[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
عند شواطئ أندلوسيا عند شواطئ أندلوسيا
التاريخ:  القراءات:(1010) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : أحمد غانم عبد الجليل  

 

غادرت

الفندق مثل لص يحمل دليل إدانته، حقيبة ملابسي الصغيرة، ضياء الفجر المتمدد في

الأفق يلوِح لي بما أقبل عليه من غموض، تلفتُ ورائي لأكثر من مرة للتأكد أن أحداً

من زملائي أو من رجال المخابرات المكلفين بمراقبتنا في الخفاء لم يعِ لحركتي حتى

وصولي الباب الزجاجي الخارجي الدوار، تنفست عميقاً لما ركبت سيارة الأجرة الذي

أوقفها لي الرجل الأشقر دائم الابتسام للنزلاء وضيوفهم، أخبرته بصوتٍ خافت أني

أقصد محطة القطار التي لم يصلني إليها تجوالي ورفاقي في المدينة العتيقة التي تغلب

على مبانيها السمة الأوروبية الكلاسيكية فخمة الطراز، كثيرة الزخارف والتماثيل

متباينة الأحجام والأشكال، وجوه أصحابها المنتصبة في الميادين ووسط الساحات ترصد

في جمود حركة الحياة بإيقاعها السريع، مزيج هائل تتعدد بصماته في هذه البلاد، يكسبها

وجهاً معشَق الملامح، وجه يشبه وجه نورا ـ لوسيا باهت النمش في مواجهة شمس المتوسط

ـ الأطلسي قبيل الغروب، وصلت المحطة شبه الخالية قبل التزاحم الذي يذكرني بهرولة

الجنود صوب القطارات التي تقلهم إلى جبهات القتال، هناك كانت آخر مرة أرى فيها أخي

فيما الوطن يدخرني للحرب التالية...

 حجزت في الدرجة الثانية وظللت أرقب حركة الناس

عبر النافذة في تململ واضطراب، تأخذني الدهشة مما أفعل، وما يمكن أن تصادفني من

مواقف أو أسئلة ليست في الحسبان، ركبت بجانبي عجوز توجست مني ريبة ما فطنت، لا

أدري كيف بالضبط، أني عربي، رغم حاجتي الملحة بالتودد إليها لاستراق بعض الاطمئنان

من الطيبة المنصهرة في وجهها المترهل، ولو بلغة الإشارة، القطار كان فائق السرعة،

لا صلة تربطه بقطاراتنا القديمة، ناقلة الأموات اكثر من الأحياء عبر سنوات الحروب

اللعينة، طاف بنا على حواف المقاطعات والمدن والقرى الصغيرة، لوحات متنوعة تمرق من

امام ناظري بسرعة أقرب إلى رمشة عين، تكاسلت عن إخراج دفتري وبعض الأقلام من

حقيبتي لرسم بعضاً من ملامحها، مستعيناً بشريط الذاكرة لتسجيلها فيما بعد، وربما

لو فعلت لظنت المرأة المسكينة أني أخرج قنبلة لتفجير القطار بكل راكبيه، أرجعت

مسند الكرسي للوراء ملتمساً شيء من الاسترخاء، أغمض عيني كل حين ثم أفتحهما فجأة

مجفلاً، أحدق بما حولي، أهم بالنزول في كل محطة يقف عندها القطار، أختفي بين شعاب

الأرض الغريبة لأخلق لنفسي حياة جديدة أجهل عن معالمها شيئاً، ولعلي أعبر صوب

الرصيف المواجه وأقفل راجعاً وكأن شيئا لم يحدث، لأول مرة في حياتي أشعر بحرية

الاختيار التي كنت أحسد عليها أبطال وبطلات الأفلام الأمريكية، كلما شعر أحدهم

بالانكسار والفشل ولو جراء خيبة عاطفية يلملم أهم مقتنياته في صندوق أو عدة صناديق

كرتونية أو خشبية ويضعها في سيارته ويغادر المقاطعة أو الولاية منعتقاً من كل شيء

ليبدأ حياةً جديدة تبيح لمخيلاتنا رسم ملامحها...


مقطع من رواية

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007