينا جدا. . لم يقطع تلك اللحظات التي عشت فيها سردا ذهنيا عقليا مضنيا لتفاصيل ما حدث سوى صوت الجرصون الصغير نفسه يقول لي : سيدي .. لقد وجدنا لك عصير الليمون .. لكنه سرعان ما أضاف قائلا : ماذا بك .. هل تعاني من ألم ؟  أجبته :لا .. لا .. وضعت يدي على جبيني .. كنت ساخنا جدا .. ويتصبب العرق مني ..

-  ما هو اسمك؟ .. كان هذا هو سؤوالى الاول نحوه

قال: اسم  لم افهمه ولم اعد اتذكره .. رفعت رأسي نحوه .. وجدته ينظر بذهول نحو الكاميرا الفيديو التي كنت احملها

-  هل أعجبتك؟ .. هكذا سألته ثانية ..

 - إنها خرافية .. كم ثمنها سيدي ؟

-  تقريبا : 900 دولار ..

-  هل تعلم كم احتاج من الزمن لشراء مثل هذه الكاميرا .. ؟

-  كم ؟ ...

-  ليس اقل من ثلاثة أعوام .. على أن لا اصرف من مرتبي فلس واحد .

كنت خلال هذا الحوار البطئى الصعب ..  بسبب سوء التواصل اللغوي  .. اشعر بإعياء وتعب .. لكنني قلت له هل اطلب منك خدمة؟

-  نعم ..  تفضل سيدي  .. هكذا أجابني

-  ارغب أن تقوم بتصويري   .. أمام البحر  ..

-  هذا يسعدني سيدي وخاصة اننا قد علمنا جميعا انك تعشق البحر بجنون  .. لكنني مع الاسف لا اجيد استخدام هذه الكاميرا الثمينة ... بدأت اشرح له طريقة التصوير .. ووظيفة كل زر .. من أزرارها العديدة .. ثم بدأ يصورني وأنا اشرب العصير ... لكنه أوقف التصوير واقترب مني قائلا : سيدي .. إن وجهك يتصبب عرقا .. لعلك تشعر بإرهاق .. كنت انظر نحو تفاصيل وجهه الطفولي  بعمق ذلك الوجه المنهك المتعب من آثار العمل المتواصل  .. اتسآئل كيف ترتسم تلك الابتسامه البيضاء الخلابة ، وتشرق وسط تشققات الالام الكبير في ثنايا وجهه .. وكيف لنا لانرى مثل هذا الهم الفاضح امام اعيننا ..

- عندما قلت له : إذن أوقف تاكسي إذا تكرمت ... وضع الكاميرا على الطاولة قائلا في الحال سيدي  .. بعدها بلحظات .. كان يحاول مساعدتي على النهوض وهو ممسكا بكتفي .. ضحكت قلت له: إنني لازلت شاب .. قال سيدي : إن حمى هواء البحر .. لا تحفل بالسن .. لكنني متأكد أنها لا تصيب إلا أصحاب القلوب الجميلة .. ضحكت بتثاقل قائلا له : ايها النبيل الصغير .. هل افهم انك قد سامحتني .. امتلأت عيون الجرصون بالدموع وقال : نعم سيدي بكل تأكيد أسامحك ... غادرته باتجاه سيارة التاكسي .. لكنه ما لبث أن لحق بي قائل : سيدي الكاميرا .. لقد نسيت الكاميرا .. قلت له : إن صورتي بها ألا تذكر .. لابد أن يبقى معك تذكار .. لقد دهش تماما وفتح فاه وعينيه باستغراب كبير.. قلت إنها هديه أقدمها لك يا صغيري العزيز !!  ... أما الآن فإن الجرصون لم يتمالك نفسه حيث شرع بالتعبير عن حاله بالبكاء .. الأطفال في جميع أرجاء العالم يتفقون في هذه اللغة ... طلبت من سائق التاكسي أن يذهب نحو المطار فورا.. لم اصعد لغرفتي في الفندق لقد طلبت أن يتم إنزال حقيبتي  .. وسددت فاتورتي وأنا جالسا في المرتبة الخلفية للتاكسي  .. ووضعت رسالة قصيرة من نسختين لصديقتي :  لست بالضرورة سيئا بهذا القدر !.. كانت ا ليونان جميله .. لكننا لم نكن كذلك ..  لقد تعثرت منذ البداية .. ووقعت وحيدا  .. كما كنت دوما .

عندما وصلت للمطار كانت الشمس .. بدأت في الشروق .. طلبت من موظف الحجز أول رحلة للرياض ..

-  لا يوجد سوى مساء الغد ..

-  حسنا أول رحلة لأي عاصمة خليجية ..  جعل ينظر في جهازه .

-  يوجد للإمارات العربية المتحدة ..

-  حسنا . احجز للعاصمة أبو ظبي .. ومن مكاني  قطعت التذكرة ودلفت لصالة المغادرة ... وأنا اجر الخطى بتثاقل كبير .. أترنح في كل اتجاه ..وضعت ألبالطوا الذي كنت احمله على الكرسي  .. ووضعت حقيبتي وجهازي الكمبيوتر الشخصي بجانبي  .. ووضعت رأسي لاستغرق في النوم ... كانت الكوابيس والأحلام تنتابني كأنها فيلم ممل طويل .. شاهدة الجرصون الصغير سعيدا جدا بالكاميرا .. لقد باعها بثلاث مئة دولار  ... كنت اسعل بكثرة ... اقترب مني أحدهم اسمعه.. برقة ليست غريبة على يقول تبا لك: هل كنت تتوقع أن تفر بهذه السرعة .. يا أخي( كنسلنا) المليون دولار .. طيب على الأقل اقبلوا شقيقتي بالجامعة .. كنت متعب جدا .. سمعت صوت أنثوي آخر يقول : لن تفلت حتى تتحقق مطالبي بإعطائي تأشير دخول السعودية لزيارة أبها .. كنت أشعر بيد ساره على جبيني.. ويد عبير في يدي .. كنت مبتسما .. فتحت عيني بتثاقل كبير .. جلت بنظرات زائغة وضائعة .. الصالة الكئيبة .. وجدت فضاء كبير .. وهدوء آخر مميت .. كنت للحظات قصيرة أعيش حلم سعيد ... ولا شئ آخر! .

 

                                                                                  2000

 

az37@hotmail.com

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007