[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الآخرون ما زالوا يمرّون  
التاريخ:  القراءات:(4269) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : زكية نجم  
" الآخرون مازالوا يمرّون "

رؤية أولى :

حملتُ أوراقي الذابلة وعينين من أسئلة وأرق .. جلستُ في الزاوية البعيدة أنتظر أن يأتي دوري .. أن أسمع نداءً يكسر صمت الوجوه المتعبة .. سريعاً جاء على شفتيّ وجه أُنثوي يتّشح البياض ويغرقني بالبسمات .

أشارت إليّ أن أتقدّم نحو الكرسي الكبير .. الشارة أمامي مليئة بالأحرف المضيئة .. وجه الطبيب يدخل حدود رؤيتي .. دائرة الضوء في يده تقتحم عينيّ .. تتوغل في حديقتيّ طويلاً .. تفتِّش يمنة ويسرة .

ظننتُ لوهلة أن هذا الجهاز الصغير بوسعه أن يقرأ عمق أرقي .. عمق فقدي .. وعمق بركة الدمع الراكدة تحت جفنيّ .. كل الأجهزة من حولي ظلّت هادئة .. لم تنطق .. لم تباغتني السؤال : ما الأمر ..

نهضتُ .. أحمل أوراقاً إلى أوراقي .. في الشوارع كان سيل الآخرين يتحرك بفوضوية .. أقدام كثيرة وجهاتها شتى .. جميعها تسير دونما توقف .. خطوات صغيرة رشيقة تقرع الطريق بإيقاع سريع .. التفتُ .. يتابع بصري مصدر الخطو .. ساقان صغيرتان تغرقان في الحذاء الجميل .. إحدى يديه الغضتين تعبث بشيء ما في جيبه والأخرى ممتدَّة نحو الأعلى .. مختبئة داخل اليد الكبيرة الضخمة التي تشدها كلما انحرفت القدمان الصغيرتان نحو اتجاه آخر.

تصعد من رئتيّ زفرة عميقة .. تتقافز داخل عينيّ دفقة دمعٍ ساخنة .. بعضها يُقذف خارجاً .. يمتزج بسواد حجابي المُسدل فوق ملامحي المشحونة وجعاً .. يبتلعني زحامُ الآخرين .. تتلاشى معالمي بالداخل .

رؤية أخرى :

في البيت يظل كل شيء مصبوغاً بالاختلاف .. طعم شرابي مختلف .. كأنه هو الآخر يفتقد مثلي شيئاً مهماً في محتواه .. الملعقة الملأى تقف طويلاً وهي معلّقة في المسافة الفاصلة بينها وبين فمي .. الليل فقد زمنية سكونه المريح التي كان يبثّها بأعماقي .. الساعة في الجدار تخيفني .. قراءتي لها تختلف .. ينقصها ذاك الشعور بالمرور المعتاد لأبجدية الوقت .. تؤلمني حتى اللحظة عندما تعبر حاملةً في ثناياها بعضاً من صدى ضحكاته الغائبة .

- هل كنت تعرف يا صغيري أن يد أبيك الضخمة التي انفصلت عن يدي قد حملتك كي لا تعود إليّ ؟

سؤالٌ يغرق في حرارة دمعي كل ليلةٍ دونما جواب.

يومٌ آخر يوشك على البدء .. أرقب وهج شمسه التي لم تبزُغ بعدُ .. ما زلتُ مثلك أيها اليوم قيد الوجود .. لكن الشمس لم تغمر محيطي بالحياة .. لم تشرق منذ بضعة أشهرٍ أشرقت في نهاراتها شمسُك.

بعيدٌ أنت يا حسام .. يصبح للخلايا في جسدي اضطراب .. للأفكار في رأسي ضجيج وتظل لعيناي تلك النظرات الراكضة بين الأجساد الصغيرة بحثاً عنك دون جدوى .

القتامة الممتدة على أطراف الليل الأخيرة تنفرج عن ثغرة شديدة الوهج .. سرعان ما تأخذ في الاتساع .. تبرزُ شعلةٌ مستديرة شديدة الاحمرار .. أراقبها في ذهول وهي تصعد وتصعد حتى اكتملت استدارتها وسكنتْ حُمرتها الهائلة حدّ الأفق الشرقي .. داخلني شعورٌ عميقٌ بالسكينة .. أحال سيل آلامي إلى ذرَّاتٍ متناثرة باردة اللسع

قررتُ اليوم أن أعيش لعبة السعادة .. تلك الطريقة المختلفة في صياغة أساليب الحياة .. بادرتني فكرة أن أقْتني لصغيري بعضاً من القصص التي يُحب لأفاجِأه بها حينما يرجع !

حملتُ مالاً وسرْتُ باحثة عن أقصر طريق توصل إلى مكتبة ما .. تلك هي بداية اللعبة .. لم تكن الطريق طويلةً لكن قدماي قطعتاها بعناءٍ شديد .. وخزة ألمٍ خاطفة تباغت صدري ثم تختفي .. دفعتُ بنفسي إلى الداخل .. احتواني عالمٌ جميلٌ .. وقفتُ حائرة .. أتطُلع إلى أغلفة القصص الجميلة ..

- ماذا عساي أن أقتني لصغيري ؟

تخيّلتُ للحظة أنه قربي .. ويده تحاول الوصول إلى غلافٍ ما وهو يقفز مردداً

" ماما أريد هذه"

تداخلت صور الأغلفة .. امتزجت ألوانها .. عيناي تتسعان .. تطيلان التحديق .. لا تزال الصور مختلطة في تكوين غريب .. بحركة سريعة ومرتبكة امتدت يداي والتقطتا مجموعة صغيرة .. تجاهلتُ رغبتي في النظر إليها خوفاً من رؤية ألوانها وهي تتداخل .. دفعتُ قيمة ما اقتنيت وأسرعتُ عائدة إلى البيت .. خطواتي تئنّ فوق الطريق القصيرة ..

في لحظة مسكونة بالصمت وجدت قامتي تنهار من عُلوِّها .. لم يُثِر سقوطها سيل الأقدام من حولي .. وحده كان شريان في جسدي يصرخ ألماً .. تسري بداخله دماء داكنة من رماد .. ويهطل السؤال فوق زحامهم كالمطر:

" لماذا تحكمنا المسافة يا صغيري "

رؤية أخيرة:

إغماءٌ محمولٌ على كتف طريق .. جسدُ امرأةٍ يحتويها السواد .. قصصٌ جميلة متناثرة على قارعة الطريق .. أغلفتها تحمل الشكل ذاته !! .. العيون لا تلتفت .. الأقدام في سيل مساراتها لا تتوقف .. الآخرون مازالوا يمرّون.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007