[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
استرسال مفاجئ 
التاريخ:الأربعاء 16 يونيو 2010  القراءات:(1497) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عبد الناصرمحمد اسماعيل  

استرسال مفاجئ

ذات صباح من صباحات الشتاء اصغيت وانا لم ازل بعد في فراشي الى هسيس خفيف للرياح تناهى الى سمعي وهو يصفر احيانا من خلال بعض الفتحات التي تتخلل نافذة الغرفة التي انام فيها. انها رياح الشتاء التي تقص العظم كما يقول البغداديون. نهضت مسترخيا يتملكني شعور بالاعياء وبنفسي رغبة عظيمة للكلام

، وددت تلك اللحظات التي بدأ فيها وعيي يتسرب اليّ  ليعود ذهني الى جمجمتي

 تماما، ان اتحدث عن اي شئ.. وإن لم يكن ذلك متيسرا فمع نفسي على الاقل .

لابد من حركة ما تسخن الدماء وتشع فيها الحرارة في صباح كهذا ، سيما وان البرد قد نفذ الى عظامي فعلا واراني مرتعد الاوصال وقد صارت اسناني

تصطك بعض الشئ خصوصا عندما القيت نظرة الى زجاج النافذة  المكسو بالبخار المكثف عليه من الداخل والخارج. بي رغبة لاتقاوم للحديث.. او الغناء  او حتى

لاطلاق اصوات مبهمة ..لابد من صوت ما  يكسر طوق هذا الصمت البارد. خيل اليّ انني اسمع ارتطام الكلمات ببعضها وهي تتزاحم الى الخروج من بوابة حنجرتي .. تتكأ على بعضها ، تتزاحم فيما بينها  لكني لم استطع ان اتخيل كيف يمكن ان تكون البداية  لمن يتخبط في الاختيار بين الف ؟! وكيف يمكن لتلك البداية ان تنتهي اذا ماارادت ان ابتدأ بها جميعا؟ لو قلتَ لي بماذا تفكر الان لكان باستطاعتي التكهن بما يمكن ان تقول . ولكن فيم يفكر  من ترك وراءه ثلاثين شتاء وحنين؟..عصفت بهن الرياح واحدثت مثل هذه الرعشات اللذيذة. مليارات لاتعد ولاتحصى من قطرات المطر اغتسلت بها ، وراقبت بعضها وهي تنقر وجه الارض فتحدث في اخاديد صغيرة اول الامر ، لاتلبث ان تتحول الى حفر لتتحول هذه بدورها الى برك فمستنقعات .. لتشكل اخر الامر بحيرات متواضعة  يعبث قربها الاطفال والصبيان فيتحدوا بالطبيعة  في عبثهم ولهوهم متخذين متخذين منها جنة الاحلام .

اما التي يصادف ان تقع في مطبات الشوارع فتلك ما يصيبنا منها رشاش

الطين حين تمر السيارات فنتذمر ونلوح بالقبضات والحركات العنيفة

 ثم نواصل السير. الابنية متوزعة في

الارجاء.. تكتسب لونا حقيقيا يبدو ناصعا  عندما يجف بللها، فتبدو وكانها قد انشات حديثا بعد كل زخة مطر. اوراق الاشجار تكتسي باخضرار مبلل ايضا.

الطيور تضطرب في تحليقها  عاليا اتاملها  فوق النهر تسارع الى الاختفاء  معلنة

بمالايقبل الشك ان تلك الغيوم الداكنة  لابد ايلة الى زخة ثقيلة  بين لحظة واخرى.

الشتاء هو المطر اولا واخيرا ومابينهما برد وضباب وبخار دافئ يخرج من الفم وقطرات ندى متباعدة تطرز اوراق الورد والشجر. الضباب والبرد او رائحة الارض بعد ان يهأ زعيق السماء وبعد ان تتشرب الارض مائها وبعد ان ينقطع  قصف الرعد ويزول الهلع لدى الصغار .. ثم يهدا كل شئ .. دقائق حتى تستانف الحياة ضجيجها من جديد ويتناهى الى الاسماع زعيق منبهات السيارات  ويهرول

الواقفون في محطات الباص مسرعين الى مقاصدهم  بحثا عن مكان خال في حافلة دافئة ، او في سيارة اجرة . ثم ماهي الا فترة قصيرة من الوقت حتى تبدا الشمس بارسال اشعتها الذهبية .. ويبدو كل شئ وكانه يخلق لاول مرة حيث يحلو الدفء الخرافي وتضج بي الحياة فاشعر وكأن الحياة قد بدأت الان. اكثر من ثلاثين شتاء

تلبدت فيه غيوم رمادية تسود احيانا وتدلهم  وتنضيق روح الانسان تماما مثلما تتورم حبة في جسده فينتظر لحظة انفجارها كي يخرج القيح.. ففتستريح الحبة وتريحه ، كذلك تلقي السماء باثقالها لتستريح الطبيعة ويستريح الانسان من هم الترقب والانتظار. اكثر من ثلاثين شتاء  استيقظ في الصباح وبي حاجة ابدية للنوم

اغالب رغبتي بالعودة الى الفراش الدافئ لاسخن ابريق الشاي على نار المدفاة.

كل شئ ينبغي ان يكون ساخنا او دافئا كي احقق التوازن واقلل من قساوة هذا البرد الزمهريري. " الراشي  مهم جدا في صباح مثل هذا يدهن المرء به ريقه ويجعل الحنجرة مستعدة لتمرير دخان لفافة تبغ. ذلك ماحدث فعلا هذا الصباح

 حيث تاملت حلقات الدخان المتصاعدة  في فضاء الغرفة ..لامتد ببصري

مخترقا زجاج النافذة حيث لم يكن بالمستطاع رؤية  شئ على الاطلاق . وضعت فمي على الزجاج ونفخت البخار الساخن  الذي خرج من جوفي  فتكثفت قطرات

البخار بسرعة فائقة لتنجلي مساحة صغيرة سمحت لي برؤية بضعة زهرات

صغيرات بللها الندى. الشتاء .. ان يتدثر المرء بملابسه جيدا وان يترك

وجهه واذنيه تلفحهما  الرياح

القارصة في بغداد فيشعر بروعة دمائه تجري دافئة في عروقه. ثلاثون شتاء مثل هذا اواكثر .. مضت وانقضت مخلفة وراءها دفء الفراش وصقيع  الشوارع

بعد ان يتجاوز الوقت الثانية بعد منتصف الليل . الاف الليالي الموحشة التي يخيل

للمرء فيها ان اللليل سوف لن تكون له نهاية . وان الانسان خلق وحيدا ..

وسيموت هكذا وحيدا ، وان اصابعه سوف تتجمد اذا ماظل سائرا حتى انبلاج الصباح. عشرا ت الايادي تراها كل صباح يفرك بعضها بعضا .. وتمر امامك الخدود ملسوعة بالبرد متوهجة  باحمرار بارد الملمس والاذنين تصطليان.

السحن السمر تصبح بيضاء او هكذا اراها ،متشربة بالحمرة  تحت قطع السحب المتناثرة كالقطن في فضاء صافي الزرقة . والمرء يبدو انيقا في مظهره

يرتدي احلى ماادخر من البسة لمثل هذه الايام. الشتاء يجئ ويذهب كل عام مخلفا ذات الشعور في نفسي .. يبدو فيه الانسان جادا ، وقورا، هادئ الطبع ، رصين

الكلمة ، واجمل مافيه ان الناس يقتصدون في اوقات لهوهم خارج منازلهم فالكل يبحث عن الدفء والالفة. لابد لهم من الفة ما يهرعون اليها هربا من المطر والوحشة والزمهرير.

ثم نفيق فجاة لنتحقق من نشرة الانواء  الجوية التي انبئنا بها ليلة امس  بان

درجة الحرارة ستكون كذا ..فنعرف اننا قد اصبحنا في فصل الصيف ! هكذا

وبدون ان نمر باية فترة انتقالية .. حيث ربيعنا المزعوم  الذي لايعدو كونه

خاتمة وتتمة رائعة لذلك الشتاء الطويل ..  بل لنا ان نقول انه اخر ايام الشتاء الدافئة والمنعشة التي تظهر فيها القمصان المزهرة وفساتين الفتيات الربيعية

ترفل في الهواء الطلق .. حيث يسود الطبيعة لون اخضر .. غثاء الحيوانات واسراب الطيور المهاجرة  واريج الزهر الفواح. الاطفال والفتية واكوام من البشر تملا الاماكن والساحات العامة والمتنزهات . في كل صوب ثمة احياء يضحكون ورجال يقهقهون .. في الاسواق والمطاعم وعلى الطرقات الخارجية منتشرين .

لكل  سبب ما يدعوه للضحك  او للتمطي والاسترخاء . الكل يحاول اقتناص هذه الايام وتوثيقها بالصور والكل يريد ان يشعر بها قبل ان تفر من بين يديه ، كحلم لذيذ لكن عبثا يحاول ! فهذا الحلم الجميل سرعان مايتبدد لنصحو ذات يوم على شمس تضرب في الدماغ .. فتتحول البشرة البيضاء الى حمراء والسمراء

الى سوداء .. وتضيق النفس وتتازم اخلاق الناس ويسود الطبع الجاف ويتبرم

الانسان بكل شئ . واغرق انا في لجة عرق يتصبب من انحائي  ويفوح عطن الاجساح في زحام الباص  او في مقاعد الدرس وصالات الانتظار وتجتاحني

هستيريا النرفزة والسخط على كل شئ .. واذا بالخلق قنابل موقوتة تنفجر لاي سبب وادعوا الله مخلصا كل صيف  ان ينقشع فلايحدث امر جلل او مصيبة ..

لكن  عبثا ، فالصيف يابى الا ان  يصطحب احد الذين احبهم . ويفل عني احبتي

ويموتون ، يمرضون او يختفون ويتركوني فجاة دون عذر واضح.. كل شئ يصبح جافا ويابسا واشعر ان الحياة قد نضبت وان روحي قدسادها خواء ابدي.

ويقتلني الانتظار والترقب مرة اخرى وكل يجئ اتنسم فيه ثمة نذير بانقضاء هذا الصيف اللعين حتى تحمل الرياح المشبعة بالغبار والاتربة  نبأ الخريف فاجد

بذلك بعض العزاء حيث يقترب كل شئ الى  التجريد والتجرد .. اذ الاشجار عارية

والفكر عار من اية فكرة ندية . لاشئ سوى الجفاف واليبوسة .. ويطول الانتظار عل السحب المتتابعة تحمل لنا قطرات غيث  تغسل هموم الروح وتبراها مما علق

بها من ادران واتربة مزمنة.

كل شئ مضى وانقضى ولم يزل كوب الشاي فب يدي  وقد تكثفت حول حافته قطرات البخار وامامي يوم طويل فليتوقف هذا الاسترسال ولتتوقف تلك التداعيات

في صباح كهذا فالبرد يحاصر المنزل بل الغرفة نفسها .

كان نصف ظلام لم يزل يلف المكان ونصف وضوح سمح لي بارتداء ملابسي وحلاقة ذقني  وفتحت نافذة الشباك قليلا فانداح الهواء البارد القارص  يلفح

وجهي محققا نشوة تعادل خشيتي الاصابة بنزلة برد.

 

شباط 1989

 

http://www.arabicstory.net/?p=addtext

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007