[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
خيـطٌ أسـود  
التاريخ:  القراءات:(6957) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  

* * *

مازال يذكر أنه صرخ بقوة، و لم يسمعه والده. وأنه ركض وركض وركض، حتى بلغ الجبل. وأن الجبل بقي كبيراً وصامتاً في مكانه ! وأنه بكى وبكى ورأى السماء رصاصية هناك ! ولم يكن بيده حيلة ، وأن قلبه قفز ، ومسح عينيه عندما رأى أمه من بعيد مقبلة ، و ركض نحوها ، وهي تتمتم وتفتح ذرعيها ، وتسمّي عليه، فتضمه ويضمها بقوته كلها ، ويشم رائحتها تلك، و هي  تمسح على رأسه و تقول : لا تخف يا حبيبي . و تضمه ، وأنهما بكيا معا ؛ بكيا كما لم يبكيا من قبل .. ثم سارا إلى القرية . وكان  يتذكر أن الرجل الذي وضع البنت الصغيرة في الحفرة ، كان يقف في بيتهم ؛ بيت الشعر الأسود ، وهو يمشط لحيته الطويلة ذات الشعر الأسود والأبيض، و ينظر إليه وهو يلعب مع البنت بالكباريت الفارغة ، ويقول :

ـ ستكون لك لحية مثل هذه !

 كان يمسك بشعر لحيته ويهزها . والمرأة ذات الوجه الأبيض الجميل والأسنان البيضاء  تقف غير بعيدة ، و تقول بصوت خافت :

ـ لا تفزع الولد !

ما زال يذكر أنه عندما اقترب من المزرعة و بيتهم الطيني كانت النخيل واقفة وصامتة ، ولم يسمع للطيور أي صوت ، ويذكر أنه رأى غربانا سوداء كبيرة تحوم وتنعق وهي تحط على سعف النخيل . وعندما جاء الليل، و حاولت أمه أن تطفئ السراج، وهي تغطيه، بالغطاء السميك، صرخ بصوت عال . وكم مرة هب فزعا واقفا وهو يرتجف و أمه تحضنه وتحكي له الحكايات ، وهو ينظر إلى ضوء السراج ولا ينام . وقلبه تسيل منه الدموع ، وحنجرته يابسة وصدره صغير . مازال إلى اليوم يكره الظلام والحفر وسقف الغرفة الذي يرى أنه يسقط على صدره في الليل . مازال يذكر ذلك الصباح والرجل ذو اللحية يقف مع والده في طرف المزرعة ، وأبوه يناديه ، ويقول له :

ـ إذهب إلى خالتك !!

ففرح ، و غرّد مثل العصافير، و ركض بين النخل وأشجار التفاح، مرّ من تحت العريش الطويل لعنبتهم، وتوقف في الظل، طارت عصافير كثيرة من فوق عناقيد العنب. وحطت في أعلى شجرة التفاح. نطّ  ليقطف عنقودا ولكنه كان قصيراً. ركض مغردا إلى أن وازى ثلمة الجدار، قفز من فوقها ودخل بيت الشعر  سريعا وهو يفكر بأن خالته  ستضمه وتعطيه علب الكبريت الفارغة وتضع بعض قطع الحلوى في جيبه ، ثم يجلس يلعب مع البنت الصغيرة. البنت التي تلاحق علب كباريته وهي تقطع الطرق وتزمر مثل السيارات . أما الأم بوجهها الأبيض الجميل فترقبهما وتضحك دائما على هذه الألعاب . عند دخوله البيت واجه المرأة واقفة وقد اصفر وجهها ، دق قلبه بسرعة . اقتربت منه وحضنته وهي واقفة ، كان يشم رائحة النّفل في ثيابها في كل مرة تحضنه ، لم يشم أية رائحة الآن وهي تعصره ، ولم تتكلم ، فخاف . ناولته خيطا أسود وأشارت إليه بيدها ليركض . لمح دموعا في عينيها فازداد رعبا ، وركض كما لم يركض من قبل ، بل أحس أنه يطير من فوق الشجيرات ويلتف بين ممرات النخيل ، كان صفير الهواء يئز في أذنيه ، قفز من فوق جدار صغير وشاهد أباه والرجل يقفان أمام حفرة صغيرة في الأرض . ناول أباه الخيط . وانصرف الرجل ذو اللحية  دون كلمة. مد أبوه الخيط الأسود في الحفرة، و وضع علامتين عند طرفيه ، ثم أخذ يحفر في الأرض . كانت أصوات العصافير تسمع بعيدة ، نظر إلى الجبل الكبير الواقف أبدا في مكانه . أقبل الرجل الآخر يحمل على ساعديه خرقة سوداء. لاحظ أنه يمشي بحرص ، أنهى أبوه غارا صغيرا في الحفرة . وضع الرجل ما يحمله عند طرف الحفرة واصطف الرجلان ، جذبه أبوه ووضعه بجانبه . كبّر الرجلان ، قلدهما . وصلى معهما . أخذ الرجل الخرقة السوداء الملفوفة ووضعها في الغار الصغير. اقترب ليرى ، كان الرجل يكشف بيده طرف الخرقة السوداء، بان وجه صديقته البنت الصغيرة . كانت نائمة ، مسح أبوها على وجهها . أخذ الرجلان لبنات طين يابسة و سدا باب الغار الصغير . ارتجف قلبه . أهالوا التراب عليها فصرخ و جثا فوق التراب يحفره بيديه، وهو يصرخ : أخرجوها !! كيف تتنفس !! أزاحه أبوه .. اكتمل التراب و وضعوا حجرين في طرفي الكثبان  الصغير . كان يدور صارخا . وقف الرجلان صامتين ، كانت لحية الرجل الكثيفة  قد تبللت ، وأبوه يعانقه. لم يكن الرجلان يسمعان صراخ قلبه . لم يكن يسمع أي صوت للعصافير .لم ير النخيل وهو يركض بكل قوة مع الصحراء الواسعة إلى الجبل .

 

‏1‏/5‏/2013 الدمام

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007