[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
زوبعة ريح خريفية زوبعة ريح خريفية
التاريخ:  القراءات:(2139) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

       زوبـعـة ريح خريفية                                                                                      ـ قصة قصيرة ـ       

 لمَ عدتَ بعد أن اعتدنا غيابك بل نكرانك من حياتنا؟... لم ترضَ أمي رد سلامك، دخلت غرفتها مسرعة، أوصدت الباب عليها وقد أصاب وجهها شحوبا على شحوب، وقفتُ أمام جسدك النحيل المنهار على الكنبة جامد الحركات، لا أزيح عيني عن تغضنات وجهك المترهل، توشك حدقتا عينيك الملبدتين ضبابا رماديا على الخروج من محجريهما، أشعر إنك تريد تلمسي من خلالهما، سبر أغوار عمرٍ كامل من الهجر... كيف لي أن أصدق أنك ذات الرجل الذي كان معي في تلك  الصورة الملتقطة في زمنٍ آخر، أبقيتُ عليها في أحد أدراج مكتبي الصغير المحاذي لشباك غرفتي، يضمني إلى صدره العريض، ولم أكن قد تجاوزت الثانية من عمري بعد، يحيطني بساعديه الصلبين، وجهه ذو الضحكة الرائقة الناضحة حنانا وبأسا يعلو وجهي الصغير مغمض العينين، أو لعلي كنت أغط في نومٍ هانئ لا تسومه الأحلام القلقة المضطربة التي صاحبت تفتح إدراكي على واقعٍ غريب حفر في ذاتي الإحساس باليتم والخوف وأنا أرتكن إلى صدر أمي علّى اظفر بشيءٍ من الأمان، فلا تلتقط أذني سوى دقات قلبٍ واجف بين الضلوع، حينئذٍ بدأت تتناهى إلى مسمعي كلمتا معتقل سياسي، كنت أسمعهما منها ومن بعض أقاربنا وصديقاتها، تتخللان الأحاديث الحزينة واطئة الصوت، فأجد نفسي منزوٍ في ركنٍ قصي وكأني أواجه تهمة لا علم لي بها ولا أعرف لها معنى...

 طلبتَ منى الجلوس بصوتٍ مبحوح مجهد وأن أصغي إلى ما تريد قوله من بعثرة كلام وددتُ أن تنتهي منها سريعا لتغادر الدار وكأنك لم تأتِ أصلا، كما وددت، بل هممت، مرات ومرات أن أمزِع ثم أحرق فتات الصورة التي نفذت من ثورات غضب أمي، ولكني كنت أستسلم دوما لرعشة يدي واختناق حسراتي ورغبة مستفزة تدفعني للبحث عنك في أي مكان من الأماكن التي عرفت إنك تتنقَل بينها مثل مشرد سكير لا أهل له، أسألك، أواجهك، أعاركك، بعد أن أجبرك على استعادة وعيك، علّي أفهم ما يجوب داخلك من غربةٍ موحشة، ما خبأته عنا بعد انتظار خروجك وعودتك إلينا، نراوغ فقدان الأمل في رؤيتك مجددا، أتذكر جيدا نظراتك المحملقة بنا والمستغربة من كل ركنٍ في الدار، وربما ما استدللت على العنوان لو لم تقلك إحدى سياراتهم حتى عتبة الباب، عاملتنا بجفاء السنوات التي غربتك عنا رغم كل اهتمامنا بك وبعلاجك من الأمراض والجروح المتقيحة في جسدك الهزيل، وكأنك بالكاد تتعرف علينا، أنا أيضا كدت لا أعرفك، فقد كنت بالنسبة لي مجموعة صور وأشباح ذكريات تخالط بين واقع وخيال استأنسته طفولتي كثيرا، كم مضت من ليالٍ نمت فيها على كلام تلك المجهدة الصابرة عنك، بعشق حبيبة وزوجة وتلميذة مجتهدة في مدرستك صارمة الرأي، قوية العزيمة، رغم كل التهديدات، وليس لديك ما يحميك من أنياب المتربصين بك، وكل المغريات التي عُرضت عليك، ولم يكن لديكما شيئا غير راتبيكما، تدفعان أكثر من نصفيهما لتسديد أقساط الأثاث، لم أكن أفهم معنى بعض كلامها المسترسل كسلسلة أفكار كاتب لا تود الانقطاع، رغم محاولاتها تبسيط ما تنقله إلي عنك بصورةٍ خاصة، وكأنها تود إنضاجي قبل الأوان لأشاركها عبء تحمل مسؤولية بقائنا وحيدين في مواجهة المجهول...

  كيف بعثرت سنينك الماضية حتى وصلت إلى هذه الحالة، رث الثياب، أشعث الشعر، في أي مهنة عملت وسطوة السكر تتناقل مع إسمك الوافد إلينا من قبَل هذا أو ذاك، تترامى أخبارك علينا مثل لعنة جاءت خاتمة صعقاتها بخبر زواجك أو معاشرتك لامرأة تحوم حول سمعتها الكثير من الشبهات، قيل إنها تتاجر في البضائع المهرَبة، ملابس، خمور مغشوشة و... فيما كانت أمي تسقط طريحة الفراش مع ورود كل قصة من قصص تسكعاتك العبثية، متأسفةً على أشياءٍ كثيرة وليس فقط على الحبيب والزوج متقد المشاعر والأب الذي كانت تجعلني أتباهى به وأبكي غيابه الطويل... زعقت في وجه الجميع أحذرهم من أن يأتوا بذكر إسمك امامنا، معلنا براءتي منك ومن أفعالك حتى الممات...

 أعود وأكرر السؤال الذي يبتلعه صمتي أمام كهولتك المتعجلة، لمَ جئتنا يا... أبي بهيئة الشحاتين تلك، يداك الممسوستان برعشة خفيفة لم تواتك على مدهما لمصافحتي ومن ثم احتضاني، خفت أن أرفض؟ أدفعك عني صارخا في وجهك... متذمرا من رائحتك الكريهة وخشونة لحيتك النابتة كأشواك في ذقنك؟... أم إن عاطفتك نحوي تم محقها تماما من قبل سنوات الاعتقال والتعذيب، أو أحواض الكحول وأحضان تلك المرأة التي ترعت من خطاياها دون وعي لأي شيء؟...

  أسير حاملا نعشك مع عدة رجال لا أعرفهم ولكنهم يعرفوني، ربما كانوا من رفاق هذيانك الطويل، كما أوصيتني، وكأن شبح الموت يتراءى أمامك، يرافقك أينما ذهبت، ثم ما لبثت أن غادرت دون أن تتلقى مني إجابة توسلتها عيناك الغائرتان قبل شفتيك المتيبستين، ذهبتُ إلى دارها المحشورة في أحد الأزقة، باغتتني بسمرتها وبدانتها ووجهها المتجلد، ممسوح التعابير، كانت جثتك في غرفة نوم تعبق منها روائح مثيرة للدوار، ترقد على فراشٍ عريض مزركش الألوان، ارتعت من حملقة عينيك الجاحظتين، غطيت وجهك غريب الملامح سريعا، أحتار والدموع تغمم مقلتي في آخر كلمة نطقتها، أكانت إسمي، تستغيث به، تناديني في لهفةٍ لرؤيتي قبل خمود نفسك الأخير، لمَ تأخرت تلك الشمطاء في الاتصال بي، أما يكفيها ما فعلت بك وبنا من قبل؟... ولعلك من طلب منها ذلك، خشيت مواجهة تجهمي من جديد وتلك الأسئلة المتماطرة في صدري منذ الصغر؟...

 يهيلون التراب على كفنك بسرعة ويرحلون، أجثو قربك، أبكي بحرقة طال كبتها، أصرخ فيك ومن أجلك، واثقا من تأملك الحزين لانهياري، بعينين غائمتين معذبتين، تشهدان يتمي مجددا... 


تم نشرها في مجلة المحلاج

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007