[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مسارب الرمل مسارب الرمل
التاريخ:الاثنين 3 اكتوبر 2011  القراءات:(4807) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : طلق المرزوقي  

 

 

عيناه تحاولان رصد التفاصيل بدقة، تتبعان حافة الأفق البعيد المندس خلف الخيمة تحديدا ، حيث ينسرب رتل من الإبل في خيط  يكاد أن يكون لا مرئيا ، تلك الجمال التي في بداية الرتل توغلت في غبش الأفق المزرق فغابت تماما ، أما بقية الجمال القابعة بالمؤخرة فظلت ظاهرة تكابد فكرة التلاشي في الأفق.

أمامه ينبسط الرمل حينا فيمنحه فرصة لرؤية أوضح ، لكنه لا يلبث أن يخذله حين ينتصب على شكل أكوام رملية لها  أشكال مخروطية غير متشابهة الأحجام، شجيرات السّلم المتناثرة يخيِّل إليه أنها وزعت بشكل يجعلها تساهم في ضبط حركة الرمل السريعة ، المتبدلة. في الجانب القريب من الصحراء أمامه مباشرة حيث يقف ، انتصبت خيمة حائل لونها الأبيض إلى اللون الترابي بفعل الغبار ، مقدمة الخيمة مفتوحة على الرمل مما جعل الشمس تدلف إلى منتصف الخيمة وتلامس حافة الرواق الخلفي المتهدل إلى الأسفل . داخل الخيمة يقبع رجل سبعيني  مجللة لحيته ببياض ناصع ، متغضن الوجه ، إنه جده الأعمى الذي  يعرفه جيدا رغم أن تفاصيل وجهه كادت أن تمحى من ذاكرته ، فهو قد مات منذ زمن بعيد في ظهيرة يوم شتائي ، بعض ما بقي في ذاكرته  عنه هو  مشهد احتضاره المروع : كان واقفا يصرخ والنار تلتهم ثيابه وجسده النحيل إثر محاولته إشعال غليونه ، فالنار التي انبعثت من أسفل ثوبه علقت بكامل ثوبه و بجبته  الكثيفة الفرو ، فتهاوى إلى الأرض بطريقة مفجعة ، أخذ يتلوى ، مصدرا فحيحا مروعا ، ثم مات ، لم يكن هناك أحد سوى أمه التي ملأت الفضاء صراخا وعويلا ، كاد صراخها أن يذهب سدى غير أن أحد أقربائهم  كان يمر بالقرب من الخيام مصادفة ، فهرع إليهم مسرعا للمساعدة ، لكن وصوله المتأخر فوت عليه فرصة  إنقاذ العجوز من الموت .

 ذاك كل ما يذكره، تقول أمه بكلمات متعثرة ، أنهم دفنوه تحت طلحة ضخمة ذات جذع داكن ضخم كثير الثقوب ، وتردف : أكره شجر الطلح ثم يكسوها صمت مهيب.

رأى جده الأعمى الذي غيبه الموت يمشي داخل الخيمة بخطى واهنة وحذرة، سار حتى وصل إلى العمود الأوسط للخيمة ، اتكأ عليه ثم انزلق إلى الأرض وجلس ، صمت قليلا ، ربما كان يفكر  في شيء ما ، فتح علبة اسطوانية الشكل بالعناية المتأنية التي يتميز بها دائما ، واستخرج من جوفها مجموعة من الفناجين البيض ، مد يده اليسرى وأطبق على المقوس النحاسي الملتصق بمؤخرة دلة ( الرسلان ) الصفراء ، ورفعها إلى مستوى صدره ، ثم أمالها بأناة الحاذق ناحية الأسفل ، فانسكب سائل القهوة المائل إلى الصفرة، و قبل أن يصل طرف السائل إلى جوف الفنجان ، تجمدت  يده وتفاصيل وجهه ، وظل خيط القهوة معلقا في الهواء .

إيقاع(السلو ميوزك)  في المكان يتسلل عميقا إلى روحه ، فيترعها بشجن ثقيل.

ما يقلقه فعلا هو هذا الطنب الذي لا يظهر ظله رغم أن الشمس غادرت توًا كبد السماء ، كان( عميرين ) بعير جده يبرك في بلادة وقد غاص قائماه الأماميان في الرمل ، وراح يمارس اجتراره المعتاد والرتيب بلا اكتراث ، ركز نظره إلى  فخذ البعير الخلفي الموسوم بإشارات تبدو لمن لا يعرفها وكأنها طلاسم هجس : ( مطرقين وهلال ) إنه وسم جدي ، الظل المديد (  لعميرين )  استطال ناحية الشرق فانكسر بحدة على طرف رواق الخيمة ، شعر بفتنة المشهد ، دوما ما تشده لعبة الضوء والظل ،التي تضخم الأشياء فتظهرها أكبر من حقيقتها .

هواء المكيف يتسلل من خلل ثوبه فيشعره بالبرد ، عقد ساعديه على صدره ، وانكفأ إلى الأمام قليلا.

يعرف تماما  تلك اللحظات الأولى التي خطى في قلب تلك الخيمة الكبيرة الصامتة ، وكيف شعر بنوع من الصدى المكثف للنسائم وهي تحرك قذال الخيوط الكثيفة والمجدولة من شعر الماعز ، المعلقة على حافة السقف الواطئ ، في تلك اللحظات الغائرة في الزمن يتذكر كيف أحس أنه في بيته الحقيقي ، وأن المدينة التي أتى منها لا تمثل له سوى ساعات ثقيلة من الدراسة ، و زعيق الأستاذ لأسباب غير معروفة .

الآن ، يغمِض عينيه، يشعر بسطوة ذلك المشهد غير الاعتيادي، هو ذاته المشهد القادمُ من زمن بعيد:

 

 جده الضرير يقوم واقفا و يمشي بمحاذاة صف المخدات المتراصة لصق القائم الخلفي للخيمة ، يمر بين الأشياء ، بدا كأنما يعرف مواقعها بدقة بصير ، لم يكن الطفل يفهم كيف لشخص هرم بطيء الحركة وضرير أن يقوم بقضاء حاجاته بتلك الدقة المتناهية.

ما يزال يقلقه ظل الطنب الذي لا يراه ، فقد  اختفى بطريقة غامضة ، وغير مبررة .

الصور تتداعى بوتيرة عالية: الشيخ بأنفه الكبير وشعرات لحيته البيضاء ، يظل ماكثا جل الضحى مسترخيا على متكأ أعد له، هو عبارة عن شداد أحد إبله ، كان  يبدو للطفل القادم من المدينة وكأنه من ملائكة السماء .

حك أرنبة أنفه ، وعاد إلى حالة السكون التي كان عليها طوال وقوفه ، حين كان ساكنا  لا يريم سوى عينيه اللتان تتحركان بتؤدة المتأمل ، محاولة رصد كل التفاصيل ، كان خاضعا لإغواء شديد يجعله يحاول إعادة ترميم  ذلك المشهد البعيد الشفاف ، يجتهد في استدعائه بكل وضوحه غير القابل للنسيان ، بدا غير قادر على تحرير نفسه من تلك الذكريات التي لا تنفك تدفعه إلى حنين مفرط تجاه تلك الخيمة القابعة في رمل وادي ( الخشابة ) ، يعرف أن تلك الذكريات الغابرة ، والراسية في قاع ذاكرته ذات جاذبية باهرة لا يقدر على الفكاك  من سحرها ، مهما تقدم به العمر ، في هذه اللحظة تسكنه تلك الرغبة شديدة الوطأة التي تجعله غير راغب في إزالة التخوم بين الذكرى اللذيذة الماثلة أمامه بكل زخمها الآن ، وبين واقعه الجاف . مازال يسكنه يقين مستبد يجعله بحاجة إلى استعادة كل شيء من زمن الطفولة الشفيف ، يحاول إعطاء الذكرى شكلا محسوسا . تستبد به رغبة ملحة تدفعه ليرى الأشياء تعاود البدء من جديد ، لا يريد أن يحس بفكرة أنه تعرض للهزيمة بفعل تقدم العمر.

بعيد المغرب مباشرة يبدأ تحول لون السماء الشاسعة إلى دكنة مدججة بثقوب صغيرة، ولامعة، لا حصر لها، لم آلفها في ليل المدينة المصمت.

حين تجلى الليل بكل عظمته المهيبة ، تحلقت العائلة حول جدي في مكانه الأثير بالقرب من الخيمة  كعادتهم كل مساء ، ندت عنهم حركات صاخبة ظهر لي أنهم  منفعلون أكثر مما يجب ، وهم يتهيئون لسماع حكاياه العديدة التي يسكبها في أفئدتهم كل مساء.

جاء صوت جدتي نورة وهي تهلل :( لااااااا إله إلا اللللله  ) ممطوطا كأنما يصارع سطوة الظلام.

 وراء الخيام كان صوت ثغاء النعاج الغارقة في الظلمة يجيء حادا أشبه باستغاثة كليم،  تخلله رغاء طويل ممض لأحد النوق.

أمي كانت تلوب الخيمة بخطى سريعة ومتوترة بحثا عن قدح الحليب الذي اعتاد جدي أن يشرب به دون غيره ، و أنا أقبض على طرف ثوبها ممتلئا بخوف كبير ، كنت أتمنى لو أن في خيام جدي كهرباء تبدد هذه الظلمة .

جدي القابع هناك في مجلسه المسائي ، لا يفتأ كعادته يرسل تعاويذه إلى السماء: ( ياااا االله مسا خير لا شر فيه ).

ثم يردف بسؤاله الدائم :

( ورد عميرين يا نورة  )

فترد جدتي بإيجاز شديد :

ورد ( حراضة )

لم أشاهد مثل هذا الليل المخيف من قبل ، لم يكد ينتهي طقس دخول المساء البدوي المخيف والمدهش في الوقت نفسه ، و تتطامن حركة الأشياء ، وأصواتها حتى ارتفع صوت عواء كلب خالي سعد قادما من بعيد.

حين أنهى جدي تعبئة غليونه بالتبغ كانت حركتهم الدائبة قد انتهت ، فتحلقوا حول جدي الذي مسح وجهه بكفه اليمنى مرورا بلحيته وقال :

( يقولون يوم أبو زيد ورّد فرسه على الماء شاف بنت عند البير تروي قربتها  أعجبته هاك البنت المزيونة نشدها عن اسمها قالت عليا بنت جابر قال في نفسه هذي الحرمه إلي تصلح لي بس المشكلة إن شيخ بني هلال مانع عيال بني هلال ما يا خذون إلا من بنات بني هلال راح لأميرهم حسن بن سرحان وقال يا شيخ اباك تفزع لي على أمير عبيدة الشيخ جابر وتروح معي نخطب بنته عليا )

الفانوس المعلق على العمود الذي أركي على قائم الخيمة ينز ضوءً شحيحا لا يكاد يضيء إلا هامات الجالسين ، ما كان يخيفني هو ذاك الانبثاق المباغت لبعض الفراشات الصغيرة من سواد الليل ، ثم ارتطامها بزجاج الفانوس بقوة ، تظل ترف بجناحيها ثم تسقط الى الارض ميتة .
(  رفض الأمير وقال يا أبو زيد ما تزوج ألا من بنات بني هلال

قال يا الأمير أنت بس شفها وتعذرني رفض الأمير ألح  أبو زيد على الأمير قال تدري يا سلامة أنا بارسل ناس يشوفونها ويوصفونها إن كان هي تستاهل فزعنا لك.)

سعل جدي بشدة ، فألقى الغليون إلى الرمل وخبأ وجهه بباطن يديه للحظات ، ثم التقط غليونه مرة أخرى وأكمل:

( أرسل المراسيل ويوم رجعوا ما مدحوها  وقالوا يا الأمير الحرمة نحيفه ولاهي على وصف أبو زيد  رفض الأمير  كرر عليه أبو زيد وقال هذي طال عمرك إذا وقفت  أوسط البنات بالطول وإذا جلست تصير أطولهن أنت بس رح وشفها بنفسك يوم كثر عليه قال الأمير بينه وبين نفسه أنا ليه ما أروح أشوف ها اللي أخذت عقل أبو زيد ركب الأمير ناقته وراح  يشوفها واخذ معه واحد أسمه أبا العلا  وقف ناقته وراح يمشي لها يوم شافها انبهر من جمالها يقولون إنه  ما قدر يمشي  يوم شاف زينها قام يغني بقصيدة يقول فيها :

أبا العلا قد لي مع الدرب ناقتي            بحسناك والا ناد لي من يقودها
يقولون لي عليا نشاش دقاقـه             وأنا أقول ريان من الغي عودها
إن وقفت دق العسيلي بوركهـا             وان دنقت ما رده ألا نهودهـا
قولو لطراد الهوى يطرد الهوى           وأنا كفيلك عن بلاوي  حسودها )

 

كاد أن يلصق وجهه باللوحة ، لكنه انتبه لمرور الزائرين حوله ، التفت إلى صالة الإتيليه ، فإذا الموسيقى تملأ رحباتها.

شيء ما يشده وبعمق إلى هذه اللوحة.  

رفع يده ، وأخذ يمرر أصابعه على الخطوط الناتئة للأصباغ الزيتية على اللوحة ، لامس وجه الشيخ ثم مرره على السائل الأصفر المتجمد بين الدلة  ، وفنجان القهوة ، أدرك أن كل مواسم البهجة تلك لم تكن سوى حلم توارى ، ولن يعود، أحس بجسامة الفرق بين واقعه وبين خيال يجتهد دوما كي يستعيده ، وعرف أن أصابعه لا تعدو كونها تنكش زمنا بعيدا ولى بلا عودة ، رغم أنه يسمع صداه الآن واهنا في أذنيه .

كان يفكر بتلك اللحظات التي سحرته ذات ربيع بعيد في وادي ( الخشابة ) ، بشياهه البيضاء ، وجماله الحمر، التي تنسرب كل صباح  في الأنحاء ، مشكلة لوحة من الجمال الأخاذ الذي ينطوي على سره الخاص ، العصي على الوصف، تساءل : كم في هذه اللوحة من تلك الحياة ، التي كانت بالنسبة له شيئا خارج التعريف؟

مسح بعينيه كل اللوحات المعلقة على الجدران ، انسحب باتجاه الباب الخارجي ، و قبل خروجه التفت إلى للوحة ذاتها ، فإذا بعير جده ( عميرين ) يمارس اجتراره غير مكترث لأحد.      

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007