[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حُفنةُ سُكّر حُفنةُ سُكّر
التاريخ:  القراءات:(4374) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : زكية نجم  
حُفنةُ سُكّر

قصة قصيرة زكية نجم

تتهاوى الأشياء .. تتماوج الصور .. تتداخل أجزاؤها في تسارعٍ غريب .. للجدران أشكالٌ هُلامية تتقوّس تارة وتستقيم أخرى .. رئتاي تشبهان قطعتيّ قطنٍ مبللتين بينما تحاول ذرّات الهواء الولوج إلى فجواتها باستماتة . أدخلوني حجرة بيضاء .. حاولتُ النهوض من على الكرسي المتحرك .. فشلتُ .. امتدتْ كفٌ رقيقة نحوي .. تشبثتُ بها .. لم تجدِ محاولتي .. ساندتني يدٌ أخرى .. مدّدوني على سريرٍ واسعٍ .. جسدي أشبهُ بنبتةٍ نحيلة الساق ذابلة الأطراف ألبسوني رداءً زهريّ اللون .. ثقبوا معصمي .. أسكنوا به رأس إبرة في نهايتها صمامٌ بلاستيكي .. زرعوا فيه أنبوباً بلون الماء يضخ الحياة إلى تُربتي المتصحّرة . للمكان برودة الصقيع .. أطرافي ترتجفُ بشدة .. وجهٌ باسمٌ يرقبني.. متورّد الخدّين كبُرعم زهر .. تتشحُ البياض وتنثرُ خُطواتها هنا وهناك .. طالعتني بنظرة حانية.. ابتسمتْ وأكملتْ عملها . - أشعر بالبرد . كيف لي أن أنطقها وحبالي الصوتية لا تتفاعل مع ذرات الهواء ؟! تنبهتْ لرجفتي وقالت بلكنة إنجليزية جيدة : - أتضايقكِ برودة الغرفة ؟ أومأتُ برأسي إيجاباً وضعتْ فوق جسدي ملاءةً إضافية .. نظرتُ إليها .. أشرتُ إلى شفتيّ .. تلفظتُ " شكراً " دون أن يصحبها ثمّة صوت ! تبسّمتْ .. أمسكتْ بيدي ووجهتْ سبابتي إلى أحد أزرار السرير - نادِني بالضغط على هذا الزر إن احتجتِ شيئاً .. لا تتردّي في ذلك .. اسمي " فلورا " . غادرتْ الحجرة .. أصبحنا وحدنا ..أنا والجدران والسرير والسائل المائي . صرخاتٌ متوالية تمتطي أصواتاً حادة ومفزعة .. يقفز سمعي خارج الباب المغلق في هلع .. يبدو أن حالة خطرة أخرى تقتحمُ أبواب المشفى .. الفارق أنها تمتلك حبالاً صوتية جيدة ! أكره الصراخ .. يتداخل في دمي شعوران معذبان : عجزٌ وفزع ٌ لا أحتملهما .. يجفّ حلقي .. تتسع حدقتاي .. أقرأ بضع آياتٍ من القرآن .. تتغلغل برودتها في أضلعي .. يغمرني شعورٌ بالسكينة .. أهدأ .. ويهدأ - حين أغلق عينيّ - كل شيء . حان وقت تلك الحقنة التي تشعل أجزائي ألماً عندما تتسلل إلى وريدي عبر ذلك الصمام النائم على ظهر كفي . - آسفة يا صغيرتي .. هي مؤلمة بعض الشيء .. ستكرهينني هذا المساء ! صرختُ بالداخل .. أومأتُ رفضاً - قاربنا الوصول إلى النهاية .. ها قد وصلنا شكرتها بتحريكِ شفتيّ .. ابتسمتْ .. تركتني ومضتْ . يومٌ .. يومان .. تتعدّد الأيام .. " فلورا " تعتني بي كثيراً .. نتبادل البسمات وأكتب لها ما أريد قوله في مذكرة صغيرة ابتاعتها لأجلي . دخلتْ سريعاً تحملُ زهراً أرجوانياً .. وضعته داخل كأسٍ بلاستيكي لتزين به حجرتي الملأى ببياض السحابات المنبعثة عبر جهاز إنعاش التنفس .. فتحتْ حقيبتها .. أخرجتْ كيساً ورقياً صغيراً به بعض السكر ثم أفرغته في الكأس . - فتات السكر يطيل عمر الزهور .. ابتساماتنا تماماً كالسكر تطيل الحياة ! - كنتُ كل يوم أستشعر لكلماتها روحاً جديدةً تنبض بالأمل .. لم تكن قدرتي على النطق لتتجاوز السنتيمترات المجاورة لشفتيّ ، لكن استجابتي لعقاقيرها كان لها مؤشرٌ يبعث على الذهول . الوقت يمرّ ثقيلاً .. فلورا لا تأتي إلا مع قدوم المساء .. في النهار افتقدها بشدة .. أنتظرُ مجيئها في السابعة لتقرأ ما كتبتُه لها أثناء ساعات غيابها . - سأسميكِ " snow white " " بياض الثلج " .. إنه يناسبكِ أكثر احتضنتْ وجهي بابتسامتها المعهودة .. - أشعرتني أنني مازلتُ طفلة .. مهلاً ! إنجليزيتكِ جميلة جداً .. تجيدين اللكنة الأمريكية تماماً كنجوم الأفلام ! ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وشكرتها .. تنبهتُ إلى وجود ظرفٍ كبيرٍ بين يديها - ما هذا؟ - رئتاكِ طبيبكِ آتٍ لرؤيتكِ بعد دقائق .. وضعتْ الأشعة على اللوح الضوئي وبقيتْ في الزاوية .. دخل الطبيب على عجل .. حيّاني بطريقته العملية التي عهدتها .. اتجه الى اللوح الضوئي .. هزّ رأسه - أنتِ رائعة ! تتماثلين إلى الشفاء بسرعة ! قرأ شفتيّ .. - لكنني أريد استرجاع صوتي تبسّم .. - أعدكِ ستسترجعينه خلال يومين على الأكثر .. فقط كوني شجاعة .. رئتاكِ بحالة جيدة الآن قالها ثم ربت على كتفي وخرج . تأملتُ دائرة الاختبار التي رُسمتْ على ذراعي وذلك الثقب الصغير الذي أعملوه لقياس نسبة التحسس .. ارتخى عنقي .. خيطٌ من الدمع يتراقص بين نظراتي ..اقتربتْ فلورا مني .. احتوتْ يدي المثقوبة بين كفيها .. - لا تبكِ أخبرتكِ مسبقاً أن البكاء يؤذيكِ في هذه المرحلة .. أنتِ بخير . طبعتْ قبلة على جبيني .. أمسكتْ مقبض الباب .. لوّحت لي مودّعة وغيّبتها الجدران الأخرى . - جربي الآن أن تتحدثي .. قولي " بياض الثلج " نطقتُها .. خرجتْ حروفها من حلقي تشبه الفحيح - أرأيتِ .. تستطيعين النطق ! .. ستشفين قريباً جداً في اليوم الرابع عشر تقرّر خروجي .. أهدتني فلورا وردة صغيرة ناصعة البياض - تأمّليها .. إن لها لون قلبكِ .. دعيني الآن أخلّص معصمكِ من هذا الصمام الذي رافقكِ لأسبوعين خلت . خرجتْ من صدري زفرة عميقة - أنتِ الآن طليقة .. لا أنابيب لا حقن بعد اليوم ! ساعدتني في ارتداء ملابسي .... ربتتْ على كتفي - عودي إلى بيتكِ مُبتسمة .. اعتني بنفسك .. حظاً موفقاً . احتضنتها طويلاً ثم عبرتُ الرّواق الطويل الذي يفضي إلى الخارج كان وهج الشمس ساطعاً .. حياةٌ أخرى تنتظرني كي أعيشها .. استقبلتُها بابتسامة ووردة بيضاء داخل كأس ماءٍ في قاعه تتكوّر حفنةٌ كبيرةٌ من السُّكر !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007