[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التحديق في الوجه المألوف بغرابة 
التاريخ:  القراءات:(11482) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : خلف أحمد خلف  
- 1 -

(في قاعة القادمين في مطار مألوف، في زمن لا يحتاج إلى تحديد، فكل الأزمنة باتت واحدة).

هو يمشي مسكونا بهواجس شتى، وليس ثمة أحد يقاسمه.

هاجس أول: يرصدها وهي منطلقة إليه، رصاصة مكتومة الأزيز، بطيئة تأتيه تخترق صدره فيرتج جسده إلى الوراء بفعل عنف الاختراق، ويبدأ في التهاوي إلى الأرض فيما عيناه تطوفان الوجوه وصفحة عريضة من السماء تبدت من زجاج نافذة القاعة الشاسعة، حتى تحطان على الأقدام وهي تتفاداه يمنة ويسرة وقد توسد الرخام الصقيل بصدغه والأصوات من حوله تتناءى ليطبق صمت شامل لا يقلقه إلا دقات قلبه مضطربة الإيقاع وفي صدره رغبة مدحورة لصرخة مستحيلة، صرخة رفض لأن يتهاوى هكذا بين الجموع ويصير بعد قليل خبرا صغيرا في جريدة محدودة الانتشار، ورقما من حزمة أرقام لميتة مجانية، يكون بعدها نسيا منسيا.

هو احتاط لكل طارئ، فذاكرته مطفأة، ومفكرته تخلو من الأسماء والعناوين والمواعيد، أما كاميرته المدلاة على جانبه فهي بلا أفلام.

ينكمش ويتوارى ما بين المسافرين العائدين، يحتمي من هاجس في الطريق، يقاوم الانجراف إلى هواجس أخرى قادمة، يحاول أن يتشاغل، أن يمشي كما يمشي الآخرون في سكينة ظاهرة وهدوء، يستحث الذاكرة ليجيب على تساؤل يلح ولا يريد أن يهدأ، أين هو الآن وما يفعل، أمسافر من الوطن أم عائد إليه، يخاف أن يكبر السؤال.

يتحرك مع الركب أمام مكتب الجوازات حتى يحاذي موظف الأمن فيدفع إليه بجواز سفره.

يشرع أمام ضابط الجمارك حقيبته. أشياؤه الشخصية التافهة مستباحة، تمتد يد الضابط تلاعبها، تتحسسها..

هاجس ثان: في قاع الحقيبة يتمدد أحدهم متكوما على نفسه في هيئة جهاز إرسال صغير.

هو ينتظر أن يستجوبه الضابط عن الجهاز، يهيئ نفسه ويلتمس كل الحجج اللامجدية وعبارات الإنكار والنفي والتوسل أخيرا، إلا أن يد الضابط تهيل على الجهاز الثياب، تغلق الحقيبة، يواجه عينين في نظرة غامضة ويبقى وحيدا أمام ذلك الذي رآه.

يمشي بتوجس، يقترب من بوابة القاعة، من ورائه حقيبته تئن عجلاتها من ثقل ذلك المتكوم في قاعها.

للشرطي الواقف عند البوابة يد معترضة تمتد.

هو يقف، يتطلع متسائلا والقلب يخفق بقوة.

الشرطي يطلب منه جواز السفر.

يسلمه إياه.

الشرطي يبدأ في تصفح الجواز بآلية باردة، وهو يتابع حركة الشرطي، يتطلع إلى الخارج لعل وجها مألوفا في انتظاره.

الشرطي يعاود تصفح الجواز من جديد، لم يعثر على ختم الدخول، هو ينبه بقلق، يتابع يد الشرطي في رحلتها الثانية.

تتوقف يد الشرطي على صورة حامل الجواز ثم تقلب الصفحة.

هو ترتج به الأرض، ترتعد شفتاه، يغالب صرخة فزع، تنفلت منه تمتات كمن يوضح للشرطي شيئا هو ذاته لا يعرفه، لكن الشرطي يفاجئه بتسليمه الجواز بعد أن عثر على بغيته، ويبقى ثانية وحيدا أمام ذلك الذي رآه.

هاجس ثالث: يخطو، بجبروت تحط على كتفه من الخلف يد، يد تعرف كيف تنزل في هدوء القناص المتمكن، تعرف متى تنزل، يختلج الكتف لنزولها، ينتفض فريسة لاحول لها ثم يسلم الأمر لمشيئتها، تمضي به ولا يملك أن يسأل إلى أين ولماذا؟.

هو يخطو خارج قاعة القادمين، يتلفت في كل الاتجاهات مذهولا لم يستوعب بعد ما رأى، يقرر الاختلاء بنفسه، دورة مياه قريبة ، يترك حقيبته عند بابها ويدلف، يشعر براحة لخلو المكان ويواجه المرآة.

في المرآة عينان تتفحصان وجهه لحظة، يفتح جواز السفر على صورة حامله، عيناه تتفحصان في الصورة ثم في المرآة، تسافران ما بين الاثنتين مرات.

هو يرتجف غير مصدق، يتمتم: هاهم قد بدءوا معك؟.

في المرآة جنبا إلى جنب، وجهه وصورة حامل الجواز لا يتطابقان.

يعاود قراءة الاسم وتفاصيل وجوده، ذات الاسم والتفاصيل، ولكن في المرآة: جنب إلى جنب، وجهه ووجه صاحب الصورة متنافران.

- 2 -

(خارج وداخل بيت مألوف بشيء من الغرابة، والوقت صار ليلا)

هو يتجه الى باب البيت مترددا، فلولا بطاقة عنوان ملصقة على ظهر الحقيبة لما جاءت به سيارة الأجرة إلى هنا، يتلفت ويفحص الشارع المقفر ويقترب أكثر من الباب ن لوحة تحمل اسمه، نافذة قريبة مضاءة، ثمة ألفة غير مفهومة تشده إلى كل شيء من حوله، يستنفر ذاكرته بلا جدوى.

هاجس أول: يمد يده ليضغط زر الجرس، ينفجر المكان، يطوح به إلى الأعلى، يشاهد المدينة من فوق نائمة والبيت يسبح في لهب ودخان، يتناثر جسده على مهل أشلاء وتتوزع فراشات على الخرائب التي تتصاعد منها رائحة البارود والدمار.

يتأمل المكان، الباب، اللوحة، النافذة المضاءة، يميل برأسه يصيخ السمع بلا جدوى لأصوات من في بالداخل، لا يتذكرهم أبدا، تمتد يده إلى جرس الباب تضغط عليه مرة وينتظر ثوان فلا يسمع صوتا، يعاود الضغط مرة ثانية وينتظر لثوان أخرى ثم لا يقاوم رغبة الضغط المتصل، محموما بشوق لرؤية ولقاء من ينتشله من عذاب لم ين يعصف به مذ لحظة وصوله.. لا يدري كيف بدأ ولماذا؟.

ممنيا النفس بأنها ستهدأ بعد قليل وتضاء الذاكرة من جديد على وجوه وذكريات، وجود ممتدة جذوره بالأرض والزمن والأهل والأصدقاء، آه كيف له احتمال كل هذا الضياع؟.

هاجس ثان: يفتح الباب ، ليس ثمة أحد في الداخل ، كمين يكمن له ………..

هو طاردا الهاجس، ضاربا يديه على الباب كمن يستنجد من مجهول يلاحقه، الباب تنفتح إحدى ضلفتيه بحذر وتبرز طفلة رأسها بتردد وتطل بنظرة مستطلعة مستفهمة.

هو لا يرى في الظلام ملامح الوجه الصغير وتعابيره، يمد يده ملاطفا الوجه مرحبا بالصغيرة.

الطفلة تجفل وترتد إلى الداخل ، تنادي: "ماما.. رجل غريب بالباب".

تطن في إذنه صفة "غريب" فيجفل الأمل الوليد ويكاد ينطفئ، يتشبث بلوحة الاسم المثبتة على الباب، يجرب ملامسة حواف الذاكرة المعتمة علّها تمنحه بصيصا حول امرأة وطفلة وبيت..

والانتظار وقت أعمى محاصر بين البين يتحسس له مخرجا بيدين تتخبطان في كل اتجاه.

والمرأة يسبقها صوت خطواتها المقتربة، وإطلالة حذرة من خلال ضلفة الباب المواربة.

ولحظة تمعن مسكونة بالصمت والتوجس.

والمرأة في أوج نضجها ، ثوب له رائحة البيت والألفة يبرز ذراعين يعشى بياضهما الضوء الشفيف ووجه مدور حلو، وصدر يخفق ويعلو في موجات انفعال.

هو يتأمل المرأة، يستعطف الذاكرة للمرة الأخيرة ألا تخذله، من تكون هذه المرأة: زوجا أم أختا أم أما.

المرأة تهتف باسمه في صيغة تساؤل دهش.

يبادر مؤكدا: أجل أنا هو!..

المرأة تندفع إلى أحضانه تسبقها صيحة فرح غامرة، مرددة اسمه كمن تعبر في أن عن سعادتها بعودته ولوعة انتظارها المر الطويل.

يحتويها بلا تدبر بين ذراعيه ، يضمها إلى صدره، يداه تتحسسان دفء كتفيها وظهرها فيما راحت قبلاته تطيش متوترة مابين الجبين والوجنتين حتى تلتقي شفتيها فتصير قبلة طويلة، فرح ولذة، فجأة وهزة، فمها حمامة تضم إليها صغارها، هو كل صغارها، تنفلت منه صيحات لاهثة ما بين القبلة والقبلة: "آه.. عدت لك، أمي الحبيبة".

المرأة تدخله البيت قابضة على يده، تنادي طفلتها التي انزوت في أحد الأركان خجلة من هذا العائد، من هذا اللقاء العاصف، تقول لها: هذا أبوك قد عاد. أبوك عاد.."

يسرع الى الصغيرة، يرفعها إليه، يحدق في وجهها، في عينيها ويقبلها بلهفة محمومة..

هاهو زوج وأب في ظل بيته، وداعا للضياع.

- 3 -

(في إحدى غرف البيت المألوف بشيء من الغرابة، هي غرفة نوم على وجه التحديد، والزمن ساعة متأخرة من الليل).

هو: يفضل ألا يضيء الغرفة، يواصل تجفيف جسده المبتل من حمام دافئ، يرمي المنشفة ويظل عاريا يندس في الفراش الكبير متلذذا بنعومة الأغطية، بعريه، بتجرده من كل شيء، وانتظاره لامرأة تنشق عنها اللحظات القادمة، ملغيا كل حيرته وأسئلته، مسترخيا في الظلام الشفيف مستسلما لهدأة الليل، واحساس يحتويه على مهل بغرابة ما سيحدث، امرأة لا يعرفها تأتيه الى الفراش، زوجة وأم طفلته..

هاجس أول: يطل برأسه محاولا أن يبدأ..

هو: يجهضه، إذ يفتح عينيه على سعتهما في الظلام، ويفرد ذراعيه على الفراش، متنهدا، يصر على أن يعيش لحظته دون أن يبعدهما إلى تخوم الماضي أو الآتي.. إنه كتف باللحظة وحسب ، ممتلئ بها..

المرأة: تفتح الباب وتقف على عتبته، من ورائها ضوء الصالة يقتحم الغرفة ويرسم منحنيات جسدها في غلالة شفافة..

تضطرم فيه الرغبة، امرأة بهذا النضج، في متناول يديه، آتية من المجهول، لا تحمل معها ذكرى ولا صفة.

المرأة: تقترب منه، تنحني على الفراش، يغمره عطر الياسمين الأخاذ، تقول: "كيف تستطيب الظلام، ما عهدتك تطيقه"، تمد يدها وتضيء مصباحا بجوار السرير.

هو: يقاوم تردده، يقترب منها، ينحني عليها، يهم بتقبيلها.. تحين منه التفاتة إلى صورة بجوار المصباح، صورة الرجل والمرأة.. يقترب أكثر، يبرز ذات الرجل الذي احتل مكانه في جواز السفر، يطوق امرأة، امرأة غير هذه التي في الفراش.. يعتدل في جلسته ويشير إلى الصورة: "من هما؟".

المرأة: تلتفت إلى حيث يشير، تضحك: "ومن يكونان في رأيك.. هذا أنت.. وهذه أنا في حفل زواجنا.."

ينتفض واقفا، ذاهلا عن عريه، ينظر إلى الصورة في رعب ثم يتجه إلى الباب هاربا من هذا الغريب الذي يلاحقه ويحتل وجوده في كل مكان.

- 4 -

(غرفة النوم ذاتها، في اليوم التالي والوقت صباحا، صباحا متأخرا)

هو: يفتح عينيه في تردد، وحين يتقين أنه وحده في الفراش، يشعر براحة، يتأمل المكان من حوله مستطلعا، ثمة صور معلقة وأخرى على الرفوف، ينهض، يفاجأ بعريه، يجفل ويعدو سريعا إلى الفراش، يتذكر البارحة، يخجل من نفسه، خيبة وأية خيبة.

هاجس: يحاول أن يتشكل لكنه سرعان ما يتلاشى أمام غرابة ما يحدث له..

هو: يلف وسطه بمنشفة ويتفحص الصور، هناك يتوزع الرجل الغريب في أماكن وأوضاع عديدة، بصحبته أناس لا يعرفهم، يضحكون، يتزاحمون حول مائدة طعام، يسبحون في بحر، جادون في جلسة، وصورة للصغيرة، صورة لها ، هي هي بوجهها، بعينيها، هي ذاتها التي تأملها وقبلها.

يشعر أن ثمة عين تراقبه، يلتفت فإذا هي واقفة عن الباب، يناديها تأتيه في حياء.. يأخذها من يدها ويجلسها في حجره، يقبل شعرها ويسألها:

ـــ لماذا وصفتنني بالغريب عندما رأيتني أول مرة عند الباب؟.

تجيب الطفلة:

ـــ لأنك لا تشبه صورك المعلقة في بيتنا..

يحتضنها، يغمرها بقبلاته، هاهي خيوط الصباح الأولى، انتشى متفائلا ونادى المرأة.

- 5 -

(غرفة أخرى في البيت، واسعة، لكنها مكتظة بالمقاعد، والوقت ليلا من ذات اليوم).

ثمة رجال انتشروا على المقاعد، انهم أصدقاؤك، هكذا أكدت له المرأة /الزوجة، يتأملهم، يقترب منه بعضهم يلاطفونه ويتضاحكون، بالكاد يشاركهم ببعض الهمهمات.." إنه لازال متعبا من رحلته" هكذا تبرر لهم وجومه وسهومه، تأخذ بيده إلى أحدهم، منفردا كان،" هذا أعز أصدقائك وأقربهم إليك" هكذا تقول له، يبقى يواجه الرجل الذي يتأمله في صمت، يقرر أن يفعل شيئا، بأخذ الرجل من يده إلى مرآة قريبة، يواجهها معه، ويدفع إليه بجواز سفره ويقول له "تأمل الصورة وقارنها مع وجهي، هل هي صورتي؟".

يتأمله الرجل في صمت قبل أن يعيد إليه جوازه ويخرج بطاقته الشخصية ويدفع بها إليه.. هو يتطلع في البطاقة، هناك تتربع صورة رجل آخر مكان صورة الصديق..

هو يصمم على الاستمرار، يقول "سآتيك بصورة صغيرتي.. إنها على الأقل صورتها هي، ليس كما هو الحال لك ولي وللآخرين.."

يبتسم الرجل ابتسامة غامضة ويقول: "هكذا حال كل الأطفال مادون السادسة.. أما ماعداهم فالأمر يختلف.."

هو يصرخ في الرجل: " لماذا نكون هكذا.. الصورة ليست صورتنا، والذاكرة ليست ذاكرة.."

- 6 -

(الغرفة ذاتها في اليوم الثالث ، والوقت مساء)

الصديق تستقبله الزوجة عند الباب، هو يراقبهما وهما يتحدثان همسا قليلا، الصديق يتقدم نحوه متأملا الجدران وقد أزيلت عنها كل الصور المعلقة من قبل، الصديق يجلس إلى جانبه ويحاول التسرية عنه، يؤكد له إن هذا هو حال الجميع بلا استثناء، وإنه سيعتاد الأمر سريعا، وسيكتشف إنها صورته فعلا، فلا داعي للقلق إذن..

هو يرفض محاولات الصديق، يصر على أن تكون الصورة صورته، الصديق وقد لمس إصراره يقول:" هناك ثمة حل يلجأ إليه أمثالك ممن لا يصبرون.. لقد أفتتح مركز طبي حديث ومجهز، تدخله وخلال ساعتين، تكون الصورة صورتك.."

هو يتساءل: "كيف تكون الصورة صورتي؟"..

الصديق يبتسم: "ثمة جراح تجميل ماهر يجعل وجهك مطابقا تمام المطابقة للصورة."

هو تنتابه نوبة ضحك هستيري.

- 7 -

(الغرفة ذاتها في اليوم الرابع ، والوقت صباحا)

هو يمسك بالكاميرا، يدرب صغيرته على التقاط الصور، يقف أمامها ويطلب منها أن تلتقط له صورا عديدة، في أوضاع قريبة يبرز فيها وجهه مواجها ومن كلا الجانبين، باسما، حانقا، غاضبا، فرحا. يسرع إلى الخارج بالفيلم.

- 8 -

(الغرفة ذاتها ، بعد ساعة)

هو يدخل فرحا مزهوا بالانتصار، ينادي المرأة / الزوجة، يفتح المظروف أمامها: "كما ترين لم أفتحه من قبل، هذه صور التقطتها لي الصغيرة قبل ساعة، ستشاهدين أخيرا صورتي أنا لا صورته اللعينة."

يخرج الصور، يصعق حين يراها: الرجل الغريب في نفس الأوضاع والحالات التي تم التقاطها!..

- 9 -

(ذات الغرفة وفي ذات اليوم ، والوقت مساء)

هو وقد اشتاق إلى هواجسه ، يحاول أن يستحضر إحداها، أن يكوّن أجزاءها فلا يفلح في بادئ الأمر حتى يطاوعه هاجس.

الهاجس: ثمة من يطرق الباب، الزوجة تفتح، الزوجة ترحب بالقادم بحرارة.. القادم يقترب.. يتبينه فإذا هو الرجل الغريب الذي احتل صوره في كل مكان.. الرجل الغريب يصافحه ويعرض عليه بدون مقدمات أن يترك له البيت والزوجة والابنة!..

هو ينتفض، ففي ذات اللحظة ثمة من يطرق الباب، الزوجة تفتح، الزوجة ترحب بالقادم بحرارة، القادم يقترب، يتبينه فإذا هو الصديق.. يسرع إليه ويطلب منه أن يساعده في مقابلة الرجل الغريب..

الصديق يبتسم ويقول: "لاداعي للمساعدة، فهو هنا.."

يصمت لحظة ليضيف موضحا: "إنه أنت!"..

- 10 -

(خارج كل الأمكنة المغلقة، والوقت مفتوح على مصراعيه)

هو يحتضن طفلته، التي شاركته وحدها التحديق في وجهه الآخر، ينتظر أن تأتيه هواجسه تشمله، تحتويه، يطول انتظاره يستمطرها، يتوسلها أن تأتي، وحين لا تفعل، يبادر هو فيعيد صياغة إحداها:

يرصدها وهي منطلقة إليه، رصاصة مكتومة الأزيز، بطيئة تأتيه، تخترق صدره، فيرتج إلى الوراء بفعل الاختراق، لكنه لا يتهاوى إلى الأرض ولا يجعل الأرض وسادته، بل يخطو خطوتين قبل أن ينحني الى الأمام جاعلا من رأسه حربة، تعاجله رصاصة ثانية فيسقط على ركبتيه ويزحف، يواصل الزحف فيما رصاصة ثالثة في الطريق إليه وابتسامة الظفر تطرز شفتيه، وعيناه تحدقان في عين طفلته المترعتين أملا.

يوليو 1984

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007