[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رسائل تهديد رسائل تهديد
التاريخ:  القراءات:(4060) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                           رسـائـل تـهـديـد

                              ـ قصة قصيرة ـ

 

 ((سوف أقتلك، عاجلا أم آجلا، لن تفلت مني، أينما اختبأت وسافرت، سأتعقبك من بلد إلى آخر، لأننا بفضلك وفضل أمثالك من الجلادين جبنا مطارات الدنيا، وخبرنا كل طرق التسلل عبر الحدود، فنحن لم نحصل على حق اللجوء السياسي مثلك، رغم كل ما فعلته في ماضيك من جرائم في حق ضحاياك وعوائلهم المنكوبة... صورٌ تتكرر أمامي كل يوم وساعة، ولن يمحوها من ذاكرتي سوى تخضيب يدي بدمك... لقد صدر بحقك الحكم منذ زمن، ولن ينفذه غيري، بأقرب وقت، فما عليك سوى انتظاري))...

 تلك هي الرسالة الثالثة التي تصله خلال فترة قصيرة، بذات الخط ، وذات الأسلوب التهديدي، يذكره بماضٍ يحاول تناسيه منذ استقراره في تلك البلاد البعيدة، يكاد ينعزل عن كل شيء، يأوي أكثر الأحيان إلى شقته الصغيرة مع حلول المساء، بعد تناوله العشاء و عدة كؤوس من النبيذ الأحمر في المطعم الملاصق للعمارة، فلا يغادرها سوى في اليوم التالي نحو المنتزه القريب، يتمشى في أرجائه ساعة أو أكثر، حيث تحلو له مشاهدة البط في البحيرة، يروي عينيه من عدو الفتيات الجميلات، رشيقات القدود... علاقاته محدودة إلى أقصى درجة، وكذلك أصحابه الذين يلتقي بهم عادةً في إحدى الكافتريات العامة وسط المدينة، متجنبا التطرق إلى الأمور السياسية، مهما حاولوا سؤاله عن أحوال بلادهم و توقعاته لما يمكن أن يخبئه المستقبل من تغيرات، فهو الأن لا يهتم سوى بحضور معارض الرسم، والذهاب إلى عروض الأوبرا والحفلات الموسيقية التي تقدم أروع السمفونيات التي تعرف كيف تتغلغل إلى روحه، تهبها بعض ما تبحث عنه من صفاء...

 فكر أن يحدثهم عن تلك الرسائل المسمومة، غير أن التردد منعه من الكشف عن توتره أمامهم، كما أن خبرته الطويلة عودته ألا يثق بأيٍ كان، وأن يتوقع الغدر من أقرب المقربين إليه، ثم أنه لم يلاحظ على تصرفاتهم أو تعابير وجوههم أي تغير مهما كان بسيطا، ولم يشأ إبلاغ السلطات عن تلك التهديدات لئلا يثير حوله ضجة هو في غنى عنها، فقط سوف يحدون من حريته، حتى داخل شقته، بالإضافة إلى أنه الأدرى بإمكانية اختراق أي حراسة، لن تدوم على أيه حال أكثر من عدة أشهر...

 لم يعد يجيب على أي مكالمة أو يفتح الباب لأحد غير بواب العمارة الذي صار يكلفه بشراء الأغراض له، كما قطع علاقته بصديقته الحسناء، متوجسا من فكرة مفاجأة القاتل له، بمساعدتها ربما، وهما في الفراش، دون أن يمهله الوقت للوصول إلى مسدسه الذي بات لا يفارقه أبدا...

 صار يفزع من أقل صوت يسمعه وأقل حركة يحس بها في الرواق الطويل الموصل بين الشقق، فيهرع إلى الباب، ينظر من خلال الثقب الصغير الذي يتخلله، دون أن يرى أحدا في الخارج... يتشنج، يصرخ، يتوعد الشخص المجهول بالقتل إن امتلك الشجاعة لمواجهته، رجلا لرجل، بدلا عن تلك الوسائل الصبيانية التي لا تجدي نفعا سوى مع الجبناء...

 شرب كثيرا، حتى راح يتقيأ، حاول مغالبة النوم ليالٍ طوال، وعيناه مصوبتان نحو عقب باب الشقة... في النهاية يضنيه السهر، فيستسلم للنعاس فالكوابيس، يستيقظ مفزوعا فجأة، يتفحص المكان من حوله، يعمل من جديد على حصر تفكيره في خصومه السياسيين منذ بواكيرشبابه، جميع من حاربهم، من ملأت تفاصيل حياتهم تقاريره لرؤسائه، أعضاء الخلايا السرية الذين وقعوا تحت يده وشارك بتصفيتهم، من فشل في اغتيالهم، في الداخل أو في أيٍ مكان من بقاع العالم، فلا يعثر سوى على طرف رسالة جديدة ملقاة تحت عقب الباب، تصف كيف كان يسوم مسجونيه شتى أنواع العذاب بطرقٍ تفنن في ابتكارها بمتعةٍ شيطانية...

جلس على كرسيه الوثير، أشعث الشعر، بوجهٍ غير حليق، و ثياب لم يغيرها منذ أيام، يدهمه إحساس قوي بأنها الليلة الموعودة، وما عليه سوى انتظار ذلك المجهول ليتخلص من هول العذاب، فترك باب الشقة مفتوحا... ارتعشت يده على المسدس لما رآه مقبلا نحوه، بجسدٍ هزيل و ملامح تمتقع غضبا من الحياة، حاول السيطرة على كل خلجة في جسده، متظاهرا بالسخرية منه و من تهديداته، بل أنه وجد نفسه يضحك، مع كل خطوة يدنوها منه، فيما راح إصبعه يضغط على الزناد أكثر... يضحك عاليا، و الآخر يشاركه قهقهاته التي بدت كزمجرةٍ مخيفة، أمدته بقوةٍ غريبة لم يدرك مثلها يوما، ورغبة جامحة بالخلاص ..

 هرع جميع القاطنين في البناية نحو شقته لدى سماعهم صوت الطلق الناري، فوجدوه مكفيا على وجهه أمام المرآة الكبيرة في الصالة، غارقا في دمائه، و إلى جانبه مسدسه... على مقربةٍ من طاولة تتكوم عليها الرسائل المكتوبة بخط يده...                

                      

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007