[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عند الضفاف عند الضفاف
التاريخ:  القراءات:(3541) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                        عـنـد الضـفـاف                             

                                     ـ قصة قصيرة ـ                        

 

 لا أفتح عينيّ ولكني مستيقظٌ تماما منذ صحيان أبي ودخوله الحمام، يصلني سعاله وبحة صوته حاد النبرة، توجيهاته، تعليقاته، عادة يومية ألفناها منذ صغرنا تتواصل حتى خروجه الذي أصبح متأخرا بعد تولي أخوتي مهام العمل معه في محله واسع المساحة وسط سوق الجملة الكبير، تغلق خلفه الباب أمي متأففة متذمرة بعد تشييعه بالدعوات التي حفظناها عن ظهر قلب...

 أدير ظهري عن ضياء الشمس المنهمر عبر الشباك، لا أغلقه تماما رغم لسعات برودة هواء الليل، تتلقف فتحته بعض أدخنة السجائر التي تضيق من عبقها والدتي ما أن أفتح باب غرفتي مبعثرة الكتب والثياب والأحذية، متمردا على كسل فظيع يسطو على جسدي، أياديه تقبض على عظامي بشراسة تخلفها جولاتي الليلية الطويلة في شوارع تترافد أفرعها كشبكة أسلِم لها ضياعي وشتات وتزاحم أفكاري المتسارعة والمتقافزة فوق بعضها، فتنزل بحملها الثقيل إلى قاع سحيق، لا تبقي غير خطوط باهتة تنزلق إلى بؤر أحلامي بصورٍ غريبة، متداخلة، ملتوية، توقظني أكثر من مرة فجأة، بجفونٍ خدلة، فتستأنف اعتصارها دماغي الملقى على جنبات النوم، يشدني حماس واهٍ للنهوض والشروع في كتابة شيء، أي شيء يمكن أن ينتج في يومٍ ما، سنةٍ ما، عملا متكاملا يجذب الاهتمام ويأخذ حقه التوزيعي والتقدي، يرد على تساؤلات وتشككات شتى، تنزرع  داخلي بإملاءٍ من الجميع...

(أنت تداري فشلك في صومعة الكتابة والقراءة المستمرة)...

 كلمات تدوي في أذني، قالتها عند آخر لقاءاتنا وانزوت عن حياتي بالكامل نحو الأمان والاستقرار، بعد أن أخبرتها بهجراني العمل في محل والدي ومنافسات أخوتي وتلك الدسائس غير المنتهية فيما بينهم، فتراني لا أقوى سوى على الفرجة وتجنب المشاكل ما استطعت، أنا لم أخلق للتجارة والمعاملة والمجادلة الطويلة، حد العراك، مع الآخرين لانتزاع ربح أكثر من هذا أو ذاك، وإن فعلت لا أجني غير التقريع والسخرية اللئيمة من أشقائي وهزة رأس متأسفة من قبل أبي، ترثي ضعفي بين مخالب الذئاب، وقد أحلت الصفقة إلى قطيعة مع تاجر أو عميل قد يكون من أقدم من تعامل معهم على مر عقود، خسائر مالية كنت سببها وأخرى حملوني إياها، لا... لم تكن خسائر، أعلم ذلك جيدا رغم جهلي بعالمهم، كانت سرقات تتسلل من حين لآخر إلى جيوبهم غائرة العمق، يتغاضي عنها الكهل، إلى حين... أعتكف في غرفتي بعيدا عن صراخه في وجوههم، اتهاماته وشتائمه المذكِرة، بالتفصيل، لما استحله كلٌ منهم من مبالغ خفية عنه وعن أخويه، وربما بتواطؤ معهما أو أحدهما، دون أن تكف أصابعه عن مداعبة مسبحته العاجية، إجاباتهم المدافعة بشراسة عن شرفهم وكرامتهم وقد صاروا أزواجا وآباءً، حتى يدفع باب غرفتي بقوة لتنالني بصقة احتقار سمعت خشونة مثيلتها قبل مغادرتهم...

 ضوضاء مهاجمات كلامية تتتبعني إلى جلسات المثقفين والأدباء في إحدى المقاهي المشرفة على النهر، والتي اعتادت أن تكون أشبه بمنتدً للكتاب والمثقفين منذ عقود، أحرص على ملازمتها أكثر من أي شيء آخر، وإن كنت أجلس بينهم شبه مستمع لما يتطرقون إليه من مواضيع متشعبة تبهرني، تقزمني طلاسمها التي قد لا أفقه عنها شيئا، أسماء،عناوين كتب في شتى المجالات، أغلبها تكون من أهم ينابيع ثقافة الكاتب الأولى، قرؤوها واستوعبوا أفكارها منذ بواكير شبابهم، وأنا قد تعديت الثلاثين بسنوات، أفتش عنها بين أرفف المكتبات الكبيرة والقديمة، أنفض عنها الغبار، أقرأها بتركيز طالب مجِد، يخشى تبدد محتوياتها من ذاكرته بمجرد اجتيازه الامتحان، تتصادم هي الأخرى مع الأفكار التي تلج رأسي كومض خاطف، أقتفي أثره طويلا بلا جدوى، وكل جلسة من جلساتهم الثرية تحتجزني عند ضفاف ثقافتهم العميقة...

 يطلعون على كتاباتي، وقد طبعت من كل قصة نسخات عدة، يبدون إعجابهم بها، وكل الطلبات على حسابي أغلب الأحيان، رغم الممانعة الخجول، في نظرات عيونهم المتحرجة ألمح حاجتها إلى الكثير من  الإتقان...

 قد استسلم لرغبة عنيفة أن أصيرها قورابا ورقية تتهادى على صفحة المياه الرقراقة، أظل أرقبها بعينين زائغتين، أسأل نفسي أيها يمكن أن يسبق الآخر، أضحك بقهقهات عالية، تستدعي الظن بجنوني، عندما أراها تتخبط ببعضها قبل انزلاقها نحو الأعماق ولم تبتعد عن الجرف إلا قليلا... وقوفي عند حافة النهر قد يطول لساعات، لا يختمها سوى انسدال الليل فلا يبقى غير الوحشة العارمة من وجود، عندها أتمنى حضورها، عبق شذاها، ترك كفها لي، أتحسسه وألثمه بشوقٍ يتنامى مع سنين الفراق، أتلمس خصل شعرها وأهمس في أذنها كلمات لا يعوقني شيء عن استرسالها، علمت أنها قد أنجبت ولدا آخر، رغم أنها كانت تتمنى إنجاب الفتيات لأن تربيتهن أسهل، نشرت خلالها عشر قصص قصيرة في صحف محلية ومحاولات مستميتة لكتابة رواية لا تستعصي على الاكتمال...

 هرعت نحو المستشفى، الخمرة تقرع رأسي طول الطريق، المقود يهتز بين يدي، لا أدري السبيل للوصول، بسرعة مرتبكة تركت رفيقي في التسكع الأدبي تمضغه الحيرة في أمر المكالمة الصاعقة التي تلقيتها من أخي بنبرة مرتجفة، وجدت والدي راقدا على السرير دون حراك، تنتزعه غيبوبة من الدنيا نتيجة تعرضه لجلطة دماغية إثر مشادة طاحنة جديدة، كشفت غطاء الكتمان عن نية أكبرنا في رفع قضية حجر عليه، لم ينجلِ لي موقف الآخريْن منها...

  أمورٌ شتى تمازجت في ذهني موَلدة خلطة عجيبة ما استطعت التهرب منها طيلة أيام مجلس العزاء، دون كلام مع أحد، كنت في جمود تمثال، أو شخصية لم تحتوها أي من قصصي بعد، كل ما يدور حولي أشبه بأحداث مسرحية مملة، متماطلة، قد تبعث على الضحك من شدة التقمص، انزويت عن زمجرة نقاشهم وتبادلهم الاتهامات في غرفتي، يسابق الدمع رقن كلمات هاذية، لا تشي بمعنى رغم ما ينحت روحي من حزن، حتى طغى صوت نباحهم على كل شيء...

 اصغى الطبيب لكل كلمة قلتها بشرود حتى ظننت أن الصوت يصدر عن آخر يشاركني جسدي الموشى بالخدوش والكدمات، بل أني بالكاد تعرفت على ملامح وجهي في المرآة الصغيرة  المواجهة للسرير بعد إفاقتي من إغماءة لا أعرف أمدها، كان يخدش صفحةً في دفتره الصغير بملاحظات سريعة اختتمها مع نهوضه عن كرسيه المقابل لي بابتسامةٍ تتأرجح بين الإشفاق والحيرة، يعدني أن يجلب لي كمبيوتري وكل ما سميت له من كتب، لم أقرأ بعضها وأود إعادة قراءة بعضها الآخر بتعمقٍ أكثر...

 أتنصت من خلف باب الغرفة مكتومة الهواء على أصوات أخوتي، يستفسرون منه عن اللوثة  التي أصابتني ودفعتني إلى الخروج فجأة كالوحش الكاسر من غرفتي لمعاركتهم بشراسة لم يعهدوها فيّ من قبل، فيما كانوا يتشاركون وجيعة الفقدان...

 يزرقني الممرض بأبرةٍ أخرى، تنفيني إلى عالم بعيد، بعيد جدا، يشدني إليه صفاء تام، يتفجر من شعاع الشمس المتسرب عبر القضبان الممددة على جسدي المخدَر فوق السرير، أغمض عيني، ولكني أبقى واعٍ لكل شيء إلى حين، أفكر في ما أود كتابته بعد صحياني...    

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007