[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مواجهات خلف الخطوط والمتاريس - القسم الرابع 
التاريخ:الخميس 6 مايو 2010  القراءات:(1339) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الناصرمحمد اسماعيل  
مواجهات خلف الخطوط والمتاريس - القسم الرابع

رياح الخريف هذا العام جلبت عاصفة غبراء حملت في طياتها ترابا احمر غطى وجه المدينة وقضى على معالمها.
فمنذ ليلة امس والعاصفة "تسفي"* ترابا احمر صبغ الشوارع والارصفة والسطوح. الرياح جافة والرطوبة تتصاعد مخلفة دبقاً في الاجساد وضيقا في الانفاس زاد الناس تبرماً وعبوساً .
اغلقت المحلات والمتاجر على عجل وسارع الناس الى بيوتهم , حيث اغلقوا الابواب واوصدوا الشبابيك واسدلواالستائر وسدوّا المنافذ , فيما ظلت الريح تصفر في الاماكن الخالية توزع
عوائها المثير للقلق في ارجاء المدينة .
وعندما هبط الظلام كانت المدينة خالية تماما من البشر , حيث اختفى الجميع خلف الجدران يدارون هاجس القلق الخفي الذي انتابهم دون مبرر والذي تنامى في نفوسهم بعد ان تسببت العاصفة بانقطاع التيار الكهربائي .
الشموع والفوانيس شهدت تلك الليلة احتفالية للخوف الذي كان يرتسم على الوجوه . فلم يكن هناك تاثيرا قويا لالعاب الورق والدومينو او النرد على مجريات الامور,اذ ظلت الضحكات
والانفعالات يسودها التوتر والارتباك واستمرت الاحاديث فاترة حتى لجأ البعض الى فراشه
مبكرا , فيما فضل البعض الصمت , على ان العجائز والاطفال ظلوا محتفظين ببعض
النشاط , حتى اذا تناولوا طعام العشاء ناموا .
انتصف الليل ولم تهدا العاصفة بل اشتدت ضراوتها , وتراكم التراب على حواف الزجاج وارتفع على سطح الارض بضعة مللمترات . وظهرت اثار سير القطط والكلاب تشير الى اماكن اختبائها. وقبل ان ينتصف الليل بفترة قصيرة
انطلقت سيارة تشق طريقها وسط المدينة متجهة الى حيّ من احيائها , وبدت كثور هائج يطارد شبحا خفيا لايظهر في الصورة , وظلت غايتها مجهولة حتى اقتربت من منزل خرب , تنبعث منه اضواء خافتة , ويسمع منه صخب وغناء , عندها ابطأت حتى كادت ان تتوقف مسلطة اضواءها الكاشفة على شبح تراءى لها يهمّ بمغادرة ذلك المنزل.
برز الشبح بهيئة رجل في العقد الخامس , رث المنظر , عصبي القسمات , غطى الشيب شعره ولحيته الكثة ,
وقد برزت كدوم واثار جروح على وجهه ,فيما كان يحاول الانتهاء من قنينة زجاجية , وهو يفرغ محتواها في جوفه ثم يرميها بعصبية ظاهرة ويمسح فمه بكم سترته غير مكترث لضوء السيارة المسلط عليه .
ابتعد الرجل بسيره وهو يترنح قليلا ومن ورائه واصلت السيارة سيرها البطيء حتى حانت منه التفاتة توقف اثرها عن السير ليستطلع الامر وكأنه تنبه اليه الان . توقفت السيارة وظل الضوء الكاشف يغمره فيما كان يتكلف الثبات في وقفته ثم سرعان ما استدار ليضرب باحدى
قدميه الارض ثم يواصل سيره المتعثر.
تحركت السيارة خلفه وضوؤها الكاشف يظهر بوضوح تقوس ظهره وظلت تتابع سيره بحذر حتى كادت ان تلامسه .توقف عن السير ثم استدار على نحو مفاجئ بكليته ليصبح امامها وجها لوجه .
توقفت السيارة وقد مسّته دون ان تصطدم به فانكب بوجهه على غطاء المحرك منتحبا , ضاربا الغطاء بقبضة يده عدة مرات وهو يشتم ويصيح :
- من انت يا...حقير .. لو كنت ..رجلا تعال , وتعالت صيحاته وصراخه , ثم اعتدل بوقفته للحظات ليستدير مبتعدا عن السيارة وهو يلوح بقبضته ويبصق على الارض , ثم يرفع كفه ليمسح بها فمه الذي قذفت فيه الريح رشقّة تراب جعلته يسعل ويواصل بصاقه .
ابتعد الرجل قليلا فيما واصلت السيارة تعقبه عن قرب حتى توقف مرة اخرى مستديرا نحوها .
توقفت السيارة ثم تحركت باتجاهه ببطء شديد. اخذ الرجل يصرخ طالبا النجدة . كان صراخه
حيوانيا قد يؤخذ على محمل الاستغاثة . ظل يصرخ حتى بحّ صوته وخارت قواه وصار خافتا . توقفت السيارة على بعد خطوة , فاخذ ينتف شعر راسه ثم تلفت باحثا عن مهرب فلم يجد غير
عمود الكهرباء الذي انتصب على جانب الرصيف .سارع اليه متلويا ليجعله حائلا دون السيارة .
تحركت السيارة لتقترب منه اكثر . ترك العمود محاولا الهرب مرة اخرى مستعينا بضوئها على
اكتشاف منعطف قريب يقود الى زقاق فاندفع اليه .واصل الهرب يجرّ خطاه بصعوبة وقد بدا عليه الاجهاد ,ثم تنبه فجاة الى عمود كهرباء قريب فسارع اليه مهدود القوى ليحتمي به
متشبثا بجوانبه الملساء , ثم انخرط جاثيا على ركبتيه وهو يئن انينا مسموعا .
جاوزت السيارة عمود الكهرباء ثم استدارت بشكل معاكس لتتوقف على بعد مترين.
ترجل منها رجل مربوع القامة يرتدي بدلة رمادية وربطة عنق . كان وجهه مستديرا بذقن حليق وشارب ابيض وقد وخط الشيب جوانب راسه والتمعت صلعته . تقدم الرجل نحو العمود بخطى ثابته وئيدة واضعا يديه في جيوب سرواله حتى توقف واستدار قبالة ضوء
السيارة الكاشف وقد ظهر وجهه صلبا واساريره متيبسة .اخرج يده اليمنى من جيب السروال
وجذب بها ياقة الرجل الذي يقف امامه منهارا خلف عمود الكهرباء ليقرب وجهه اليه.
ركز نظراته الجامدة التي لاحياة فيها في عينيه . صرخ الرجل بصوت ضعيف :
آه .. لا .... انت ثم شهق.. هأ هأ.. وخرّ على الارض متهالكا
انحنى الرجل ومد يده لاعانته على النهوض حتى استوى قائما ، ثم
اعتدل بقامته و مكث لحظات متفرسا فيه بنظرات جامدة ليرفع بعدها رأسه الى السماء وهو يطلق
زفيرا عميقا ثم تركه وخطا نحو السيارة.
ظلت الريح تسفّ ترابا احمر فيما كانت السيارة تشق طريقها منسابة بنعومة , كقرش يمخر
عباب بحر متلاطم الامواج , مبتعدة حتى توارت عن الانظار

* تسفي : مفردة محلية
انتهى 10/11/2000


http://www.arabicstory.net/?p=addtext

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007