[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الصمت والأسئلة الناتئة 
التاريخ:  القراءات:(3584) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : زكية نجم  
قصة : الصمت والأسئلة الناتئة

من المجموعة القصصية :

" الآخرون ما زالوا يمرّون "

يومٌ يمر:

هاماتٌ طويلة ترتفع فوق رأسي .. تنحني تارةً ثم تعاود الارتفاع .. شفاههم تتحرك .. لا أصواتٌ تصل إلى أذني .. بعض الأيدي تقبض على أنابيب رفيعة بلون الماء بداياتها مزروعة بجسدي ونهاياتها تمتد وتمتد .. لا أدري إلى أين .. وتيرة تحركاتهم تتصاعد .. تعبث بالمعالم الملامسة لمجال رؤيتي .. الهامات تبدو أكثر استطالة ورعباً .. وعيي عاجز عن الإدراك .. عاجز عن الحركة .. ثمة أسئلة مسحوقة تدبّ تحت امتداد جسدي الساكن.

يومٌ آخر:

يتحدثون طويلاً .. أطرافهم هادئة .. وعيي يستقبل بعض الهمهمات لكن ذهول ما يجهض كل محاولاتي على فهم ما يدورُ حولي .. يدٌ تمتد نحوي .. تقبض على طرفِ ملعقة .. في مقدمتها سائلٌ شديد اللزوجة .. لونه يشبه بيوت الطين في قريتي .. عندما ابتلعه يعتري حلقي جفاف شديد.. اليوم كان حلقي جافاً قبل أن أبلعه.. إنهم يجهلون وجعي الآخر.. وجعٌ لا ينطق.. لا تترجمه الصرخات.. وجعٌ لا يحتاج منهم هذا الدواء .

يومٌ ثالث:

جسدي يطفو فوق صفحاتهم الشفافة السوداء هيكلاً موسوماً بثقوبٍ غائرة .. صامتة مثلي .. لا فرق بيننا سوى أنها بين حينٍ وآخر تتفجر بسيلٍ من الآلام يحيل سكوني إلى عاصفة من الضجيج .. أتنبّه إلى وجود عينين تطيلان التحديق بي .. وجهٌ تذكرني سُحنته لفح الشمس لبيوت الطين العتيقة بقريتي .. لكن حديثه لا يشبه أبداً حديث القرويين .. آه يا قرية ليت لهذه الجدران الباردة بعضاً من دفئك .

أسنانه تتضح ..

- هل تستطيعين إخبارنا ماذا حدث ؟

انتظاره يطول .. أرقبه .. ماذا ينتظر .. لماذا يسألني .. يكبر سؤالي .. لكنه أيضاً لا يلامس الهواء.. يستأنف هو حديثه ..

- أخبرينا إذاً لماذا ؟ لا بد أنك تضمرين سبباً لما حدث !

شحنةٌ قويةٌ من الرفض تستعر داخلي .. صوتي يحاول الخروج من شرنقة الخرس .. أنفاسي تحاول القفز خارج رئتي بحرف ما .. زمنية الدقائق تتصاعد.. تستفز سكوني .. أطرافي ترتجف .. أفتح فمي .. يوشك حرف ما أن يكتمل ، لكنه يموت قبل أن يولد .. صور الأشياء من حولي تتهاوي .. أغفو على سؤال ناتئ :

لماذا يغتالون يومي قبل أن ينتهي؟.

يومٌ رابع:

- سأطلق عليك اسم ساهرة .. لأن ليلكِ لا يعرف السكون .. ربما تنطقين .. تقولين لنا من أنتِ .. ما اسمكِ الحقيقي .

غريبون .. يمعنون في الأسئلة.. يسكبونها قطرةً قطرة .. يبحثون عن جواب.. يريدونني أن أخرج من خيمة صمتي بكلمة ما.. أطالع أقلامهم.. صفحاتهم .. لا تزال متحفزة .. لا تزال بيضاء ..

- حاولي مساعدتنا كي نساعدكِ .

مشاعر الخواء تحتويني .. كيف سأنطق وكلماتي أسيرةٌ في سجن حنجرتي .. ليتهم سألوا ملامحي عنه فهي تعرفه حد الالتصاق .

وميض ٌ غريبٌ يخترق مساحة ذاكرتي المُقفرة .. يدفعني قسراً نحو تلك اللحظة المُريعة المغمورة بالسواد .. كنت أشعر حينها أنني أهوي لأبعد من ذلك التراب الساكن تحت قدميّ .. أغادر جسدي المثقوب باتجاه الرئة.. أغادر الظلام الممتد بلا حدود .. ماذا حدث بعد ذلك .. سؤال لم أعش تفاصيل جوابه.. علامات الاستفهام تتعملق في ذهني .. كيف جئتُ إلى هنا .. وممّن .. وأين هو ذلك الوجه القميء الذي يثير مكامن فزعي حالما يطفو على صفحة ذاكرتي فاغراً فاهُ كالذئاب السود .. أسئلة ليتها تكف عن الدوران والصراخ.

يومٌ خامس:

آهٍ يا وجهكِ الذي أحب .. أين أنتِ ؟.. يحتويني الانكسار قبل أن تحتوي ملامحكِ الدافئة مكامن ألمي.. وجهكِ - أمي – حكايةٌ طويلةٌ يسودها الشقاء .. كلّ حرفٍ فيها قتلٌ للمشاعر.. أطالعكِ بين ثقوب النافذة الخشبية حينما تتسامرين ونساء القرية .. سيدةٌ منعمةٌ أنتِ.. بكل العيون إلا عينيّ يا أمي.. نقابكِ الأحمر المرصّع بحبّات اللؤلؤ مسدلٌ على فمكِ.. كأنه يلجم زفرات الهم الغارق بالأعماق .. رداؤكِ الأسود الجميل الذي طالما تمنّته عيون القرويات يحوي جسداً أدمن الجلد والركل.. أدمن السوط والعصا .. كنتُ أخافه ذلك المأفون في طفولتي.. أرى بوجهه إعصاراً من الجبروت يعصف بأركان بيتنا.. حتى الجدران تصبح باردة حينما يبدأ صوته بالتحول إلى زئير.. وحينما كبرتُ .. كبرتْ كل المناظر المفزعة من حولي.. أصبحتْ حقيقة تصفعني صباح مساء .

ذات يوم امتدّ سُعار الامتلاك لديه إلي صباي.. أراد أن يبيعه ليدٍ معروقةٍ لا تتقن بصماتها سوى أبجدية المال..

- ستتزوجينه شئتِ أم أبيتِ يا مريم.

كان رفضي عنيفاً لأني لم أرضَ أن تحتويني دائرة عذاب أخرى كالتي تختنق بها أمي .. كان صوتي يزداد حدّة .. يقترب حدّ التوحش كلما زادت حدّة الآلام في جسدي .. أوسعني تلك الليلة ضرباً فبصقتُ في وجهه .. لم يكن بوسع ذراعيّ أمي الناحلتين أن تدفعا عني سيل الركلات ..

- إما ذاك الرجل يا مريم أو حدّ السكين .

قالها وخرج .. وهدأت العاصفة ككل يوم .. ككل ليلة .. ساد الهدوء.. لكني لم أصدق أنه كان يقصدها.. أنه سيذبح عمراً ما تجاوز السادسة عشرة.

من أحشاء الظلام انسلّت سكينٌ سوداء.. أحسستُ حافتها تصعد وتهبط في سعير محمومٌ داخل صدري.. لم تعرف حنجرتي طريقاً إلى الصراخ.. بحثتُ في عمق الظلام عن كفّ أمي.. عن صوتها كي يصرخ.. لم يكن المكان بيتنا.. لم تكن الشوارع شوارعنا.. كل شيء كان بعيداً مغموراً في السواد.. استرجعُ لحظةً كانت يدي تقبض على ذرات الرمل المتجمعة حول دمي المنسكب وتحاول الارتفاع نحو الأعلى.. أتذكر دعاءً كانت أمي تردده فتهدأ آلامها. تحاول شفتاي أن تلفظانه .. " يا ربَّ مريم أغثني".

يوم أخير:

أحد الوجوه المعنونة بالأسئلة يخترق سكوني فجأة ..

- ساهرة .. لسنا بحاجة بعدُ لأن نخاطبكِ بهذا الاسم .. اليوم هو يوم صمتكِ الأخير يا مريم !

" مريم" في أفواههم لها رائحة الموت.. تشعل في أطرافي حرارة البلل الأحمر..

- هناك من أتى لرؤيتكِ .. من تتوقعين ؟

باغتني السؤال.. وقعُ خطواتٍ تقترب.. صداها محفورٌ في عمق فزعي.. أقرأهُ بين اختلاط الخُطى.. هو ذاته الحذاء القاسي.. هي ذاتها الأصابع الحجرية تطأُ بصري المسدل على الأرض .. حمم الرفض تتصاعد .. تتدافع من فوهة الصمت الرابض كالجبل الأشم فوق أضلعي.. تحرق ملامحي بسعيرها المحموم.. ينتابني اللهاث.. " أخرج من بئرك المدفون يا صوت مريم.. قل لهم ابسطوا أوراقكم.. صفحاتكم البيضاء .. أقلامكم المترعة حبراً وأسئلة .. ها قد جاء الجواب إليكم بلا سؤال .

نظراتي تتسلق قامته.. يمتطيها ذلٌ وانكسار.. يريعني ما أرى .. جسده غارقٌ في لفافات بيضاء ثقيلة .. اللون الأحمر يبصق رذاذه المريع في عمق بياضها .. كأن أجزاءً مثقوبة في جسده تنزّ دماءً إلى الخارج .. يصعد بصري نحو وجهه.. متحجرة ملامحه.. لا أستطيع قراءتها.. ربما لأن بصري لم يجرؤ يوماً أن يعلو حتى عيناه. سحابةٌ من القتامة تغزو سحنته.. يحاول أن يقول شيئاً ..

- مريم ..

خرجتْ من شفتيه هادئة دون زئير .. حممٌ الرفض الراكضة في جوفي تبرد .. يجمّدها الذهول .. تنهار قامته فجأة .. تطوقه الهامات الطويلة.. تحجز بصري عن رؤية وجهه .. يزرعون في جسده أنابيب رفيعة كثيرة لا أعرف إلى أين تمتد .. أطرافهم تتحرك في تحفز.. أصواتهم تختلط..

أغمض عيني.. تنكمش أطرافي تحت الغطاء .. أغفو من جديد وبأعماقي تتقاطر آلاف من الأسئلة الناتئة.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007