[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اصطفاق الريح اصطفاق الريح
التاريخ:  القراءات:(2553) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

                       اصطفاق الريح... 


 إياك أن تعاود الكرة من جديد، فقد مللت ذات التداعي الذي يدركني لدى كل مرة أخرج فيها بذات النتيجة من هذا الباب، عموما لم يكن الأول، وبالتأكيد هو ليس بالأخير، اضبط أنفاسك، ثبت خطوك على الأرض، دعها تبعدك من هنا بسرعة، امسح عرقك المتصبب على وجهك الملطوم بالرفض، لم تعتد امتصاص صعق المصائب الملازمة لقدرك لحد الآن؟... ما أغربك!... إجلس إذن هنا، على حافة السور القريب الواطئ وإزفر الهواء قويا، تمنى تحوله عاصفة هوجاء، تلفك لجتها وتقذفك بعيدا بعيدا...


 بعيدا؟... لا يوجد بعد الآن ما هو بعيد، هنا أقصى ما تستطيع الوصول إليه، والحلم الذي استمر في مراودتك هذا منتهاه يا خالد، خالد... وكأني أسمع أحرفه بصوت جدتي الواهن الكسير، يتردد في أذني مثل غطيطها الرتيب مترامي الأصداء بين الجدران المقشرة العالية في ليالٍ تنسج حلكتها الدامغة، بعد أن أناولها حبوبها وأتبعها بشربة ماء, تدعو لي أن أستقيها من ماء زمزم, أهجسها بخفة الريشة عندما أرجع رأسها الصغيرة للوراء, تتحير عيناها الضيقتان في سيماء وجهي, تتحول طفلة مستوحدة في الليل, خاصة بعد رحيل أم هاشم مع حلول المساء, معلنةً التذمر عبر تمتماتها المتزايدة من نزق طباعها, رغم ملازمة كل منهما لأزمات الأخرى منذ سنوات سبقت تاريخ ولادتي... قد تجبرني على المكوث عند طرفٍ من فراشها العريض الذي تصر على تغيير ملاءته بين يوم وآخر، وتعيب علي عدم اهتمامي بنظافة وترتيب غرفتي وممانعتي دخول أم هاشم إليها سوى مرة في الإسبوع، تلم أيضا ملابسي المتسخة وتضعها في الغسالة الأوتوماتيك التي اشتريتها مستعملة من أحد محلات الباب الشرقي للأدوات الكهربائية بعد وصول حوالة من حوالات أخي محمد التي كان يرسلها إلي من هولندا بين الحين والآخر... أستمع إلى حكاياتها المكرورة, كما لو أنها حدثت اليوم, قصص وذكريات متداخلة تمزج الحاضر والماضي بطريقة أشبه بهلوسات جلساتي وأصدقائي السكرى في الحديقة المهملة... أما في الصباح فيعود ذلك الصوت القوي المتحشرج يطارد الصمت المتشعب كنسيج العنكبوت في زوايا الدار بطابقيه الواسعين, بناها جدي في أواخر الثلاثينيات, على ارتفاع عدة درجات عالية تحسبا من خطر الفيضانات التي كانت تهدد المدينة، تعرضنا للوقوع من فوقها مرارا، عاشت فيها مع حماتها ومشاكسات أخواته, تحمل الكثير من السخرية الجميلة عنها، تعيد إليها لمسات من نضارة ذلك الوجه الحنطي الملتف دوما بفوطة بيضاء لها ذلك العبق الخاص بها ووجه جدي صارم الملامح، عريض الشارب، يرتدي الجلباب الأبيض وصاية وسترة رصاصيين ويلف حول رأسه المرقط بالأسود واللأبيض ـ الحراوية ـ يحوطهما إطار الصورة العتيقة المعلقة إلى الجدار المقابل لخزانة ثيابها ذات أبواب الصاج الأربعة... تحمد الله أنه قد رحل عن الدنيا قبل توالي النكبات فوق رأسها أشيب الشعر بالكامل, مات عام ستة وستين، وعمي عامر مختفٍ عن الأنظار, لم يعلم أحد شيئا مؤكدا عنه، إن كان قتيلا أو طريدا من قرية إلى ناحية، أم كان من المعتقلين الذين لا يود أحد التصريح بوجودهم أبدا حتى بعد سقوط طائرة الهيلكوبتر التي كانت تقل عبد السلام عارف وعدد من مساعديه إلى البصرة، عاصفة ترابية أو أيادٍ خفية انتقامية شلت حراك ريشها، تعددت التساؤلات حول ذلك كثيرا ولم تثمر سوى عن مقولة ساخرة يكتنفها الغمز واللمز ((صعد لحمة ونزل فحمة)) ومن ثم انتقال السلطلة إلى أخيه المسالم شديد التسامح مع الجميع، حتى تيقن أبي من خبر استطاعته التسلل إلى خارج العراق عبر جبال كردستان المحاذية لأيران، إلا أنه ظل يتوجس عودته للمشاركة في حرب الأهوار التي قادها مجموعة من رفاقه ضد نظام البعث، حديث العهد آنذاك، بالكاد كنت أطابق بين ما تقصه علينا من طباعه وتلك الصورة التي التقطها أحد المصورين له ورفاقه في العيد الثالث لثورة 58 والأعلام ترفرف خفاقة من وراءهم، ,شعورهم طويلة بعض الشيء وشواربهم كثة غير مشذبة, لبعضهم لحى تشبه لحية جيفارا, تعلو وجوههم فرحة فياضة, تتجلى في عينيه ومضات جسورة تبعث مهابة من نوعٍ خاص, تخفيها وعدة صور أخرى بالإضافة إلى ملابسه وبعض أشيائه الخاصة في حقيبة جلدية تمسح عنها التراب باستمرار, تلك الحقيبة القديمة كانت الأثر الوحيد المتبقي لديها من ابنها البكر في الدار, خاصة بعد استدعاء أبي من قبل مجلس قيادة الثورة لتكليفه بتولي إحدى المناصب الحكومية, لم يستطع التهرب كثيرا ولا الإفصاح عن وجهة نظره، أن المناضل غير السياسي، مكانه بين الناس وليس بمنأى عنهم ما دام يوجد من هم أولى وأكثر دراية منه وإن كانوا من إرث العهد الماضي، قبِل صعود أولى سلالم السلطة مرغما وإلا أعد من مناوئي الثورة، ومع كل منصب جديد يتقلده كان البيت يزداد بهجة بتوافد الأقارب والجيران طالبي الوساطة...


 صغارا كنا عندما أنتقلنا إلى دار جدي العتيقة بعد اعتقال أبي وطردنا من دارنا الذي تمت مصادرته فيما بعد, لا نفهم شيئا مما يجري, ولا الكبار فهموا، تغيرت الدنيا من حولنا حتى تعابير الوجوه ونظرات العيون المحدقة بنا, كما لو كنا كائنات فضائية حطت على الأرض لتوها, صرت أنام ملتصقا بجسد جدتي وأختي هالة تتلفع بأحضان أمي, أما محمد فكان يصر على النوم بمفرده متحديا مخاوفه لكونه الأخ الأكبر, لم يكن يدري كيف يواري خجله عندما يستيقظ والبلل يهزأ بصباه المقبل على المراهقة... كم كانت تلك المرأة قوية, تنزع عنها كهولتها كرداءٍ مهترئ لتروضنا على مسك لجام حياتنا الجديدة, ملثمين بالصمت رغم استفزاز الأيام المستمر, أخذت على عاتقها الإجابة عن استفسارات رجال الأمن الذين اعتادوا طرق بابنا في أي وقت, دون ترك فسحة للتوتر أن يداخل تجاعيد وجهها المتزايدة, ولكني كنت أسمع في ليالٍ تحلق بالنوم بعيدا عن جفنيَ بعضا من حديثها الخافت مع أمي, اللعنات التي تصبها على السياسة وخبل أفكارها التي لم تجر على الجميع سوى الشقاء, بعد أن فرقت بين أبي وعمي منذ مطلع الشباب وجرتهما إلى البغضاء كعدوين لم تلدهما بطن واحدة, حتى أنها تمنت لو استطاعت استبدالهما بفتاتين تتخرجان من الكلية, تتزوجان وتعيشان حياةً سوية كحال عمتي أمل التي لم تضطر أبوها البحث في السجون والتشفع لدى هذا وذاك لاطلاق سراحها, يا ليت الطرد أو حتى الضرب قد نفع مع أحدهما لإرجاعه عن الطريق الذي سطا على عقله كغواية الشيطان قبل أن يجلب التهلكة على نفسه والمحيطين به، كما أنها لم تترك رجال الأمن يعتادون قلب غرف البيت رأسا على عقب, حتى أنها ـ جدتي ـ سألت ذات مرة أحدهم عن مقص الخياطة الضائع منها عله يعثر عليه أثناء تفتيشه الجديد، وقد كفت عن ترتيب الدار بعد مغادرتهم، فقد يرجعون بحملة جديدة بعد أيام أو ربما بضعة ساعات...


 كيف كان لي يا سيدي المحترم شديد اللطف والمجاملة ـ لدى مقابلتي الأولى خاصة ـ ذا الايتسامة العريضة الملوحة لي بتأشيرة أي بلد أود أن أخفي بين ربوعه هلاكي أن أسرد لك، والأهم من ذلك، أن أجعلك تشعر كل ما ثقب وعيي الطفولي وراود عمري حتى مثلت بين يدي سيادتكم والوقت المخصص لي جد محدد، فورائي أكوام من قصص، أغلبها عصي على التصديق، في الانتظار، مطلوب منك أن تخضعها لأسئلتك الموضوعة حسب ما جاء في سياق كل طلب مختصر للنجاة، إجاباتها يجب أن تكون مختصرة كذلك وإن أفسحت المجال لشيء من الاسهاب، فما أنت بطبيب أو محلل نفسي في النهاية، أهم شيء بالنسبة لديك الوثائق الرسمية التي يجب أن تطابقها مع المعلومات المدونة في الكومبيوتر الذي أمامك، والتي لا أعلم كيف وردتكم، وفي بلادي جل المصائب تتم بلا وثائق، أكثر ما كان يلفت انتباهك وتركز عليه هو كيفية السماح لي بالخروج بأوراقٍ سليمة غير مزورة، يا ليتك رأيت ذلك الفأر المذعور عند استلامه جواز السفر، ممهور بختم الخلاص، وركضه نحو السيارة، يكاد يفقد النطق مصفوعا بالرهبة من احتجازه ثم إعادته مندحرا إلى أحد معتقلات مدينته، مغمم العينين منسحق الجسد بالركل واللكمات، أشفق علي السائق فناولني زجاجة ماء لأسكب منه على وجهي المحتقن دون جدوى، كاد يشك بإصابتي بالصرع لولا كثرة مشاهدته لذلك النوع من الهستيريا المؤقتة...


 ()ما أن نخلف هذه البوابة ـ نظر نحوها فقط ـ حتى تستعيد أنفاسك المتلاقفة ويتوقف بدنك وروحك عن الارتجاف))...


 وقد صدق، وما علمت أن نجاتي هناك سوف تكون سبب تعاستي هنا، رغم تأكدكم من وجود أخي في السويد، نزح إليها بعد نيل مكرمتكم، أقصد عطفكم الكريم، عليه وزوجته، ولم يكن قد تعرض لأي اعتقال...


خبر في صحيفة: البلدان الأوروبية المضيفة تعلن عن اكتفائها بعدد النازحين إليها منذ سنوات وعدم استعدادها لاستقبال لاجئين جدد...


خبر آخر: انتحار شاب في أواسط العشرينيات من عمره على مقربة أمتار من مقر مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الأردنية  بعد رفض طلب لجوئة للمرة الخامسة...


 آراه الآن أمامي، مفجوج الرأس أو مذبوح الرقبة أو البطن أو الوريد، حمرة دمائه القانية تنساب بكامل حريتها تحت وهج ضياء الشمس شبه العمودية، تحوط بجسده المرتمي على الأسفلت، لا شيء يبان من ملامح وجهه المهشم بدوره... ربما كان يجلس ذات جلستي المنبوذة من قبل الدنيا  قبل الإقدام على فعلته المجنونة أو الحكيمة، لا أستطيع الحكم على ذلك لا سيما الآن، بدقائق أو ثوانٍ معدودات...


 ألدغ من هذا الهاجس فانتفض واقفا، ألتفت نحو المتجمعين قرب وأمام باب المبنى المغلق، محتملين غطرسة الحارس وصراخه في وجوههم المزدحمة بالتساؤلات والآمال والمخاوف والصمت السئيم، يدفع بعصاه الغليظة أياديهم القابضة على استمارات تسولهم الحياة، ربما يتلفت أغلبيتهم من حينٍ لآخر، كما كنت أفعل، علهم يجدون شخصا يعرفونه من الأهل أو الأصحاب أو الأقارب، جاء هو الآخر دون أن يخبر أحدا بقرار رحيله، أو أنهم يتمنون عكس ذلك، فيضطرون للإجابة على الأسئلة والاستفسارات باقتضاب ألسنة متيبسة، ضجرة ومتحيرة في ما يمكن نطقه أو التكتم عليه، وهناك عيون صقرية ووجوه مصبوبة في قوالب نخبرها جيدا، يدخل أصحابها مع الداخلين، حسب الدور، يعلو قسماتهم شيء من الاستكانة المثيرة للفضفضة...


 ركبت سيارة أجرة بسرعة فور نزول امرأة محجبة وأولادها منها، كانت تصرخ عليهم طول الطريق بينما أخذت تهمس للسائق لدى صعودهم بالمكان الذي يقصدون، وكأنها تفشي سرا تود ـ لو استطاعت ـ استحلافه ألا يفشيه، ذلك ما حكاه لي السائق متهكما خلال طريقنا إلى وسط البلد، بين الفينة والأخرى كنت، بوعي أو دونه، أجد نفسي أدقق النظر في المرآة الصغيرة الملاصقة للشباك ثم أدير رأسي نحو السائق متخوفا من تنبهه لهواجسي المسلطة علي من حين لآخر بتتبع سيارة أحد تلك الوجوه المصبوبة في قوالب السلطة فيطغى تهكمه مني على تهكمة من تلك المرأة المحجبة...


 وصلنا شوارع وسط البلد الرحبة، المزدحمة بالناس على مختلف سماتهم وأعمارهم، بعضهم يشاركني حب التسكع الطويل بين المحال والأسواق، تعيدني وضوضاؤها بعض الشيء إلى شارع السعدون خاصة، أول وصولي إليه يواجهني تمثال عبد المحسن السعدون، أول رئيس وزراء في الدولة العراقية، مات مقتولا أومنتحرا، ذلك من أولى الألغاز التي تبطنت تأسيس الدولة العراقية، لم يكشف عن حقيقته لحد الآن رغم كثرة الكتب التي تناولت تلك المرحلة، وتلك الشخصية بشكلٍ خاص، وما أكدته ودحضته من حقائق وافتراضات لم يعد لزخمها من أهمية، وقد طوت صفحاتها العقود المتتالية المحتقنة بالأحداث والدماء... لا أدري لمَ كنت أتصور صغري أن ذلك التمثال صار يجسد في انتصاب وقفته أبي القتيل دون سواه، وإن هناك حبلا غليظا قد أحكم عقده حول رقبته، كنت أبصر نظراته الثاقبة توالي تحديقها إلى الآرتال العسكرية في استعراضها قبل توجهها إلى الجبهة الشرقية، تحتد تكشيرته مع كل سنة تمر يتزايد معها ذرف الدموع بلا جدوى...


 ((نحن على أعتاب مرحلة جديدة((...                                  


 كنت أسمعه يقولها باستمرار لأمي وبعض زواره وأصدقائه بعد تأميم النفط، منهم من كانوا من المشاركين في مقتله معلنين براءاتهم من كل لحظة جمعتهم به وبأمثاله من الخونة المتآمرين على مبادئ الحزب ووو... ومنهم من غاب عن كل شيء، في غياهب المعتقلات أو بطون الخوف، ربما صاروا يشاركونا مقتنا تلك الكلمات المرددة في كل مناسبة تستبق كارثة جديدة، رأيت بعضهم في مجلس عزاء جدتي، جذبوني إلى أحضانهم قويا، البعض حسبني أخي محمد والبعض ظنني أحد أولاد عمتي أمل حتى عرفهم الحاج إبراهيم ـ زوجها ـ بي، كما عرفني إلى بعض أصدقاء ورفاق عمي عامر القدامى، لوهلة تصورت أن مجلس العزاء سيتحول إلى ساحة قتال أيديولوجية, وسترفع الرايات والشعارات القديمة, وليس ببعيد أن ينشب عراك بالأيدي كما كانت تشهد الساحات قبل عقود, كدت أطلق قهقهات عالية تمسخ جو الحزن الثقيل لما وجدتهم غارقين في لجة أحاديث لا تنتهي ولا تنصت لترتيل الشيخ لآيات القرآن, حياة أخرى يحياها أولئك الكهول على اختلاف هيئاتهم ومستوياتهم الحالية، الزمن قد صاغهم هم الآخرين تماثيلا لا قدرة لها على الحراك، كما كنت تقريبا، تناوش جسدي الجراح بطيئة الاندمال، رضوض عظام ساقيّ تنهك وقوفي الطويل، كم كنت في حاجة إلى أن تضمني إلى صدرها متحشرح الآهات على مدى عقود، أن تسترخي كفها على رأسي وجبهتي وترقيني كما كانت تفعل حتى وإن نفرت من ذلك ومن كل شيء، لم أكن أدري أن اعتقالي سيكون تلك القشة التي تقصم ظهر البعير، وقد صرت النفس الوحيد المتبقي الذي يشاركها نهنهات عمر كفت عن عد سنيه منذ أمدٍ بعيد، أراهن أن فزعا وحشيا صار يخالج أحلامها المشتتة مثل بعض أوقات صحيانها، يطوح بها من غرفةٍ لأخرى، تبحث عن أثرٍ مني لم تضمه حقيبة رحيلي الأبدي... نحبتك طويلا يا جدتي في تلك الدار المقبضة التي كنت أفر منها مرارا بعد خلودك للنوم لأعود بعد ساعة أو ساعتين مرتبك الخطا لشدة قلقي عليك، أخاف أن يكون إسمي آخر إسم تستنجدين به، بعد ترديد إسمي ولديك الغائبين الحاضرين على الدوام مع تردد أنفاسك، تحاكيهما في عتاب, تبكين غيابهما وتطلبين من جدي ألا يبالغ في قسوته بتكرار طردهما من الدار، دون أن تأتيك إجابة من أحد، وعاتبتك على عدم انتظاري وتحملك هذه المرة أيضا، لأجلي، وكم فعلتِ لأجلنا جميعا، أثقلت كاهلي بذنبٍ لا أثق بقدرتي على التحرر منه بالكامل مهما تتابعت السنوات المقزِمة للأحزان أيا كانت، كيف لي أن أنكر تذمري من قيد ملازمتك في أواخر خريف عمرك، وقد تمثلتِ لي مرارا طوق حديد يقبض على عنقي بشراسة، تشده سلسلة حديدية غليظة الحلقات إلى أرضٍ جرداء تتمادى أمام عيني من كل  صوب، حنقت على نفسي وأنانية أخوي لتركهما لي في هذا الخواء، هاتفني محمد ليطمئن على نتيجة آخر طلب لجوء قدمته، لا زال يحذوه الأمل، أو ربما يخادع يأسه مثلي بإنطلاقي في عالمه الحر دون حواجز أو قيود تسري في الشرايين مزيدا من التيه في فلك الماضي، أخبرته ما أخبرت به هالة التي أخذت تجهش بالبكاء كعادتها، بالكاد وصلني صوت ابنتها الصغيرة الجالسة على حجرها، تعالج نطق الأحرف بين شفتيها، هتفت بإسمها لما وضعت هالة السماعة على أذنيها متضاحكا... سمتها سعاد على إسم والدتنا ـ الأستاذة الجامعية سابقا ـ المقتولة قهرا لم تستطع مراوغته أكثر من تسع سنوات بعد إعدام والدي، نقلوها خلالها بين عدة وظائف إدارية مهمشة أولاها كانت خارج بغداد، كل ما حصلت عليه في تلك الدائرة الصغيرة كرسي إلى جانب مكتب إحدى الموظفات، تكتم بأقصى ما تستطيع من صبر غيظها من غطرسة واستفزازت المدير ودحجات فراش يرقب كل حركة من حركاتها، بتوصية من ذلك الأكرش في أغلب ظنها، عله يحظى بشيء يفيده في تقريره السري المكلف بتقديمه إلى فرقته الحزبية، فلم تمنح أحدا فرصة إيقاعها في المحظور من القول، لم تستطع كذلك الإستقالة وليس لنا من مورد آخر، أتصور إشراقة وجهها التي وارت عنا ما استطاعت من المخاوف والهواجس باستقبالها خبر ولادة حفيدتها الأولى وحملها بين كقيها الحنونتين المتحديتين للارتجاف في مواقف تهدلت أمامها الكثبر من الشوارب، وكذلك دموع جدتي التي انهالت على خديها بمجرد سماعها خبر حمل هالة، تشاركتا النحيب لعدة دقائق ثم عملت على تهدئتها خوفا على جنينها، أخذت تطمئن على حالها وزوجها في الإمارات، استحلفتها أن تعمل ما بوسعها ليستنشق المولود أنفاسه الأولى في ذات البيت الذي شهد ولادة جده وعمها، أخفيت عنها تبرمي من طلبها ذاك خشيةً أن تصبيه أو تصيبها لعنه بيت المآسي الذي ودعته رابط الجأش حتى لا أستسلم لبكاءٍ أشبه بنشيج الأطفال، ولكن الدموع ظلت تنال من حدقتي والسيارة تمر بي سريعا في شوارع المدينة شبه الخاوية في ذلك الهزيع من الليل، كنت أدقق النظر في كل شيء، تفاصيل كثيرة وصغيرة لم ألقِ لها بالا ذات يوم، أصوات الموتى تتداخل في رأسي، أفطن لنظراتهم المتأسفة، أسمع تنهدات صمتهم المتكتمة لدى مرورنا أمام إحدى الصور الكبيرة، واسعة الابتسامة، المعلقة على ناصية كل شارع تقريبا وأمام كل دائرة حكومية، تصورتها حتى سنوات مضت إنها جميعا واجهات لدوائر المخابرات، عاجلتي ضحكة خرساء عند مروقنا بمحاذاة تمثال عملاق تنار حوله الكشافات غير المرتبطة بأي برمجة كهربائية، يرفع ذراعه اليمنى ملوحا يبدٍة الصلبة، معلقا على وجهه ابتسامة الظفر...

 


من رواية(عفوك أبي)

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007