[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
المنحنى 
التاريخ:  القراءات:(4962) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
مثقلاً بنصف قرنٍ من السنوات، ونصف دسته من العيال، يجوب شوارع الحي، يمشي في الطرقات ذاتها، يتعثر بنتوءات الأرصفة القديمة، يجلس في المقهى الوحيد على ناصية الشارع المؤدي إلى الحي، يزعجه أن يجد أحداً قد سبقه إلى الطاولة التي اعتاد أن يجلس عليها، يشرب القهوة، ويدخِّن المعسَّل، يطرب لقرقرة النرجيلة، يلوِّن أنفاسه كمن ينفخ في ناي، ويبالغ في دفع الدخان عبر أنفه، ثم يدفع الباقي بنفخة متموِّجة من فمه، يعتقد جلساؤه في المقهى أن هذه آخر المتع التي يستطيع ممارستها.. لا يكترث لتعليقاتهم، فهو يحتقرهم، ويسخر منهم جميعاً، فليس فيهم من يفهم الأمور على حقيقتها، كلهم تافهون، يقضون ساعات غبية في المقهى، ثم ينصرفون ببلاهة، يركضون في الجهات الأربع لشقائهم دون أن يشعروا أو يعترفوا بأنهم مغموسون في العناء حتى الأذقان..

أما هو فقد عرف الحياة جيداً، ولكنه عرفها بعد أن تورَّط فيها حتى قمَّة رأسه، ولم يعد هناك خطٌ للرجعة، لا بُدَّ أن يمضي فيها إلى المنتهى، لن يركض إلى المستقبل كما يفعل هؤلاء الأغبياء، سينتظره متأكداً أنَّه سيأتي محملاً بالكثير من المفاجآت، والفجائع، والآلام..

كانت آخر مرة ضحك فيها حتى دمعت عيناه، تلك الليلة الشاتية، حين جلسَ مع صغاره حول المدفأة؛ نكتة جاءت في وقتها، حكاها ابنه عن أحد معلميه، لم يعد يتذكر النكتة، ولكنه ضحك ساعتها حتى دمعت عيناه، وانطلق الصغار يضحكون لضحكه غير المعهود، حتى زوجته ضحكت وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ..

خرج من المقهى، وقف قليلاً قبل أن يتخذ قراره بأن يعبر الشارع إلى الناصية المقابلة، وهذا يعني أنه قرَّر العودة إلى بيته، عقد يديه وراء ظهره، مشى متهادياً، يتلفت في المارة، وفي المحلات المبعثرة على امتداد الشارع، ينظر إلى كل شيء ولا يكترث لشيء مما يرى. أطلق سراح يديه من خلف ظهره، ليفتش جيبيه، أخرج من جيبه الأيسر ورقة صغيرة، فيها اسم الدواء الذي وصفه الطبيب لصغيره. نظر إليها، ونظر إلى لافتة الصيدلية، لا بد أن يقطع الشارع مجدداً، قبل أن يدفع باب الصيدلية الزجاجي وجده يندفع لوحده، وقف في مكانه، كانت فتاة في نصف عمره تقريباً، التقتْ عيناه بعينيها، كانت عيناها غامضتين، تحدثتا برموز لم يفهمها، ولكنه خجل وأطرق، سرعان ما ندم فأعاد النظر، فوجدهما قد انصرفتا عن عينيه، كانت فرصةً مواتية ليرتوي من تفاصيل وجهها الطفولي المفعم بالحيوية، التقتْ عيناهما ثانية، شعر أنَّها تريد أن تقولَ له شيئاً، ولكنها تراجعت، فتراجع خطوة للوراء، بينما أخذت طريقها على الرصيف الذي اعتاد أن تطرقه قدماه جيئةً وذهاباً كل يوم، ترك الصيدلية وراءه، وسار خلفها، دون تفكير، لم يكن يتهادى هذه المرة، فقد كانت تسير بخطواتٍ حثيثة، لا تلتفت لشيء، أخذته طريقها من رصيفٍ إلى رصيف، يتساءل هل تشعر بوجوده؟!! لم يكن متأكداً، ولكنه سيتبعها على أية حال، مضى وقتٌ طويل وهو يمشي على أثرها، تاركاً وراءه نصف قرن من التِّيه، ونصف دسته من الأولاد، والحي والمقهى، وطاولته المفضَّلة في المقهى، ودواء صغيره..

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007