[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نص بعدة وجوه 
التاريخ:  القراءات:(11441) قراءة  التعليقات:(25) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

 

البشت*

في الثامنة فتح الباب، ودخل الضوء، فهفهفتُ بأطرافي للهواء الجديد.. مرر صاحب الدكان عينيه على صفوفنا المعلقة، وركض العامل صِدّيق ماسحاً بمقشة الريش ما علق على أغطيتنا البلاستيكية من غبار . دخل رجل نحيلٌ لاهثٌ ، وبعينين زائغتين ، إلى الدكان ، ألقى سلاماً سريعاً وقال :

ـ أريد بشتاً !

ـ حيّاك الله .. هكذا قال التاجر ، وأومأ بيده محيياً وداعياً للجلوس : تفضّل . نطق الرجل بضيقٍ وكأنه يصرخ : لا .. أنا مستعجل !

ـ ولكن ما هي المناسبة ؟ وما النوع الذي تريده ؟

أشار الرجل إلى جهة قريبة قائلاً : أريده للسلام ، سأقابله . ابتسم قليلاً و هو ينظر إلى ملابسه ، وقال : يقولون لا بد من لبس بشت ، أنا في وضع غير طبيعي !

ابتسم التاجر بمرح العارف ببواطن الأمور، وقف وقال : طبعاً .. طبعاً .. لا بد من بشت لمثل هذه المناسبات . مدّ يده وجذبني ولوح بي في الهواء بحركة استعراضية ، ثم قرّبني من عيني الرجل و هو يقول : هذا مناسب .. وسعره معقول .تفحصني الرجل، ولمس  نسيجي  ..وقال : بكم ؟ التاجر : بألف وخمسمائة ريال  .. أدار الرجل وجهه رافضاً وقال : هذا غالٍ ! طبطب التاجر على كتفه وهو يقول : الغالي يرخص لك .. بكم تريده ؟ نطق الرجل وهو يدير عينيه بحركة عصبية : بألف .التاجر :  لا .. لا.. هذا حساوي**، مصنوع باليد  .. انظر .. انظر .. لا يمكن أن أبيعه بأقل من ألف ومئتين .. و لأجلك فقط !

وضعني الرجل على كتفيه.. عدل التاجر من الوضع و هو يبتسم مردداً : الله، الله،جميل، جميل. نقده الرجل المبلغ، ولفني على جسده ، وخرج مسرعاً، وعند الزاوية، بدا الشارع طويلاً فركض ...تمهل، و نحن نقترب من قصر كبير، وسمعته يهمس لنفسه : لو أخبروني عندما اتصلوا وطلبوا مني المجيء لمقابلته بأن ألبس بشتاً لما تعرضت للإهانة . الشاب الطويل الوسيم قال لي بازدراء،  و أنا أهم بدخول بوابة القصر :

ـ قف . أين البشت ؟

ـ البشت ؟

ـ نعم لا يسمح بالدخول والسلام لمن لا يلبس بشتاً ..ثم أشار لي باصبعه نحو السوق :

ـ هناك .. اشتر بشتاً وتعال .فركضت .. ها أنا الآن أرتدي البشت ، ولن يستطيع أن يمنعني من الدخول إلى القصر والسلام  .

عندما رآني الشاب الطويل الوسيم ابتسم ، وأحنى يده قليلاً وهو يرحب طالباً من الرجل الذي يلبسني الدخول ، كانت ابتسامته تشبه الهمس ، والبشت الفاتح الذي يلبسه يختلف عني . ربما هو صناعة حساوية أصلية، وليس صناعة يابانية مثلي ، وقد لاحظت أن قصب الكتف من النوع الذهبي الغالي. لا بد أنه كبير المقام . غير مهم، فهاهي مجموعة من ظهور البشوت تمشي في الممرات ، وتقطع الطرق الكثيرة في القصر ..البشوت تتحرك في كل مكان ، وهذا صاحبي يقودني صاعداً مع الدرج . لم لم يركب المصعد كهؤلاء البشوت ؟ لاشك أنها بشوت غنية لكبار ..نحن نصل الآن إلى صالة واحدة . بشت أنيق يقودنا إلى الكراسي . أجلس في مقعد ليس بعيد عن الباب . يجلس بجاني بشت يشبهني ، وتفوح منه رائحة عطر رخيص . يمر شاب يتمنطق بحزام أسود ، وملابس مزخرفة ، ويمرر علينا ـ  نحن البشوت الجالسة ـ البخور، يتغلغل الدخان في أحشائي، احتفظ ببعض الرائحة الطيبة لطرد عطر جاري . يقبل شاب ممنطق آخر، ويصب من الدلة القهوة . الفنجان صغير ولامع وحار . ترتبك يدي وتندلق القهوة على طرف جاري البشت ، يصرخ البشت الرجل ويقف ، وبسرعة البرق يأتي بشت بشاب أنيق و يهمس : حصل خير .. حصل خير ، بينما ينحني عامل صغير على تنظيف القهوة عن المقعد المخملي . تنتهي هذه الجلبة مع إعلان بشت وديع بقوله : تفضلوا إلى القاعة الرئيسة .. تتدافع أكتاف البشوت، وأكاد أسقط ، لكنني وصلت ، وجلست ، وكنت غير بعيد عن الباب أيضا ( فالمقاعد الأمامية محجوزة ) ، وقفت في الطابور حتى جاء دوري لأمد يدي وأسلم ، ثم أعود إلى مقعدي السابق ، وأجلس . دارت كلمات كثيرة ، وخطب، وتصفيق ... ثم وقفنا . وأعلن لنا البشت الوديع الشكر ، وهو يؤشر إلى الباب . خرجت البشوت ؛ بعضها استخدم المصعد ، أما الرجل الذي يلبسني فقد نزل مع الدرج الطويل من الدور الثاني ، وقبل الخروج من البوابة الخارجية تعثرت رجله ، وكبا، و انسلختُ عنه ، كانت الأرجل كثيرة ، وصاحبي قام مضطرباً ، فأمسك بعضديه حارسان ، سحباه بعيداً عن الممر . كنت  على الأرض، و الأرجل تدوسني وتسحبني ، تدوسني وتسحبني إلى الشارع ، حتى وصلت إلى الخارج . وصلت الرصيف و أنا ممتلئ بالغبار ، وإذا بشاب صغير يخطفني ، ويلمني إلى صدره ، ثم ينطلق راكضاً إلى  صف الأشجار القريبة، حتى إذا ابتعد التفت وهدأ ، وأخذ يتفحصني ، ثم التقط كيساً فارغاً ، وحشاني فيه ، وأمسكني بيده ، وتوجه إلى زقاق صغير وهو يصفر بمرح ، كنت أسمعه وهو يركل الباب بقدمه ويصيح : أمي أمي ..ملوحاً لها بالكيس .تخطفه أمه، وتفتحه، وتصرخ : هذا كنز ! ثم تحضن الشاب . فيأتي رجل نحيل له لحية مهلهلة ، ويأخذني ، ويلبسني .. يدور ويدور ، ويرقص قائلا : أخيراً صار لك بشت يا سعيد ! تسحبني المرأة منه بغضب ، وهي تقول : هذا ليس لك . نحتاج إلى ثمنه للأكل والكهرباء . تطويني ، وتمد يدها إليه وهي تقول آمرة : خذه إلى المغسلة . وسنبيعه . يحني الرجل رأسه، ويضعني في الكيس، ويخرج صامتاً .

في المساء  كانت رائحتي طيبة ، وعامل المغسلة يضعني في كيس بلاستيكي طويل ولامع ، ويسلمني للرجل ذي اللحية المهلهلة، يمشي بي الرجل إلى السوق، يدخل دكان صاحبي الأول ، ويعرضني عليه . يقلبني صاحبي الأول بدون اهتمام، ويعيدني إلى ذي اللحية :

ـ هذا مستعمل !

ـ ألا تشتريه ؟

ـ لانشتري المستعمل !

 ويشير إلى صفوف البشوت المعروضة في الدكان .. انظر .. لدينا الكثير .. يقف ذو اللحية محتاراً وكأنه يهم بالبكاء ، وأنا أتدلى من يده ، وكأنني ميت ..يلتفت إليه صاحب الدكان ويقول : من أجل مجيئك سآخذه بمائة ريال . يرد الرجل بانكسار : أنا صاحب أسرة وهذا بشت جيد ! ينهره التاجر قائلا: هذا تقليد .. هل تعلمني ؟ يستغفر الرجل و كأنه ينتحب . يهز صاحب الدكان رأسه ويقول بأسى: لاحول ولاقوة إلا بالله . خذه يا صدّيق مشيراً إلى  العامل الناعم،  وهو يفتح درج نقوده ويسلم الرجل مائتي ريال. يخرج الرجل ، فيلتفت التاجر إلى عامله قائلاً : انزع ورقة المغلسة، وعلقه مع البشوت الحساوية الجديدة .

يقفل درجهُ ، و يضع المفاتيح في جيبهِ ، يطفئ العامل  النور ،و يغلق الدكان .

الكرسي

 

أنا كرسي منسي؛رميت منذ زمن فوق الرمل، حتى أنقذني شاب وجد فرصة أخيرة في وظيفة حارس لمقر الحفل، أخذني ، ومسح الغبارعني ، وعدل رجلي العوجاء، ثم وضعني قرب باب الخيمة، وانتصب أمامي.و عندما تخلو الخيمة إلا من العمال، يجلس عليّ كمدير مسؤول، واضعاً ساقاً فوق ساق . في الصباح جاء عمال كثيرون، وعلا ضجيج وهرج ، وجلبت مقاعد وبسط و مفروشات و سجاجيد و أسلاك ..؛ وأدخلت في الخيمة . خلا المكان في الظهيرة. ذهبوا للأكل أو القيلولة، ساقني الفضول لا أكثر إلى أن أقوم من مكاني وأدخل الخيمة، قلت لأرى ماذا يصنعون ! رأيت الأرض وقد مهدت برمل ناعم، رش عليه الماء، و وضعت أوانٍ فخارية عند المدخل انتصبت منها نخلتان خضروان صغيرتان من البلاستك، وفرش سجاد بلاستيكي عند المدخل، وضعت فوقه صفوف من كراسٍ بلاستيكية عنابية ، وفرش  بالوسط سجاد أحمر يغطي الممر حتى نهاية الخيمة الطويلة. عددت صفوف هذه الكراسي فوجدتها عشرون صفاً في كل صفٍ عشرة. مشيت إلى الداخل فتغير لون السجاد إلى سجاد منسوج من خيوط حمراء وبنية ، و قد وضع فوقه عشرة صفوف من الكراسي الحديدية العنابية، في كل صفٍ عشرة. مشيت إلى الأمام فتغير نوع السجاد إلى لون أحمر ناعم تتقاطعه خيوط عنابية ، وقد صف فوقه خمسة صفوف من كراسٍ معدنية عنابية كِسيت مقابضها بلبادات مخملية ناعمة ذات لون عنابي مطفي . في كل صف عشرة .ويليها سجادات جميلة أكثر نعمومة، وقد وضع فوقها صفان من الكراسي الجلدية ذات أيد مكسوة .في كل صف خمسة كراسِ ، يليها مباشرة صف من المقاعد الوثيرة بمقابض مذهبة، كان في الوسط كرسي وحيد ، لامع مكسو بقماش زاهٍ، وقد استقرت أمامه طاولة جميلة، تحمل فوقها باقة ورد ، وعلبة مناديل مربعة، وفي الجانبين وضعت ستة مقاعد شبيهة،أقل ارتفاعا.تملكني الذهول،أدرت بصري في المكان، لم أسمع صوتاً، فقررت أن أقعد على الكرسي الوثير. و لم لا ؟ قفزت عالياً، وغصت في المقعد الوثير.

 

المصنع

- الصامتون قليلون،و لارزق لك معهم. والكبارقليلون، فاقترب منهم ،تجد رزقك مع المتجمهرين، وهم كثيرون ، إن رزقك من أرزاقهم ، سهّل لهم الأمر، خلّصهم من الحيرة والتردد، وضع قوة بضاعتك في أجسادهم، تنفتح لك الدنيا.

لا عليك من لغط من يمر بك شامتاً، أو يسبك رافضاً، امض في عملك دون هوداة، فالوقت لك الآن .

هذا قول أبي وهو يسلمني مفاتيح متجره،طاعناً، منسحباً ، مانحاً إياي نصائح خبرته الطويلة . كنت أعرف بعض هذا ، وقد تعهدني بعد الثانوية لأعمل معه في دكانه . يخطط وأنفذ. يوجهني إلى جهة ما، فأعود بربح وفير ، حتى أصبحت مهمته الإشراف فقط . 

كان هذا من سنوات، أما الآن فلي دكان في كل إدارة ، و وزارة ، وشركة، ومؤسسة، ليس شرطاً أن يكون لي مكتب و أجهزة، وأثاث. لا لزوم لذلك، فتجارتي لا تتطلب كل هذا، إنها باختصار تقدم بعض الأدوات التي يحتاجها الكثيرون لزوم التقرب أو الترفع في متطلبات عملهم أو مكانتهم في المجتمع . أبي يقول إنه مخترع هذه الأدوات ، لكنني أشك في ذلك بعد قراءتي للتاريخ ، ومسير الدول والمجتمعات .ربما يكون الأقرب إلى الصحة أن أبي قد طورها بما يتلاءم والظروف المحلية  .

في كل مكان يوجد به رأس مدبر يتحلق حوله مجموعات ومجموعات لأهداف وأغراض شتى. أغلبهم لا يحملون مؤهلات التقرب والكلام. متجرنا يمدهم بقطعة صغيرة كلون البشرة، تلصق في آخر سلسلة الظهر بعد أن تدهن بقعة صغيرة بدهن خاص (من تركيب أبي فعلاً )، وتستر بالثوب، فيقوم الرجل وقد بان استعداده لإلقاء خطبة مديح فريدة أمام الرجل المقصود .القطعة تساعده. بعضهم يضعها ليقول قصيدة عصماء، أو يلقي خطبة حماسية،آخرون لا يريدون غيرأن تبدو وجوههم ودودة تمتلئ بابتسامات مشعة أمام الرجل  المقصود!

وهكذا لم نعد نبحث عن زبائن. فأمورنا التجارية متنامية ، وفي كل موقع لنا مندوب يقوم بمايلزم.

 

الذيل

نحن الجالسون، يعلو تصفيقنا بعد انتهاء الخطبة،ممتزجاً بالغبار المتطاير.

 

 

 

 


* البشت : عباءة خفيفة للمناسبات .

** تشتهر منطقة الأحساء في السعودية بصناعة البشوت الجيدة يدوياً.

الدمام ــــ 5/5/2010

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007