[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
شهادة مؤطرة بالنمنم شهادة مؤطرة بالنمنم
التاريخ:  القراءات:(3257) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                            شـهـادة مـؤطـرة بالـنـمـنـم


                                         ـ قصة قصيرة ـ                                         


 


 شهر أو أكثر مضى على اختفائه الملعون، ملعون كذلك الحب الذي ولجني قبل تركي الزي المدرسي وارتدائه البزة العسكرية، ملعون بقدر استمتاعي به لدى كل هدنة رحيل لا يمكن لأحد التكهن بموعد انتهائها، حيرتي في أمري وأمره وكل ما يحيطنا، قهر السنوات الذاوية دون وعي أو إدراك، أو تسرب شعاع شمس من بين أصابع أكفنا المغروسة شمعدانات شموع تؤرجح  الريح نيرانها في لوحة الفراق...


 أتركه ينهل مني مايشاء، يلقي بيأسه ووهنه في أحشائي ويمضي، كعابر سبيل، تزوجنا دون عرس اعتاشت على تفاصيله أحلامنا الخجول، توصلنا حتى الغرفة المحجوزة في أحد الفنادق الكبيرة، أهيم بأول كلمة يمكن أن تمد يد العون إلى بئر ارتبكي، أترنح عند أول قبلة لا أود الإفلات منها، وإن تظاهر دلال العروس المعهود بذلك... فوجئت به يدق باب بيت أهلي، وكنت بمفردي في الدار، عاجلني، وقد تذكر لتوه أني تلك الزوجة وئيدة الانتظار التي عقد عليها في آخر إجازة كنا نعد ساعاتها بعسكرية صارمة، شككت أنه عرفني لدى رجوعه، والجميع يحيطون به، يذبحون الخراف عند قدميه المتورمتين، خرت والدته لتقبيلهما فلم يحرك ساكنا لإنهاضها، كان يبكي، كان يضحك، كان هو ذاته؟؟؟... تراجعت، فضمني الحشد المتهلل بعودته سالما بعد فقدان الأمل، في كل شيء، بدا أمامي كائنا مهولا، مخيف النظرات الجادحة بالوجوه المتمعنة في غضون قسماته والشيب المتعرج في شعر رأسه ولحيته...


 غفا بدموع متلبدة في محجريه عند مفرق صدرٍي، موطئ خربشة أظافري وسياط  لطماتي المدوية يوم وصول خبر أسره إلينا، لاك شفتي بين شفتيه المتشققتين طويلا، أرعد وأزبد عندما لم تستطع فحولته إيصال رسائل اشتياقه العتية، طرق أبوابي بمخالب وحش من وحوش الغاب، تهلل وجهه كمراهق يحرر أولى رغباته من عتق قيودها، نهنهاتي المتقطعة تعقبت مواجع ليالِ علِقت من عمرينا ما شاءت...


 كنت أسمِعه شعرا كتبه في عمرٍ آخر، تلاشت أبياته في نسيج ذاكرته المهترئ، أوراقه المجعدة ملطخة بنثار دم نزفته جبهتي في إحدى ثورات هيجاني، ووجوده اللامرئي متشبث بي على طول الفراش وعرضه... أصابعي المتخبطة بين ندب جروحه تعزف ألحان نشيج انصهارنا بين ركام غرفته، لم يستدبل فيها شيئا غير سريره بسريرٍ آخر عتيق، تضعضعت فوقه عظامنا، يضحكني أسىً لا يحسن أي منا إخفاءه عن الآخر: (ركام فوق ركام)...


 أسمع منه شعرا ملتاثا بالهذيان، أكاد لا أفهم منه شيئا، تتخلله كلمات أعجمية تسحبه من بين ذراعي إلى فيافٍ قصية لا يرضى أن يخبرني عنها شيئا، كما لم يرضَ إخباري عن أسراره التي جعلته محط ريبة وتخوف حينا، وحب وتزلف أهل منطقتنا حينا آخر، منذ أن أرجع الشاب المختطف من قبل إحدى الملشيات إلى أهله، بعد فقدان الأمل برؤيته مجددا، تفاوضه مع قادة ملشيا أخرى لفك حصارها عن الحي، ومنعهم من تفتيش وتهجير بعض سكانها، كما لو كان وثيق المعرفة بهم، أو أنه فرد من أفراد جماعتهم الملثمين، حتى الأمريكان لم يستنفذ وسيلة للتفاهم معهم بحميمية المرحب بالمحررين، منذ، ومنذ، ومنذ...


 قد لا أجده صباحا، أتلمس مكانه في الفراش، حلم كان أم حقيقة، مطارحتنا الغرام طول الليل، بأعصابٍ متوترة قلقة، يشوب خدرها الغثيان، غثيان مرير، مرير جدا، لم يخلد في ظني أني سأدركه بعد كل هذا الانتظار القاحل، وصباغ الشعر بالكاد يواري الرماد المتناثر في خصلي المتهدلة، أبلغته أم لم أبلغه، لم أعد أتذكر...


 أندبه، أرثيه، أشتمه في مناماتي المتوجسة، أرفض عودته المتأرجحة في حياتي، ما بين غياب وظهور مفاجئ، واستنشق رائحة جسده كل وقت، أبحلق في عينيه، أنزلق في متاهات نظراته الشريدة طويلا، فلا أحصد سوى المزيد من التشكك والوحدة والغربة، غربة عنه!!... عن الرجل الذي خلف لدي قرف مريع من أي شخص آخر، أهجس بمحاولاته التقرب مني، وإن كانت وسيلته ملاطفة لا تلمح لشيء، كم صفعة وجهتها كفي، رغم إرادتي، وفي أماكن شتى... الوظيفة، الشارع، الباص، حتى البيت، عندما أراد أخي الذي يصغرني بثمان سنوات مشاكستي ودغدغتي، كما هي عادته، بعد دخوله غرفة نومي فجأة، أي وسواس مرضي حدرني إلى ذلك التصور المريع، صرت أتجنب الجميع أم هم من عادوا يتجنبوني، صمتهم وارتباك نظراتهم المشفقة يخبراني بما لم تجرؤ ألسنتهم على نطقه، أتنصت إلى تهامسهم حول الزوجة العذراء، هاقد فظت بكارتي من قبله وآخرين تقمصوا شخصيته... نعم، هو ليس شخصا واحدا، بل عدة أشخاص يضعون ذات القناع، لا أستطيع تمييزه عنهم، خفت قول هذا لأحد فيتهموني بالجنون المطلق هذه المرة...


 سألته من يكون، أجابتني ضحكاته المفزعة، دون أن يعقب بكلمة واحدة، صار العناق وحده هو وسيلتنا للتحاور، عناق همجي، لا قدرة لي على صده، تتلمظه شفتاي أكثر من أي فترة اختفاء مضت، لا أدري شيئا عن أمدها، يغالبني الظن في كل مرة أني لن أراه ثانية حتى أقع في كمين مباغتته، في أي مكان من البيت، متصاغر المساحة في عيني يوم بعد الآخر، أكنت أراه في كل مرة فعلا، أي منها الحقيقة التي زرعت بذارها في رحمي وأيها الخيال؟... لا أحد يريد إجابتي، مجرد همهمات باكية، نظرات زائغة، وإيادي نساء فظة، بينهم والدته بوجهها جامد الملامح وملبسها غرابي اللون، تتطاول على بطني كالمخالب، تنتزع مني جنيني قبل الأوان، ولادة صامتة سوى من صراخي وعويلي المستمرين...


 أهمد أخيرا، أتشبث في استلقائي شبه المغيَب بوسادة بيضاء، باستدارة البدر، منداة بالعرق، طرزتها بقلبٍ أحمر من النمنم، قبيل العرس الذي لم يتم، تتوسطه شهادة مختومة من هيئة الصليب الأحمر، تحمل إسم حبيبي...


 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007