[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مواجهات خلف الخطوط والمتاريس- القسم الخامس 
التاريخ:الخميس 13 مايو 2010  القراءات:(1364) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الناصرمحمد اسماعيل  
مواجهات خلف الخطوط والمتاريس- القسم الخامس
تداعيات الزمكان

المدخل دهليز ضيَق تفوح منه رائحة الحصير الرطب - وعن يمينك ويسارك- وانت تجتاز ذلك
المدخل تطالعك وجوه متعبة ولحىً كثة وشيب راكمته السنين. ويلفت انتباهك وانت ترسل خطى
وجلة اختلال بيَن في الهيئات , واضطراب واضح في الحركات , ومشاهد لايمكنها الاَ ان تسترعي
انتباهك, كالتماعة ضرس ذهبي او فضي او يخطف بصرك سروال مفتوح " السَحَاب" لساقٍ
وضعت على الاخرى بطريقة مهذبة , او جلسة مترفعة لاتنسجم مع حلَة مهترئة , وهيئة اخرى
نظيفة قد عملت فيها سخونة المكواة الحديدية عملها حتى غدت لمَاعة بموضة تعود الى منتصف
القرن الماضي . وماإن تتخطى هؤلاء حتى تتعثر بساق صناعية تقطع عليك نصف الممشى
و"الجايجي" يمرق خفيفاً بين كل اولئك يلتقط " الاستكانات" الفارغة ويؤشر في الذاكرة الطلبات
المستجدة. تدحرجات النرد وطقطقات الدومينو تتناغم وتتداخل مع اية قهقهة قد تنفلت فجأة ثم
تذوب في الصوت المنبعث من مكبرات الصوت والذي يهيمن على الاسماع فيصب فيها لوعات
الهجرويفرغ في جوفها كؤوس الهوى ..

اطفئ لظى القلب بشهد الرضاب
فانما الايام مثل السحاب

.. تُواصل معاينة المشهد كله لتركًب ادواتك محتفظاً بهدوئك رغم وجيب قلبك المتصاعد ,
إذ لاسلطة لك عليه منذ ان اجتازت قدماك عتبة المكان . كذلك فان توالي صور الهيئات لايني
يستثيرك , خلا التي استترت وراء صحف مشرعة على مصراعيها؛ واخرى قد اعياها
التململ والحكَ والهرش فضلا عن هيئات اخرى مُطرقة تبدو وكأنهاغائبة عن الوجود متوحدة
في حضرة الخيال . تلمح مكاناً فتسارع الى حشر نفسك فيه عن يسارك من هو
مستغرق في عربدة لاتفهم منها معنى ولا مغنى ,تفوح من فمه رائحة السُكر وهو يضحك كاشفا
عن لثة غاب عنها طقم الاسنان العلوي والسفلي اثناء اختلاسك النظر اليه , زاعماً زهوه بصحته
وعدم شكواه من اية امراض مزمنة فتتشجع لترفع بصرك اليه حتى يفاجئك بطلب " دينار واحد فقط"!
وقد اعتزل محدثيه ومال بكليته اليك فلا حيلة لك في تحاشي النظر اليه لترى ذكاءً يلمع في عينيه
فتدفع له مااراد عن طيب خاطر وفي قرارة نفسك اقرار له بالبديهة الحاضرة وحسن التقدير .
وماإن يدسَ الدينار في جيبه حتى يشيح عنك بعفوية صادقة ويواصل جعجعته المنتظمة.
ثم تطلب شاياً فيأتيك الجايجي بحامض! ويضعه امامك على " الطبلة" دون ان ينظر بوجهك
ليهمَ بالانصراف مسرعاً وعينه متجهة الى صوب آخر فتستوقفه بيديك منبهاً فيبتسم
بوجهك ويصيح على رديفه من بعيد ليجلب لك شاياً دون ان يرفع الحامض من امامك ويعلن
لك انه على حسابه ! فتتشجع وتنتهز هذه اللحظة الثمينة لتساله عن الجايجي الذي
ورث صنعة ابيه بعد مماته في هذا المكان , وفيما اذا كانت اللافتة السوداء التي تتصدر واجهة
المقهى تعنيه فيجيبك بتلقائية ودون اكتراث " نعم انه هو" , فينطََ الذي عن يمينك دون سابق
انذار قائلا بنبرة مشوبة بتهكم ينضح نشوة :

- قتلهُ العَرَقْ ! .. اي والله !

وتحين منك التفاتة جريئة الى جهة اليمين الذي كان غائباً طوال هذا الوقت المشبع بالفضول
فتراه قد هرش لحيته ثم اغمض عينيه وكأنه في غفوة , مرتديا جلباباً شتوياً غير مكترث
لهجير الصيف اللافح ودون اي اثر لتعرق في وجهه ولا في ثيابه فتحرص على الا تفسد
عليه غفوته لتأخذ نفساً عميقاً ثم تمد يدك الى استكان الحامض لتسكبه في جوفك
دفعة واحدة بعد ان اصبح دافئاً , وترفده بالشاي الذي تتمطق فيه قبل ان تخرج سجارة
تقع عليها عين الذي امامك ,لايفصلك عنه سوى ممشىً بعرض متر واحد , وهو يكثر
من التبسَم فتقدم له واحدة ليتلقفها منك ويشعلها على الفور وهولايكف عن التبسم
فتكتشف انه لم يكن يبادلك الابتسام وانما كان هكذا حاله , فتنكمش
قبل ان تتنامى فيك الطمأنينة فتستدرك على نفسك متذكراً مكانك الاثير في تلك الزاوية
تحت مكبر الصوت ..وكأنَ الثلاثين التي خلَفتها وراءك لم تحرمك من تمالك نفسك
اخيراً والاتكاء بظهرك معلناً انتهاء طقوس المكان والزمان بجلوسك وجها لوجه
ازاء الصور تحدق فيها دونما اهتزاز كالذي كان يطغى عليك , لتسترخي وتشرع في
تقليب النظر بينها , تلك المحفورة في ذاكرتك ماحييت بالاسود والابيض , فهذايضرب
بيديه على ام رأسه امامها وذاك يركع عند قدميها ليقبلها وهي مرتدة الى الوراء في
فزع ظاهر وتحت الصورة تقرأ :

فضلت اعيش في قلوب الناس
وكل عاشق قلبي معاه

في الوقت الذي كانت فيه مكبرات الصوت تواصل قذفها لقلاع الزمان واسيجة المكان
دون هوادة على ايقاع وجيب قلبك الرهيف المتمترس :

إن لم اكن اخلصت في طاعتك
فانني اطمع في رحمتك

وانما يشفع لي انني قد عشت
لاأُشرك في وحدتك

ويتوالى الصوت في اعادة وصقل , وانت تبدأ في التكسر , لاشئ غير انك تسمع
اصوات تكسَرٍ بداخلك لاتعرف مصدرها ومكانها بالتحديد..ثم تتضاءل ..
وتموع متخلياً عن تصلبك ..تتهاوى جدرانك في الداخل واحداً تلو الاخر ..
تتشبث , عقلك يتشبث .. والروح تئن , الدماغ يرسل اشارات التهدئة ويهيب
باعضاءك ان تستجيب , ان تتما سك ..لكن التهاوي مستمر, يعقبه انهيار حصونك
مرئياً ومسموعاً, فتخرج منديلك الابيض لتستتر به , فلاينفع المنديل .. وتسقط
دفاعاتك كلها مرة واحدة فتجهش بين الحاضرين ..ويضيع النشيج في زخات العين
وانهمار الدمع ..تمطر الروح فترسل نشيجها مدراراً , وتأخذ وقتها حتى تستريح
رويداً رويداً . فضاءك المدلهم ناء بحمله فالقاه مضطراً وينساب الصوت مجدداً :

تخفي عن الناس ثنايا طلعتك
وكل ما في الكون من صنعتك

فتفتح عينيك على استحياء لترى معتوهاً .. او هكذا بدا لك يومئ اليك بشكل مباشر بما
يعني ان"لاخلاص " فتغمض عينيك متجاهلا ذلك البله وذلك الفضول ..وتعذره في سرَك
ثم تسترد سكينتك على مهل حتى تنتصب واقفاً دون ان ترى احداً ,وتخطو نحو الذي
يتقاضى مدفوعات المشاريب فتنحني نحوه قليلا لتسأله عن فلان فيرد عليك بأنه قد مات ..
وتسأله عن الاخر ..فيجيب بامتعاض بانه قد مات هو الاخر ..فتصمت ثوان لتلحف في
السؤال عن ثالث ! فيتطلع اليك مستغرباً فتبدد استغرابه بقولك :

- معذرة.. فاني كنت خارج الزمان والمكان.

14 ايلول 2009

http://www.arabicstory.net/?p=addtext

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007