[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قدح الزناد قدح الزناد
التاريخ:  القراءات:(3218) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                                                  قـدح الـزنـاد     



                                       ـ قصة قصيرة ـ




 من حسن حظة أن الشارع خاويا في هذه الليلة قارسة البرودة وإلا ظن الجيران به الجنون، خطوه الراقص يرسم لوحات الفرح على الأرض بين قفزةٍ وأخرى تعيده إلى مرحلة صباه، لم يعد يملك تحكما بلجام ضحكاته المجلجلة، يتنفس بعمق هواء حياته الجديدة، لا يدري بماذا يبتدئ، إصلاح ما يستطيع من الدار عتيقة البناء والأثاث، إفراح أولاده بكل ما سوف يشتريه لهم وما قهره كثرة سؤالهم عنه، ينسيهم ما وعوا عليه من حرمان، وطبعا لن ينسى زوجته في شيء، بعد أن يعيدها راضخة وأولادهما من بيت أهلها، تتجرع في صمت كل نظرة تتفنن في لومها على كل ما احتمله منها على مضض طيلة السنوات الماضية، استفزازاتها وسخريتها من ذلك العبث الذي يشاركهم اهتمامه دون إنصاف، بدلا من سعيه للبحث عن عمل إضافي يخفف عنهم فقر الحال، تهديدها بحرق كتبه مهلهلة الأوراق، صفرتها تبعث فيها السآمة أكثر فأكثر، جمعها من باعة الأرصفة منذ مطلع شبابه، شهرا بعد آخر، لا ينسى كل مساومةٍ خاض غمارها مع البالئع حتى يحصل على مبتغاه، تمزيقها، بل بيعها جميعا، علَها تستطيع شراء أحذية أوملابس جديدة، أو حتى مستعملة من سوق البالة لأبنائهم المبتلين بأبٍ مهووس يصر على خداع نفسه منذ ما يربو على ربع قرن...


 بصقت فرحتها وزغروداتها المتوالية بعد خروجه من المعتقل لما عرفت سبب احنجازه وتفتيش رجال الأمن الدار بهمجية أوَجت في الأوصال ألهبة الرعب، أخذوا الكومبيوتر، قديم النظام، فجعها بشرائه بالتقسيط من أحد أصحابه، قرؤوا ما كتب من فصول روايته التي حدثهم عنها بأعصاب منمحقة في غرف التحقيق والتعذيب الموشحة بالنور الأصفر الباهت، وجهه كان متورما، لا تعرف منه ملامح، يمسح ما ينز من عرق ودم بكم قميصه المهترئ القذر، أصابعه ترتعش على حروف لوح الكتابة حتى يصيبها التخشب، تأتيه صرخه أو لكمة مباغتة على ظهره الموجوع، فيسمع طقطقة فقراته المستغيثة، يعود بشفتين مثلمتين، يشرح موضوعها الذي ألجأه للبحث عن مواقع المتطرفين، يأخذ منها ما يحتاج من معلومات، يدغمها في نسيج خياله، فتكون قدحة زناد حقيقية، قسمه الباكي بذلك تعدى ألوف المرات حتى تم الإفراج عنه أخيرا بعد التأكد من كل صغيرة وكبيرة في سرد حياته الفقيرة المسالمة إلى أبعد الحدود...


 اعتكف أياما وأشهرا في بيته المهجور، لم يخرج إلا للضرورة الملحة، دون اهتمام بما يرتديه، فقط دأب على حلاقة لحيته تجنبا للشبهات من جديد، استمر في انقطاعه عن العمل، لا يدري إن كان قد تم فصله أم لا، بات هو الذي يبيع كتبه، واحدا إثر الآخر، حتى يجد ما يأكل، لما سلموه الكومبيوتر، هم بتحطيمه بكل ما صارعه من حنق وخوف وغضب، سقطت منه العصا الغليظة التي كان يقبض عليها بكلتا يديه المتشققتين، الدمع المترقرق في عينيه المحمرتين من قلة النوم واضطرابه بالكوابيس المفزعة استلب ما لديه من قوة، خر إلى جانبه، ككهلٍ مستوحد لا يجد ما ينعي به نفسه...


 استيقظ من إحدى غفواته في هجيع ليلة من لياليه المقفرة على صوت متواصل، صم أذنيه قويا، ولكنه اكتشف أن ألم تلك الصرخات يصدر من داخله وذلك الجهاز الموضوع أمامه في جمود جثةٍ فارقتها الحياة منذ فترة...


 استغرب من تلك الهمة العجيبة التي دفعته إلى معاودة الكتابة، وفي ذات الرواية التي كانت تربكه أحداثها كثيرا، يمحو أغلب ما يكتب، وقد يتوقف عن كتابتها أياما نزقة مكفهرة، تصد فكره عن كل ما يدور حوله، حتى تمنى أكثر من مرة أن يعفها خياله تماما، قدحت عيناه بلمعة تحدٍ مخاتلة، ضحك من مرارة جنونها  طويلا، كاد يبعث لحماة الوطن، كما كانوا يصفون أنفسهم، رسالة شكر وعرفان بجميل وهبهم إياه الجانب الأخر من الرواية، أخذت أصابعه تتقافز على الحروف بسرعة لم يحرزها منذ بدء تعلمه استخدام الكومبيوتر، يرسم صورة تلو أخرى بإتقان يتحرى كل تفصيلة خبر لعناتها جيدا، والساعات تختزل في وعيه المغيب إلى دقائق... راح يراجع وينقح، يقدم ويؤخر، جمل وفقرات، يفاجأ باستمرار النزيف الهادر داخله، يحلق هنا وهناك وهو قابع في مكانه البائس، يحدق زهوه في أعين الجميع، حتى صاحب دار النشر الذي فاجأة بقبوله، بل ترحيبه بنشر الرواية على نفقة الدار، على عكس ما كان يحصل دوما، شرط الحصول على موافقة الرقابة...


 في بغتةٍ خاطفة التقطت نظراته وهج الرصاص المصوب إلى صدره من مسدس تقبض عليه كف خشنة لم يعترِها أدنى اهتزاز، انطلقت بصاحبها سيارة مسرعة، سابقت آخر انتفاضات جسده المرتطم بالاسفلت، إلى جانبه يناوش دفق دمائه القانية الشهادة التقديرية وصك الجائزة الأولى لمسابقة الرواية السنوية بشراهة...

                               ................................

                                                                      8 ـ 1 ـ 2011 عمان


 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007